لماذا أنا أشُك

لينا صلاح الدين  

   علموني في الماضي أن اختلاف الآراء وتعددها من حولي يُمكّنني من غربلةِ ما أسمعه لامتشق منه حسام الصواب، لكن هذه ليست الحقيقةُ دائماً؛ فأحياناً حدة الاختلاف تجعلني أشُك أن كل الأطراف على نفس القدر من الخطأ. ويبدو أن الفيلسوف بيرون كان يشاطرني الرأي حين تعرف -خلال تسفاره- على العديد من مقالات الفلاسفةِ الذين يخال كل واحد منهم أنه المصيب، فاهتجاهم جميعاً، وكان النصيب الأكبر من ذياك الهجو للرواقيين.

    ورغم ما استبصرته من بعض الامتيازات في فلسفةِ بيرون، ولُزومها في الوقت الذي تبلورت فيه، فقد اتضح لي وجود خلل ضمني في هذه النزعة واختلاف رئيس بيني وبين بيرون حين اعتمد الشكوكية كمنهجيةٍ ثابتةٍ وأسلوب حياة؛ لأن الشك رغم أهميته لي فإني أعده وسيلة فقط أبتغي بها الوصول إلى هدف ما، هدف يتجسد في الإرتقاء بذاتي، فلا أتناوله قط كغايةٍ أبدية. وهذا ما يميز عندي بين الشك كهدف مطلقٍ والشك في المنهج العلمي الذي بدوره ينشد بلوغ الحقيقةِ العلمية.

ولا بأس أن يتم تقويض هذه الحقيقة لاحقاً، لكن باستخدام التجربة، وليس مثل النهج البيروني الذي لم يمنح التجربة مجلساً في فلسفته. ومع انتقادي الدائم للفلسفة الديكارتية، ونفوري منها على عِلاّتِها، لكن جانبها الصالح بالنسبة لي أنها اعتمدت هذا الشك الذي يهدف للوصول إلى غاية ما. وإني لأرى في الشك تجسيدا للمرونةِ العقليةِ في مسيرتي الكتابية والمعرفية وتمردي على مسلمات المجتمع، فالشك كما وصفه نيتشه:”لا يجعلك مجنوناً بل اليقين من يفعل ذلك”. وبذكر نيتشه -كوني متأثرة بنتاجه الفكري- فإنه على ما وجِّه إليه من إتهام بأن منهجه مُقَوِّض للقيم الأخلاقيةِ النبيلة، فقد توجب علي أن أَدْرَأ عنه هذه التهمة بالقول بأن ما فعله نيتشه لم يك سوى استخدامه الشك في تحليله الجينيالوجي لبعض من تلكم القيم، وبعد تفحصه لأصلها وأساس نشأتها وجدها تضمر أغراضاً باطنيةً خبيثةً على خلاف ما تظهره فعمل على دكها. وهنا فإن الشك النيتشاوي ليس بغايةٍ في حد ذاته، بل يخدم غرضاً يتجسد في كشف بواطن ما يعد من المسلمات، فالشك ينبغي استخدامه حتى مع ما يحسبه عامة الناس أخلاقاً، فيفرض على كل ذي عقل نسف التقاليد المجتمعيةِ التي لا تستند في أصلها التأريخي على دعامة المنطق.

   هنا يتضح أكثر الفرق بين مذهبية الشك لبيرون، الذي إعتقد بأنه عوضاً عن تغيير الواقع، فمن الأسهل التأقلم معه، وبين منهجيتي في الشك والتي تشابهت مع نهج الفيلسوفين نيتشه وديكارت. فالشك بالنسبة إلى بيرون حالة ثابتة لا يجب تغييرها، وهو في هذه الحالة لم ينسف فقط العلم وإرادة الإنسان، بل ضعضع الفلسفة كذلك، فإن كان ما من هدف يمكن أن تبلغه الفلسفة فما الحاجة إليها إذن؟

    العلم يقوم على الشك، لكن ليس كل شك بالضرورة أن يكون علمياً. وحينما أتحدث عن العلم فإن الشك لا يقل أهمية عن الفضول عند محاولتنا استحواذ المعرفة، فالشك هو الذي تسبب في خلق تلكم الطبيعة التراكمية للعلم. وربما تجسد هذا المفهوم بشكل واضح في فلسفة بوبر، الذي رأى بأن النظرية العلمية غير القابلة للشك والدحض لا تعد علماً فعلياً. واستدعي كذلك هنا مقولة الرائع ساغان حين ذكر بأن “الشك وسيلة تصحيح ذاتية للعلم”، فالعلم قائم على نقد ذاته، والفرق بين المفكر وغير المفكر أن الأول دائم النقد لأفكاره بغية الوصول إلى ما هو أرقى، بينما الثاني فيكتفي بواقعه.

     كل شيء يحيط بي من بشر وقيمة وعادة ومعتقد وعلم يجب أن أعرضه للشك والبحث في أواصله، فتلك حيلتي للإرتقاء بالذات. كما أنه دائماً ما كان الشك هو الدعامة لنقل البشرية إلى مرحلة جديدة أكثر تَمَدُّناً. لهذا أنا أشك .. لأني حين أمتنع عنه لن أكون قد توقفت عن الشك بل عن التقدم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, لينا صلاح الدين and tagged , . Bookmark the permalink.