النص الديني حين يكون خمر مغشوش

ايمن رمزي

• الخمور أنواع وأشكال ومستويات. ويتم صناعتها مِن مواد أولية طبيعية، فمثلاً يمكن باضافة العنب مع السكر وقليل مِن الخميرة أن تنتج نوعاً ما مِن الخمور. المواد الأولية في ذاتها لا تُسببْ تَغييباً للعقل، والفاسد منها تَظهر رائحة عفونته حَالَ الاقتراب منه. هذا عن الصناعة الأولية لأبسط أنواع الخمور. ومع بعض الخبرة في الصناعات الغذائية يمكن صناعة أنواع أكثر فخامةً وتركيز مِن الخمور. لكن في النهاية تبقى الخمور مصنوعة مِن مواد أولية غير مُغيبة للعقل وغير متلفة لأجهزة الجسد الداخلية.
• كتبت هذه الفكرة السريعة لما نسمعه هذه الأيام مِن كثرة استخدام القصة التي كتبها الرسول متى عن الحوار الذي دار بين السيد المسيح ومجموعة مِن اليهود حول الطلاق والزواج الثاني. طبعاً هذه القصة وهذا النص الإنجيلي المقدس يمكن توظيفه بصورة أولية لا يتم فيها تغييب القارئ المؤمن، إذا قُرِأ في إطاره الزمنيّ والتاريخي وبيئة اليهود الواقع عليهم الاحتلال الروماني وخلفية تعاملهم مع النساء كدرجة عاشرة وقتها، وأيضاً الفساد الفاحش لرجال الدين اليهود في ذلك الوقت الذين كانوا يوظفون النصوص حسب أغراضهم ومتطلبات سلطتهم الكهنوتية على الشعب المحتل مرتين في وقت واحد مِن الرومان وهؤلاء الكهنة.


• كثيراً ما يتم توظيف النصوص الدينية المقدسة في تركيبة فنية إعلامية مع بعض العوامل المساعدة لصناعة ما يمكن أن نطلق عليه خمر فاسد يتم مِن خلالها تغييب التابعين. مِن المعلوم أنه نزلت النصوص الدينية (أي نص ديني) في بيئات وخلفيات حضارية مختلفة عن البيئة والثقافة التي نعيشها الآن، ومع ذلك تجد الإرهابيون يستخدمون النصوص الدينية لإرهاب وتكفير وقتال الآخر المختلف معهم في العقيدة، وأقلهم إرهاباً لا يقبل التعامل مع المختلف معه عقائدياً موظفاً لذلك نصوصاً دينية مُغيباً بها التابعين له.
• إن توظيف بعض رجال الدين لنصوص دينية في تغييب عقل التابعين، من خلال تأويل تلك النصوص، هو نوع مِن أنواع الخمور المغشوشة التي لا شبيه لها في كثير مِن الدول الراقية المتقدمة التي فصلت بين الدين كعلاقة فردية وبين المجتمع وكل فرد فيه له نفس الإمتيازات وعليه نفس الواجبات مثل الباقين.
• وما أسوأ أنْ يَرتَكِن بعض المخمورين إلى تلك النصوص الدينية كوسيلة هروبية سهلة وتغيبية مِن مشاكل إنسانية تحتاج قليلاً مِن استخدام العقل. مشاكل حياتية اجتماعية حاضرة تحتاج قليل مِن الاجتهاد الفكري ودراسة للظروف البيئية والثقافة المجتمعية ومراعاة مقتضيات العصر بما يَشمله مِن متغيرات وتفاعلات لم تكن موجودة وقت كتابة النص الذي تم تقديسه.
• وهذا هو ما يفعله الآن كثير مِن رجال الدين وتابعيهم حين يتمسكون بنص منفرد ويقتطعونه مِن بيئته وخلفيته الحضارية ويُصّرونْ على تطبيقه تشريعياً على واقع الإنسان الحاضر.

كل أسفي للمخمورين والمغيبين بفعل توظيف أو تأويل نص مقدس كخمر مغشوش.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in أيمن رمزى. Bookmark the permalink.