دعاوى تعديل الدستور لتكريس إستبداد السلطة

 د.رياض حسن محرم 

لم ندعى يوما أن دستور 2014 هو المعبّر الناجز والنهائى عنّا أوعن ثورة الشعب فى يناير 2011، ولكنه فى تقديرنا يعبّر عن الحد الأدنى المتوافق عليه بين القوى الوطنية المشاركة فى الثورة وفى إزاحة الإخوان المسلمين عن الحكم والمتمثلة فى اليساريين والقوميين والدينيين التقدميين (بما فيهما الأزهر والكنيسة القبطية) والليبراليين الإجتماعيين، والذين يمثلون طيفا واسعا من القوى السياسية القائمة يمينا ويسارا، وليس أدل على ذلك من التوافق بين المشاركين فى لجنة إعداد الدستور ” لجنة الخمسين” أن يترأسها الآستاذ عمرو موسى ” ذو الميول الوفدية”، لكن التصدى للهجمة الشرسة على دستور 2014 يعد دفاعا عن آخر ما تبقى من ثورة يناير المجيدة، ولعله آخر حصونها التى ما تزال قائمة.

التعديلات الدستورية كما تخبرنا دروس التاريخ لم يستفد منها أصحابها منذ “اسماعيل صدقى والملك” وحتى الآن، وكأن العبث بالدستور يصيب صاحبه بلعنة تشبه “لعنة الفراعنة” المشهورة، فالرئيس أنور السادات قبل شهور من ترشحه لفترة رئاسية جديدة اغتاله متطرفون في «حادث المنصة» الشهيرولم يستفد من التعديلات التى أقرها ودفع حياته ثمنا لها، وبالمثل قامت ثورة 25 يناير ليفقد مبارك منصبه ويحال ونجليه وكبار وزرائه للمحاكمة، ولم يستفد من التعديلات التي أدخلها على الدستورلضمان التمديد والتوريث، وكذلك لم يمكث أنصار جماعة الإخوان في الحكم أكثر من عامًا واحدا بعد دستور 2012، والذى كان أحد الأسباب المعجلة بنهاية حكم مرسى.

فى عام 1980 تقدمت عضوة بمجلس الشعب مطالبة بتغيير المادة 77 من الدستور بتغيير حرف واحد منها وذلك باستبدال التاء المربوطة من “مدّة” الى حرف الدال لتصبح “مدد”، ولأجل تمرير ذلك التغيير لإتاحة الفرصة للسادات للترشح من جديد، فقد تم إضافة عدة تغييرات أخرى، لعل أشهرها هو إضافة حرفى “ال” الى كلمة مصدر فى المادة الثانية لتكون أحكام الشريعة هى المصدر الرئيسى للتشريع، وجاءت نتيجة الاستفتاء ب«نعم» للتعديلات الدستورية بـ 11 مليون صوتًا، فيما رفض التعديلات 60 ألف صوت فقط.

وفي نهاية 2006 أرسل الرئيس الأسبق حسني مبارك، طلبًا إلى مجلسي الشعب والشورى لإجراء تعديلات على الدستور تتضمن 34 مادة، ووضع شروطًا دستورية «مجحفة» تنطبق عليه وعلى ابنه جمال فقط، ما وصف حينها من قبل المعارضة بـ«تمهيد الطريق لتوريث السلطة إلى جمال مبارك»، ووافق مجلس الشورى في 13 مارس 2007، ومجلس الشعب في 19 مارس 2007 بالأغلبية على التعديلات الدستورية المطروحة، وفى 26 مارس 2007، أُجرى الاستفتاء على التعديلات ووافق عليها الشعب بنسبة بلغت 75.9%، في يوم وصف من قبل معارضين بـ«الثلاثاء الأسود»، عقب حالات تحرش بناشطات أمام اللجان الانتخابية. ما عجّل بالثورة ضد مبارك.

وجاءت جماعة الإخوان على رأس السلطة التنفيذية بعد فوز محمد مرسي في انتخابات الرئاسة فى يونيو 2012، ولم تتعلم الدرس وحلت عليها أيضا «لعنة الدستور»، وبعدما سيطروا على مفاصل الدولة، فعطلوا دستور 1971، وكتبوا دستور جديد لمصر في 2012، وبعد عام من الحكم ثار عليهم الشعب وأقصى محمد مرسى عن الحكم وقبُض على قيادات الإخوان.

وبالنسبة لدستور 2014 فقد تم إعداده وصياغته بواسطة لجنة من 50 شخصا تضم مختلف التيارات السياسية والإجتماعية الممثلة للطيف السياسى المصرى، وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات، المشرفة على عملية الاستفتاء على مشروع الدستور، أن أكثر من 19 مليون ناخب صوتوا بـ«نعم» في الاستفتاء على الدستور، أي بنسبة 98.1%، بما يعنى توافق وطنى واسع يعتبر أقوى تعبيير عن إرادة الشعب المصرى.

لا خلاف أن الهدف االأساسى لحملة تعديل الدستور المصري هو تمكين رئيس الجمهورية من البقاء في الحكم إلى ما هو أبعد من نهاية فترته الثانية ( 2018 ـ 2022) كما أن الهدف الثاني هو تغيير مكانة رئيس الجمهورية في النظام السياسي، من رئيس لفترة زمنية يستحيل التلاعب بها إلى رئيس غير محكوم بمدة زمنية محددة ” وهو أقرب الى ما إستطاع إردوغان تحقيقه فى تركيا” ويستطيع تغيير الاشتراطات الدستورية لتناسب مع رغباته الشخصية ورؤيته لدوره، ومن جهة أخرى من رئيس يمكن مراقبته مؤسسيا وشعبيا إلى رئيس تتغول سلطاته وصلاحياته. والهدف الثالث هو إطلاق رصاصة على ما تبقى من ثورة يناير 2011 فى مجال الديمقراطية وهو الشيئ الوحيد المتبقى منها.

إن العمل على إضافة مواضيع أخرى على تلك التعديلات المقترحة لمد فترة حكم الرئيس هى طريقة مفضوحة وسبق تجربتها بذكاء أكبر، كما أن تلك المقترحات الإضافية سبق تصويت الشعب على رفضها وتحتاج الى حوار مجتمعى طويل، وهى على شاكلة إضافة غرفة ثانية إلى السلطة التشريعية (مجلس للشيوخ بجانب مجلس النواب) واستحداث منصب نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية ورفع نسب تمثيل المرأة والأقباط وذوي الإعاقة والمصريين في الخارج، كما تشمل “إجراء بعض الإصلاحات في نظام اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية، والنائب العام، ورئيس المحكمة الدستورية العليا لمزيد من احكام قبضة الرئيس عليها، كما تم اقتراح إضافة مادة أن”القوات المسلحة هى الحامية والضامنة للديمقراطية ومدنية الدولة” لمزيد من سلطات العسكر، كذلك إعادة النظر في طريقة تعيين وزير الدفاع”، ولم يوضح بيان المجلس طريقة تعيين وزير الدفاع المقترحة، الذي يعين حاليا عادة بقرار رئاسي بعد التشاور مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة!!، وكأننا نجرّب المجرب وندور حول أنفسنا، ربما كانت تلك الإضافات والتوابل تمثل فرصة حقيقية للنقاش حول فوائد ومحاذير إضافة غرفة ثانية إلى السلطة التشريعية وشروط اقتسام الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ونائبه وسبل رفع التمثيل البرلماني للفئات السكانية ضعيفة الحضور في الحياة السياسية، أو إقحام العسكريين فى تحديد نظم الحكم، أما وأن الممارسة الديمقراطية غائبة في مصر الآن والفضاء العام مغلق تحت وطأة السيطرة الأمنية على الإعلام والحصار الممنهج للمجتمع المدني، فإن هذه الاستطرادات يتعذر النظر إليها بجدية الاّ كهوامش ديمقراطية المظهر على متن طلب التعديل البرلماني المتجه إلى إطالة أمد بقاء رئيس الجمهورية في منصبه وتمكينه من المزيد من السلطات وإلغاء القليل المتبقي من إرث 2011 وتلك وجهة تتناقض بوضوح مع جوهر الديمقراطية.

إن محاولة التبرير المتسارع لحملة تعديل الستور لمد فترة الرئاسة بحجة أن 4 سنوات ومثلها ليست فترة كافية لتحقيق خطة الرئيس وأفكاره وتنفيذ وعوده الإنتخابية أو بالترويج لكون السلطات والصلاحيات التي يقرها دستور 2014 لرئيس الجمهورية تتسم بالمحدودية … يمكن تفنيدها بسهولة، ولكن الحقيقة التى تعمى العيون هى أنه ليس وراء حملة تعديل الدستور التي تديرها السلطة الحاكمة غير القضاء على أى أمل في استقرار بناء دستوري ديمقراطي قد يمكننا يوما من ممارسة الحق في التغيير السلمي لرئيس الجمهورية ويؤسس للفصل الفعلي بين السلطات ولرقابتها المتبادلة ولرقابة المواطنين عليها.

لقد أثبتت الأحداث وتجارب التاريخ أن أى محاولة لتفصيل الدستور على مقاس الحاكم هى إنذار بنهايته، ولعل الشعب المصرى المطحون والمستنزف لا يدرك أنه باقراره للتعديلات المقترحة فإنها تمنح السيسي فرصة للبقاء في السلطة حتى عام 2034، إذ تنتهي ولايته الثانية في 2022، وإذا أُقرت التعديلات سيكون لديه فرصة للبقاء لولايتين جديدتين مدة كل منهما 6 سنوات، (كما هو الحال للرئيس “إردوغان” فى تركيا)، ولم تعلق الرئاسة على ما تضمنته تلك الخطوة، إلا أن السيسي كان قد تحدث، في مقابلة متلفزة سابقة، أنه لا ينوي تعديل الدستور، وسيرفض مدة رئاسية ثالثة، فقد قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، في مقابلة حصرية أجراها مع شبكة “سي إن بي سي الأمريكية” فى 7 نوفمبر 2017 ، إن هناك تطورا كبيرا للغاية في مصر فيما يخص وضع الرئيس، وأضاف السيسي، (إننا نتحدث عن إطار زمني لعقد انتخابات الرئاسة المصرية خلال مارس أو أبريل المقبل، وأود أن أقول خلال هذه المقابلة أن هناك تطورا كبيرا للغاية في مصر فيما يخص وضع الرئيس، وما يجب أن نضعه في الاعتبار أنه ليس هناك رئيس سوف يتولى السلطة بدون إرادة الشعب المصري، ولن يستطيع أيضا أن يواصل لفترة أخرى دون إرادة هذا الشعب، وفي كلتا الحالتين فهي 8 سنوات، وأنا مع الالتزام بفترتين رئاسيتين مدة الواحدة منهما 4 أعوام، ومع عدم تغيير هذا النظام، وأقول إن لدينا دستورا جديدا الآن، وأنا لست مع إجراء أي تعديل في الدستور في هذه الفترة)، بينما قال عكس ذلك فى مؤتمر الشباب بالإسماعيلية عام 2017 ” أن الدستور قد تمت كتابته بنوايا حسنة، والأوطان لا تبنى على النوايا الحسنة”، وهكذا هناك خطابين مختلفين أحدهما للخارج والآخر للداخل.

للعلم وفى الآسابيع القليلة الماضية تم عقد إجتماعات شبه يومية فى مبنى المخابرات العامة في كوبري القبة وقصر الاتحادية الرئاسي بمصر الجديدة من أجل الاستقرار بشكل نهائي على المواد التي سيتم تعديلها، ونصوص المواد البديلة وموعد الاستفتاء، وهكذا تتضح نية النظام وأساليبه المكشوفة، التى يبدو أنها ستأخذ طريقها للتنفيذ رغم كل الإعتراضات، فالقوى السياسية ضعيفة ومفككة، والشعب مطحون ومبعد عن المشاركة، ولا حول ولا قوة الاّ بالله.

السلام عليكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة, د.رياض محرم and tagged , , . Bookmark the permalink.