الدين ببساطة

رائد قاسم

يمكن القول ان معظم ما يحيط بنا مبنيا على النسبية،  فالعلم اثبت اليوم ان الحياة التي نعيشها ليست الحقيقة المطلقة، وإنما هي سلم من سلالم الاهتزازات والترددات التي يقوم عليها نظام الكون، فكل ما هو حقيقي بالنسبة لنا مبنيا على حواسنا الخمس، او على اجهزة الرؤية والرصد التي اخترعناها، وكلاهما لا يجسد الحقيقة المطلقة التي تحيط بنا.

من ناحية اخرى فأن كل ما في حياة الانسان ونظامه الحضاري موجود في اصله كمادة خام في الطبيعة والحياة، اي انه ليس ابتكارا بشريا محضا، فالاقتصاد مثلا احد انظمة الطبيعة، يظهر هذا بوضوح في الحياة البرية مثلا، فعلى مر الاف السنوات لم تفني الحيوانات القوية المفترسة الحيوانات الاليفة الضعيفة، وذلك بسبب منظومة الاقتصاد التي تقوم عليها الطبيعة حتى تستمر في البقاء.

الموت جدا مهم لاستمرار الحياة ويمكن اعتباره ظاهرة اقتصادية، فموت الكائنات الحية وتحللها يساهم في اعادة تزويد بيئة الارض بالطاقة اللازمة لاستمرارها.

ومن خلال الموت تتغدى الكائنات الحية على بعضها البعض، فلولا الموت لانتهت الحياة.

 الزلازل تساعد في زيادة خصوبة تربة الارض والحفاظ على الحياة النبانية، وثوراث البراكين تعد من الظواهر الصحية بالنسبة للأرض  ككوكب، حيث تساعد في التوازن الحراري للارض،  وتكوين الجزر، ونشوء البحيرات الحارة والكيميائية، ويعد البركان بمثابة اخراج طبيعي لما في باطن الارض من طاقة زائدة، الامر الذي يساهم في تجديد الارض والمحافظة على سلامة نظامها الطبيعي.

حتى النظام السياسي يمكن ملاحظته في الكائنات الحية بسهولة، فقرود الشمبازيا مثلا تقوم حياتها على سلطة الذكر الاقوى والصراع مع المجتمعات المجاورة، حيث تغير القبيلة القوية على قبيلة اخرى ضعيفة وتقتل ذكورها وتستولي على اناثها، ويتميز قائد القبيلة بقوى جسدية متميزة عن غيره، وقد رصد العلماء كيف ان الذكور الاخرين التابعين له  يقومون بطقوس قريبة من البشر حيث يركعون امامه ويقبلون قدمه.

وفي عالم النحل لكل خلية ملكة يقوم الجميع على خدمتها ورعايتها، وتقوم الشغالات بكل ما يلزم لاجل استمرار المملكة وفي مقدمتها الدفاع عن الخلية، بينما تنحصر مهام الذكور بمهمة الفوز بتلقيح الملكة ليستمر نسل الخلية.

الدين بكل بساطة موجود ايضا في الطبيعة والحياة وليس احتياجا بشريا محضا، القران الكريم يعج بالايات التي تتحدث عن تسبيح الطيور والحيوانات { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} – الاسراء 44- ، وقد رصد علماء الحياة البرية الكثير من الظواهر في هذا المضمار، حيث وجدت اناث الشمبازيا وهي تساعد بعض الشمبازيا المريضة وتتبنى صغار فقدوا امهاتهن، ورصدت مظاهر حزن وتابين لحمير على فقد احد افراد المجموعة، وعالم الكائنات الحية مليء بمظاهر وسلوكيات الرحمة والتعاطف والنبل والصداقة بين الحيوانات، سواء من نفس النوع او من عدة انواع.

قبل ظهور الاديان في شكلها المتعارف عليه تذكر المصادر التاريخية انه في تلك العصور السحيقة وقبل تكون الدول ونشوء الحضارات كانت بعض القبائل البدائية عندما تتقاتل فيما بينها وتغلب احداها، كانت القبيلة الغالبة تقوم باداء طقوس لراحة انفس قتلى القبيلة المهزومة، وكان مقاتلي القبيلة يبكون وينتحبون ويطلبون الغفران من ارواحهم، وكانت بعض القبائل بعد ان تصطاد الحيوانات وتعدها للاكل تقوم بطقوس مماثلة طالبة الغفران من ارواح تلك الحيوانات.

ان الدين كعلم عرفه الانسان كالفيزياء والكيماء والفلك والطب وغيرها من العلوم التي بوبها وصنفها ووضع لها الاسس والقواعد، وجميعها موجودة في تركيبة الكون ويقوم عليها نظامه وحركته، وجميعها علوم تتطور معرفتنا عنها ويكاد يمكن القول انه لا علم له نهاية بالنسبة لنا.

ويمكن ملاحظة كون الدين مركب كوني وعلم مدرك من خلال نظرة سريعة على الاديان، فجميعها تقوم على عناصر واحدة، ( الاله، النبي، الشخصيات المقدسة، كتاب مقدس، نصوص مقدسة، احكام وتعاليم، عقائد ).

 والدين بما انه طبيعي النشوء ارضي الحركة فأنه نسبي ايضا، فالحقائق والاحكام الدينية قائمة على النسبية، اي انها ليست مطلة الصحة، فاساس الدين هو الذي تقوم عليه احكامه وتشريعاته لا الاحكام الظرفية، لذلك اختلف علماء الدين حولها، ولم يستثنى دين من ذلك.

وإذا ما تتبعنا تاريخ الاديان فسوف نجد ان كل اتباع دين مؤمنون بدينهم ويجنون منه الاثار المباشرة على حياتهم، لذلك فأن التطرف والتعصب الديني والتسامح ايضا سمة في اتباع الاديان منذ القدم، فالديانة الهندوسية مثلا عمرها يزيد على الثلاث الاف عام، وتنقسم الى عشرات المذاهب والاتجاهات، وتاريخ الهندوس الشعبي مليء بالخوارق واستجابة الالهة للدعاء والصلوات، ويرى اتباع الديانة الهندوسية اثار تمسكهم بديانتهم كغيرهم من اتباع الاديان، وليس في هذا تناقض او تضارب، لان الدين واحد في اصله واثاره متشابهة في كافة الاديان.

ولكون الدين موجود طبيعي في الحياة فقد انقسم كغيره من العلوم والمدركات والايدلوجيات الى مدارس وطوائف ومذاهب ومسالك واتجاهات، وتفرعت اصوله، ونظرا لكونه يتحرك على الارض كغيره فقد ظهرت بينه وبين الحقول الاخرى علاقات وثيقة، تماما كالعلاقة بين الكيمياء والفيزياء، والطب والفلك، والاقتصاد والنفس والاجتماع، فقد ظهرت بين الدين و ( السياسة والثقافة والاجتماع ) علاقات حتمية، وظهرت خلال الالف عام الاخيرة تراكمات ومعطيات ضخمة في اطار العلاقة بين الدين والسياسة والاقصاد انتهت بظهور المدنية كنظام بيئة حضارية وإنسانية شاملة، والليبرالية كمنظومة حقوق وحريات. 

كما وتقوم العلوم الدينية على ارتباطات حيوية مع العلوم الاخرى، لأنها في البداية والنهاية علوم اساسها من الطبيعة، وتبويبها وتصنيفها وتطورها مرهون بالحضارة الانسانية، ففي الاسلام تقوم العلوم الدينية كالفقه والحديث التفسير على الفلسفة واللغة والفلك، فالفلسفة الاغريقية من اهم ما قامت عليه العلوم الدينية الاسلامية، لا سيما في الابواب الفقهية والعقائدية، ويمكن القول ان فلسفة الاغريق هي عماد من اعمدة الثقافة الانسانية حتى يوما هذا، فكل المدارس الفلسفية وكل ما تشكل الفلسفة احد مناهجه يعود الى المدرسة الاغريقية باعتبارها ام الفلسفات وأعمقها على الاطلاق.

بما ان الدين يتحرك على الارض فقد تعرض كغيره الى التقادم والحاجة الى التجديد والتغيير، لذا فقد ظهر المصلحون والمجددون في مختلف الاديان، وكانت نتيجة جهودهم ظهور العديد من المذاهب والمدارس والاتجاهات والمسالك في اطار انتماءاتهم الدينية، مما ساهم في اثراء هذه الاديان ومساهمتها الفاعلة في المعرفة والنسيج الحضاري.

ان العلاقة بين الدين والعلم وبقية الحقول تكاد تكون طبيعية لانها جزء من الانظمة التي تسير الحياة وجزء من تركيبة الكون والطبيعة فكان ولا بد ان يكون بينها علاقة وان كان كل منها يشكل حقلا مستقلا عن الاخر حسب وظيفته الكونية وتصنيفه العلمي ومهامه في اطار الحضارة البشرية، فما نجده من بعض الاشارات العلمية في بعض الكتب الدينية المقدسة كالانجيل والقران لا يعد اثباتا علميا على صحة الدين كما يرمي الى ذلك الدينيون، الذين يعملون على اثبات صحة نصوصهم الدينية من خلال اثباتها علميا، بل ان ذلك لا يعدوا ان يكون  في اطار العلاقة الطبييعة بين الدين وغيره من مكونات الكون.

يعتقد المسلمون بأنه في الجنة تتحقق امنية سكانها بمجرد التفكير فيها، وقد اثبت العلم الحديث ان الكون يقوم على  الترددات، وان حياتنا الارضية تقع في ادنى هذه الترددات وابطئها ( الحياة الدنيا) فتحقق اي شي يفكر فيه الانسان يستغرق وقتا طويلا  بقدر حجم الفكرة ومتطلباتها، بمعنى آخر فأن كل شي في حياتنا ليس سوى فكرة  في اصلها وطورها الاول، فالجسور  والطرقات والمباني والبيوت والسيارات بل وحتى ملابسنا كلها عبارة عن افكار في اذهان اصحابها  قبل ان تتحول الى حقيقة بالنسبة لنا، وبما اننا نعيش في سلم ارتدادات منخفض وبطيء فأن سرعة تحقيق هذه الافكار بطيء، ولكن ثمة ابعاد حياة اخرى من هذا الوجود تقوم على ترددات واهتزازات اسرع، وبالتالي فأن القدرة على تحويل الافكار الى حقيقة اسرع ايضا، بل قد يصل الى رد البصر، كما في قصة النبي سليمان مع عرش سبا الواردة في القران الكريم.

والحياة الابدية التي تبشر بها الاديان، اثبتها العلم ايضا من خلال النظرية النسبية، حيث اثبت اينشتاين ان السير بسرعة الضوء يعني توقف الزمن والدخول في ما يشبه الحياة الابدية التي ينعدم فيها الاحساس به.

ان الدين ببساطة موجود طبيعي ركب به نظام الكون والحياة، اوجده الرب ليكون احد العناصر الاساسية التي تستقيم بها الحياة عامة وحياة البشر على وجه الخصوص، ولكن يقع على المجتمعات الانسانية مسئولية اختيار النظام الديني الذي يساهم في اثراء حياتها ليتحول الى جزء من مزيجها الحضاري وارثها الروحي والوجداني.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, رائد قاسم and tagged , . Bookmark the permalink.