الشُّهُودُ الإيرانِيُّ وغِيَابُ الاسْتراتِيجِيَّةِ الأمرِيكِيَّةِ

د. بليغ حمدي إسماعيل  بليغ

بعيدا عن التهديدات الافتراضية التي تجتاح المنصات الرقمية والتي مفادها تسارع التغلغل الإيراني وجموح النفوذ الفارسي في منطقة الخليج العربي، رغم أن بعض هذه الفرضيات تبدو منطقية بعض الشئ، إلا أن إيران تسطر لنفسها تاريخا جديدا في مواجهة الصهيونية التي تستظل برادع أمريكي معلن.

وهذا التاريخ لا يكتب فقط من جانب أحفاد الحضارة الفارسية الضاربة في القدم، لكنه يكتب بأنامل أمريكية من الفصل الأول حتى الأخير ؛ لأن الولايات المتحدة الأمريكية هي ـ نفسها ـ التي صنعت فوضى التهديدات في منطقة الشرق الأوسط لكنها في ذات الوقت غفلت عن وجود شريك قوي وفاعل في المنطقة.

لذلك نجد ” مايك بنس ” نائب الرئيس الأمريكي يقرر أن أبرز التحديات التي تواجهها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية إيران لاسيما الملف النووي الإيراني الذي يشكل صداعا مزمنا في عقل الإدارة الأمريكية. لذلك تسعى أمريكا جاهدة لفرض عقوبات اقتصادية رادعة على طهران، وهي أيضا تصدر للدول الوطن العربي أن التحدي الأكبر للتنمية العربية يعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية فحسب.

ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية تزعم أنها استطاعت القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش )، وأنها في المقابل نجحت ـ تماما ـ في تفكيك الدور العربي الموحد الذي لم يكن موحدا في الأصل مما سهل مهمة أمريكا في القيام بعمليات الهدام والتفكيك لصالح الصهيونية، لكنها في حالة من الغياب المستدام إزاء حقيقة أنها تقف بثقافتها السريعة أمام حضارة عريقة امتازت بالثبات والشهود والتغلغل السياسي والثقافي والاجتماعي أيضا وهذا يفسر سر البقاء الإيراني ضد قوة المارد الأمريكي.

لدرجة أن ” مايك بومبيو ” وزير الخارجية الأمريكية أعلنها صراحة بأن إيران ضمن التحديات الإقليمية لأمريكا. واتهم ” بومبيو ” إيران بأنها وراء حملة الاغتيالات الواسعة في أوروبا، ومما يصعب المهمة الصهيوأمريكية في القضاء على الشهود الإيراني هو التقاعس الأوروبي في حل مشكلات الشرق الأوسط الراهنة، وبالرغم من أن المفتشين الدوليين قد أقروا في تقريرهم الرسمي بالتزام إيران بالاتفاق النووي العالمي إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية تحت الضغط الصهيوني لا تعترف بما ورد في التقرير.

وعلى الشاطئ الآخر، نجد الرئيس الإيراني ” حسن روحاني ” يتهم الولايات المتحدة الأمريكية بأنها وراء التفجيرات الانتحارية التي وقعت جنوب شرق إيران والتي أسفرت عن مقتل 27 من أفراد الحرس الثوري، فضلا عن اتهامه للولايات المتحدة بأنها حفنة من المرتزقة، وفي الوقت الذي تؤكد فيه الولايات المتحدة الأمريكية بـأن إيران هي مصدر الإرهاب في المنطقة، نجد الرئيس الإيراني ” روحاني ” يعلن في كل مناسبة بأن الجذور الأساسية للإرهاب في منطقة الشرق الأوسط هي الصهيونية بمساعدة أمريكا.

والولايات المتحدة الأمريكية تحاول بشتى الطرائق والسبل التي تحترفها إدارتها الحاكمة في تركيع وتقويض النظام السياسي الإيراني، من مثل تلك الطرائق ما قامت به المحكمة الأمريكية العليا بتجميد أرصدة إيرانية قيمتها ملياري دولار منذ عام 2016 رغم قرار محكمة العدل الدولية بالإفراج عن تلك الأرصدة.

ولأنه عالم بالفعل شديد القتامة حسب وصف الجلسات التي عقدت بمؤتمر ميونخ للأمن لكن الغرب الأوروبي يحاول الآن أن يستنسخ من جديد المارد الأمريكي للظهور مرة أخرى ؛ لا من أجل القضاء على إيران أو لمواجهة التحديات في منطقة الشرق الأوسط، تلك بقاع لا تهم غرب أوروبا بقدر ما تهمها المساعدات العسكرية والتمويلات المادية في ظل إدارة أمريكية يتزعمها ” ترامب ” الذي تخلى عن ضمان الأمن الدولي والتزام سياسة أحادية تهم أمريكا وحدها.

ووسط هذا السجال الإيراني الأمريكي تقف الدول العربية قابعة في قضاياها الداخلية التي لا تخرج عن فلك الحياة المجتمعية بحكاياها السخيفة والبليدة أيضا، واجترار ذكريات باهتة في كل مناسبة واحتفال.

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , . Bookmark the permalink.