وحوي يا وحوي.. أنشودة فرعونية

بقلم د. كمال مغيث  

منذ ما يزيد علي الأربعين عاماً، كنا نحمل فوانيسنا الصغيرة المتواضعة، والمصنوعة من بقايا الصفيح وبقايا الزجاج الملون، حيث كان ثمن الفانوس لا يتجاوز القروش الخمسة، ونشعلها بالشمع ونمر علي البيوت وهي في النهاية بيوت أقاربنا وجيراننا، ونحن ننشد وحوي يا وحوي.. إياحة، حالو يا حلو رمضان كريم يا حالو، وكان هؤلاء الأقارب يجودون علينا ببعض التمرات، أو ببعض ثمار الفاكهة، لا أكثر من ذلك.

وعندما كبرنا قليلاً، دخلت الكهرباء إلي بلدتنا – الباجور منوفية – سنة 1965، وانتشرت أجهزة الراديو، وكبرنا علي اللف بالفوانيس علي البيوت والبيبان، ومع ذلك فقد راحت تسحرنا أغنية «وحوي يا وحوي إياحة» من غناء المطرب أحمد عبدالقادر وكلمات حسين حلمي المانسترلي وألحان أحمد الشريف، وتقول بعض كلماتها: وحوي يا وحوي إياحة / رحت يا شعبان إياحة / جيت يا رمضان إياحة / جيت في جمالك سقفوا يا عيال / ياللا الغفار / محلا صيامك فيه صحة وعال / ياللا الغفار / نفدي وصالك بالروح والمال / وحوي يا وحوي.

المهم أنه رغم استمتاعنا بالأغنية، التي أصبح الناس جميعاً يعتبرونها علامة مميزة علي الشهر الكريم، فقد رحت أحاول أن أفهم معني كلمات: «وحوي يا وحوي إياحة»، لاهتمام أصيل يدفعني لمحاولة فك رموز ثقافة شعبنا المصري العظيم، وكان من المنطقي أن أبدأ بالبحث في القواميس والمعاجم العربية عن معني كلمتي: وحوي… إياحة.. فلم تسعفني المعاجم بشيء، فانطلقت إلي معيننا الخالد وخزانة ذكرياتنا وتراثنا الخالد. وأوصلني البحث إلي الملكة العظيمة «إياح حتب» أو «إياحة» كاسم الدلع المشهور في مصر،

فنحن نقول: لـ«تحية» توحة، أو لـ«ندي» دودا. ورحت أتتبع أخبار تلك السيدة العظيمة، فإليك – أيها القارئ الكريم – ما اهتديت إليه، وأرجو أن يكون مفيداً. في أواخر القرن الثامن عشر قبل الميلاد كانت الدولة الفرعونية الوسطي قد تدهورت وتفككت، مما أطمع فيها شعوب الرعاة، البدو، القاطنين علي حوافها الشرقية،

حيث يدفعهم قفر الصحراء وجدبها إلي أن يلجأوا دائماً لنيل مصر الجاري وأرضها الخصبة، فتجمعوا في جحافل شرسة مقاتلة – سميت الهكسوس – لتحتل شرق البلاد وتفرض سيطرتها علي مختلف أقاليمها، وتجبر أمراءها علي دفع الجزية، أو الإتاوة، لحاكمها في عاصمتهم «أواريس» وفعلوا جميعاً.

ولكن كان هناك في طيبة تلك السيدة العظيمة «إياح حتب» زوجة أميرها تاعا الثاني، والتي راحت تحرضه علي أن يرفع راية العصيان في وجه الغزاة الهكسوس، ويستعيد مجد وبلاد آبائه من الفراعنة العظام، فراح الرجل يعد العدة ويجند الجند ويقوم بالتدريبات، وتنقل «العيون» الأخبار إلي ملك الهكسوس الذي يرسل رسالة سخرية إلي تاعا، يقول فيها: أسكتوا أفراس النهر التي تصيح في طيبة.. 

إنها تزعجني، وتقوم الحرب بين الفريقين ويتقدم الجيش الطيبي، وتحت أسوار أواريس ينال «تاعا» الذي تلقب بـ«سقنن رع» علي عادة الملوك الفراعنة، ضربتي دبوس قاتلتين، واحدة في فكه الأسفل والثانية في جمجمته، هكذا ستري أثر الضربتين حين تقف أمام مومياء ذلك المناضل العظيم في قاعة المومياوات بالمتحف المصري.

وربما تدفعك قدماك إلي قاعة الذهب لتشاهد قلائد وأساور إياح حتب، والتي أقيم ذلك الصرح الشامخ حولها بالتحديد، وتلك قصة أخري، المهم عادت «إياح حتب» بجثمان زوجها الشهيد، وبمجرد الانتهاء من مراسم وداعه ودفنه، انطلقت إلي ابنها البكر «كامس» الذي استأنف مشوار أبيه ومات ميتته، محارباً في سبيل الاستقلال،

ولم تهن عزيمة إياح حتب، فدفعت إلي أتون المعركة بابنها الثاني «أحمس» الذي نجح فيما فشل فيه أبوه وأخوه الكبير، بينما أمه «إياح حتب» من خلفه تشد أزره وتقويه، وينتصر أحمس علي الهكسوس، ويطارد فلول الهكسوس إلي البادية التي دهتنا بهم، وأمه معه، وبعد أن يطمئن إلي أنه قد شتت شملهم، يعود أدراجه إلي موطنه، وتعود معه أمه «إياح حتب» بعد أن رضيت وقرت عينها، وحققت الاستقلال الذي قدمت زوجها وابنها البكر قرباناً له.

والآن أود أن أقول للقارئ العزيز: إن إياح، معناها، «قمر». وحتب معناها، «الزمان»، وبالتالي فالسيدة اسمها «قمر الزمان»، أما كلمة وحوي الفرعونية فمعناها: مرحباً أو أهلاً.

وهكذا وتقديراً للتضحيات وللدور البطولي لـ«إياحة» خرج المصريون حاملين المشاعل والمصابيح وهم يهتفون لها: وحوي إياحة أي: مرحباً يا قمر، أو أهلاً يا قمر.

وهكذا أصبحت وحوي إياحة، أو أهلاً يا قمر، تعويذة المصريين وشعارهم لاستقبال كل قمر يحبونه وعلي رأسها: قمر رمضان.

وكل سنة وأنتم جميعاً بكل خير.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا. Bookmark the permalink.