الأساطير المؤسسة للطائفية (2) السِّحر

اأيمن عبد الرسول

عندما نتحدَّث عن القصص اللا واقعية حول الطائفية في مصر نبدأ من حيث انتهت الفتنة، ونقصد بها رواية الملابس الداخلية التي ادَّعى البعض وجودها داخل كنيسة الشهيدين بقرية صول مركز أطفيح محافظة حلوان جنوبي القاهرة، وكذا ادعاءات وجود قوائم بأسماء أهل القرية المسلمين وأسماء أمهاتهم، في الكنيسة المتهمة بأعمال السحر ضد مسلمي القرية، ومن خلال السطور القادمة سنحاول تفكيك أسطورة الأساطير التي تقف عائقًا في الوعي الشعبي ضد تطبيع العلاقات بين مسلمي مصر ومسيحييها، فهناك اعتقاد جازم لدى أغلب المسلمين في ممارسة الكنائس لأعمال السحر والربط، وقبل الغوص في التفاصيل نتعرف على التعريف العلمي لفكرة السحر لغويًا وسيكواجتماعيًّا.

السِّحر: مصطلح عام يستعمل لوصف فعالية تقوم بتغيير حالة شيء ما أو شخص ما في نطاق التغيير الذي يمكن للشيء أو الشخص أن يتعرض له دون خرق لقوانين الطبيعة والفيزياء، ويعتقد البعض أن بإمكان هذه الفعاليات خرق قوانين الفيزياء في بعض الحالات، وهناك على الأغلب التباس بين السحر وخفة اليد والشعوذة وتستعمل كلمة السحر كمرادف لجميع هذه المصطلحات التي تختلف بعضها عن بعض

.

والسِّحر في اللغة العربية: استنادًا على تفسير القرطبي للآية 102 من سورة البقرة “السحر أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيُخيّل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد فيُخيّل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة سيرًا حثيثًا يُخيّل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه. وقيل: هو مشتقّ من سَحرتُ الصبيّ إذا خدعته، وقيل: أصله الصّرف، يقال: ما سَحَرك عن كذا، أي ما صرفك عنه. وقيل: أصله الاستمالة، وكلّ مَن استمالك فقد سحرك”.

ومن الناحية الدينية: حرم الدين الإسلامي السحر والشعوذة، ويعد الساحر كافرًا ومن أتاه وصدقه. فقد ورد في سورة البقرة آية 102 “وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ”. كما حرمت الديانة اليهودية والمسيحية السحر، فقد ورد في سفر الخروج 22-18 “لا تدع ساحرة تعيش”.

من جهة أخرى كان الاعتقاد بدور السحر كعامل في التأثير على الطبيعة وما وراء الطبيعة سائدًا في معظم الديانات التي كانت سائدة قبل الديانات التوحيدية، وبخاصة في الديانة الزرادشتية التي كانت عاملاً مهمًّا في الاعتقاد بوجود كينونة الشر التي هي في صراع أزلي مع كينونة الخير، ويعتقد أن كلمة السحر بالإنجليزية Magic قد أتت من أفراد قبيلة ماجاي الميدية الذين كانوا رجال الدين الرئيسيين في الديانة الزرادشتية.

ويرجع بعض المؤرخين جذور السحر في إطار ديني إلى فترة العصر الحجري الحديث حيث كان الانتقال من حياة التنقل إلى حياة الزراعة والاستقرار دورًا في تحوُّل رئيس القبيلة إلى ملك والمؤمن بالخرافات والأساطير والعلوم الخفية إلى كاهن كان مهمته نقل تعليمات الإله إلى المجتمع.

كانت الوسيلة الرئيسية للسحر في المعتقد الديني هي التعويذة، والتي كانت عبارة عن كلمات أو كتابات مخلوطة بمواد خاصة يقوم بتحضيرها الرجل الديني في طقوس خاصة وكان هدف التعويذة يتراوح من تغيير للمستقبل إلى السيطرة على شخص ما أو عامل ما وكانت هذه التعاويذ عادة ما تتم تحت مزاعم استحضار قوى إلهية، وغالبًا ما كانت التعويذة تتم على مراحل منها: التحضير بأيام قبل طقوس التعويذة بالصوم أو الصلاة، وتهيئة جو خاص بالطقوس باستعمال روائح خاصة أو مواد معينة، وكان أتباع كل دين يعتقدون باحتوائها على قوى خارقة، وطقوس استحضار القوى الخارقة أو الإلهية التي كانت تختلف باختلاف الدين المتبع.

وفي مصر تحديدًا ينتشر الاعتقاد بشكل مبالغ فيه حول السحر وتسخير الجان، وغيرها من الأساطير ذات الأصول المصرية القديمة والتي تسربت إلى الأديان وتواءمت مع تأويل طفيف لبعض النصوص الدينية، وقبل مناقشة توغُّل هذه المعتقدات في نفوس المصريين بشكل خاص، نتعرف أكثر على مصادر أساطير السحر، حيث كتاب القانون لآليستر كراولي.

قام بكتابة هذا المؤلف في القاهرة عام 1904 ويحتوي على ثلاثة فصول وحسب كراولي فإن كل فصل تمت كتابته في ساعة واحدة. زعم كراولي أن الشخص أو الشيء أو المخلوق الذي أملى عليه الكتاب كان “نفسه الخفية” وكان اسمه أيواس.

يسمي التعاليم الموجودة في الكتاب باسم ثيليما ويمكن إيجازها بهذه المبادئ: إدراك النفس الحقيقية والإرادة الفريدة لشخص ما كفيل “بالاتحاد مع الكل”، كما يمكن الوصول لهذا الإدراك بواسطة بعض الطقوس، من هذه الطقوس: اليوجا، استحضار الأرواح، طقس العشاء الأخير للمسيح، قراءة كتاب القبالاه الذي يعتبر روح التوراة، قراءة الطالع، التنجيم

وفهم رموز شجرة الحياة التي هي عبارة عن أعداد أو أرقام متصلة ببعضها عن طريق 22 ارتباطًا خطيًّا، الأعداد تمثل الكواكب وخطوط الارتباط هي رموز الأبجدية العبرية والتي تقسم بدورها إلى سبعة كواكب و12 برجًا.

اتباع هذه المبادئ سوف يؤدي حسب معتقدات أتباع ثيليما إلى حالة التيقظ الشبيهة بالنيرفانا في البوذية واكتشاف النفس الخفية. “النفس الخفية” بإمكانها مغادرة الجسد والانتقال عبر الأثير وعبور “بحيرة الفراغ” وهي أساس السحر والهدف الرئيسي من الممارسات المذكورة أعلاه حيث إن بإمكان هذه النفس الخفية أو ما يسمى أيضًا من قبل كراولي “الجسد الضوئي” إنجاز أعمال تخرق قوانين الفيزياء مثل إزالة قوى غير مرغوبة وتحضير أرواح.

يُذكر أن كراولي البريطاني المولد كان يلقب من قبل الصحافة “الرجل الشرير” وتم طرده من إيطاليا عندما حاول أن يشكل تنظيمه الخاص ومات مفلسًا نتيجة التهاب الرئتين وإدمانه على الأفيون.

كتاب شمس المعارف الكبرى

أشهر كتاب معروف لدى أغلب الذين يمارسون السحر هو كتاب شمس المعارف الكبرى لأحمد بن علي البوني والذي منه نسختان الأولى وهي الأصلية وتعود إلى 200 سنة خلت، والثانية معدلة حيث تم حذف بعض الصفحات منها وإضافة صفحات أخرى. وهذا الكتاب ممنوع في كل الدول العربية ما عدا مصر. ويحتوي على مصطلحات ومفاهيم تتعلق بالسحر والشعوذة ومن ضمنها مصطلحات لتحضير الجن، ومصطلحات تتعلق بالنجوم والأبراج والكواكب والقمر وحركة القمر، الخ. وتوجد في الكتاب بعض التطبيقات ورسومات تتعلق بتنفيذ أوامر الشعوذة والسحر.

هذه ملامح وأجزاء من تراث الثقافة السحرية في مصر، ويمارسها بعض المصريين مسلمين وأقباطًا بمسميات مختلفة، سنناقشها في المقالات القادمة، أما كيف يمارس علماني مثلي هذه الدراسة، فسؤال ألمحه وجوابه بسيط: إننا بصدد تفكيك الأساطير المُنتجة في مجتمع يعيش في قاعه وربما في قمته، تلك الممارسات التي تنتمي للعصور الوسطى، ولا بد من تفكيكها علميًّا، بما يصدم ملايين البسطاء الذين لن يقرؤوا هذه المقالات وإن قرؤوها لأنكروها.. وفي المقال القادم يفجر صديقكم قنبلة من العيار الثقيل، حول كتب السحر الموجودة في الكنائس القبطية، وقبل تفجيرها، أترك لكم سؤالاً دالاً.. كم مصري مسلم يعرف شكل الكتابة المصرية القديمة خلال تطوُّرها، وكم منهم يمكن أن يعرف اللغة القبطية؟!

This entry was posted in ايمن عبد الرسول and tagged , . Bookmark the permalink.