هل انتهي عصر المماليك

محمد سالم  

ليس عصر المماليك عصرا له بداية ونهاية انه زمن مازال حاضراً في عقل الانسان والوطن وحيث ان الزمن هو مانعيشه بعقولنا والمماليك حاضرين بقوة في العقل المصري فزمانهم لازال حاضرا رغم ذهاب عصرهم في عقل الوطن .لايمكن ان اقول ان زمن المماليك قد انقضي بانقضاء امراءه ببارود الارناؤوط في القلعة عندما قلب عليهم الباشا الكبير القلبة الكبري، قلبة كانت إيذانا ببداية مصر الحديثة ودولة الباشا محمد علي الكبير عهد بدء تاريخه بالدم ليقضي بالدم علي عهد استفتح مجده بالدم حين حاصر مماليك نجم الدين أيوب ابنه توران شاه وقطعوه بالسيوف وهو يصرخ ويستغيث منهم فما تركوا حتي جعلوه اربا صغيرة في البحر، كانت لحظة الدم هذه هي لحظة التأسيس لدولة امتد سلطانها ليشمل مصر والشام وبرقة والحجاز واليمن ولم تفارقها حتي ختمت نهايتهم بالدم كما بدئت في مذبحة قلعة الجبل ،لكن لم يكن مصرع توران شاه وتقلد عز الدين أيبك التركماني الحكم هو بداية وجودهم.

 لقد كان وجودهم سابق قبل هذا التأسيس ،لقد فطن الحكام الي ضرورة وجود بطانة وقواد مخلصين لهم يحمونهم من الانقلابات والتمرد ولاينقلبون عليهم ، فلا المال ولا قداسة المنصب حمي الخلفاء العباسيين او الفاطميين من تمرد العناصر التركية او المغربية او الفارسية عليهم فبات الخلفاء بين مقتول ومسمول العين علي يديهم بات الاخلاص هو الوسيلة الوحيدة والفعالة ويمكن التغاضي بها عن اي شئ ثانوي مثل الكفاءة للانخراط في سلك الدولة والترقي فيها وظل هذا المبدء مبدء اهل الثقة هو مبدء الدولة حتي الان ،ولكي يحظي الحاكم باتباع مخلصيين له فكان لابد من تربية تلك العناصر المخلصة منذ الصغر تربية عسكرية ودينية

لقد كان المماليك متدينين، فبرغم الفساد والفجور والخيانة وسفك الدماء الذين كانوا يتسمون بهم الا انهم كانوا معظمين للشعائر والطقوس الاسلامية ومعظمين للفقهاء هذا التدين جعلهم يتنافسون في بناء المساجد والاسبلة هي ماوصل اليه الفن الاسلامي من جمال ورقي في مصر ولعلنا لا نبالغ إن قولنا انها هي الاثار الوحيدة المتبقية من العصر الاسلامي لقد كانوا متدينون شديدي التدين مثلما كانواهم موغلين في الفساد والافساد، هذه الثنائية العجيبة التي اتسم بها التدين المصري هي من ميراثهم العتيد الذي ورثناه منهم وتأصلت في سلوكيتنا مع الدين والحياة الدين في عصرهم اخذ يتجه نحو الانغلاق والجمود وصار النص مقدم علي العقل، انتصرت السلفية علي التيار العقلاني في الاسلام جناح المعتزلة والفلاسفة ، افكار ابن رشد لم تجدتربة صالحة تنمو فيها وتترعرع وتثمرفي العقول لقد كانت التربة العقلية خصبة لافكار ابن تيمية وافكار الاثريين المعادية للعقلانية والمتزمتة في التمسك بحرفية النصوص

لقد كانت البيئة العقلية بيئة جامد كانت تدور حول القديم ،لم ينجم مذهب فقهي جديد اوفقيه بارز اللهم الا ابن تيمية والسيوطي وكان نبوغهما في هذا العصر ليس لاستحداثهما منهج بحثي يؤخذ به في الفقه كالشافعي وابو حنيفة ومالك لكن لجهودهمها في جمع الفقه والحديث هكذا كانت ثمة هذا العصر جمع للقديم في حواشي ومختصرات وشروح وألفيات تنظم للحفظ وحل التعصب والانغلاق تجاه الاخر مكان الانفتاح العقلي الذي كان في عصر الخلفاء العباسين الاوائل ابوجعفر المنصور والرشيد والمأمون وجرمت الفلسفة والمنطق واعتبرت زندقة وكفر وكانت النظرة العنصرية تجاه الاخر هي الغالبة وتوارت الصوفية الفلسفية وحل محلها صوفية الخرافات والدجل كانت الخرافة عزاء للبسطاء حينما فقدوا الامل في واقعهم وفقدوا الثقة في انفسهم وكانت الجبرية خير معزي لهم للصبر لما ينالهم من مظالم عاجزين عن ردها فكل مايحدث من مظالم وفقر هو من قدر الله والتذمر علي الحال كفر بالقدر كانت العلاقة بين الفقهاء والمماليك علاقة وشيجة

لم يشهد عصرهم حوادث اضطهاد او محن للفقهاء كانت الطرفان في حالة تكامل فالمماليك كانوا يحتاجون منهم شرعية ممهورة بختم السماء والفقهاء كانوا يحتاجون من المماليك سلطة تجعلهم ظاهرين بقوة السلاح والسلطة علي من خالفهم كان تحالف وطتد سلطان المماليك ومن بعدهم العثمانيين لقرون وحافظ علي تماسك الدولة ولازالت معادلة السلطة والدين هي التي تشكل الحياة السياسية والدينية الي هذا اليوم ولازلنا ندفع ثمن هذا التحالف جمودا وتأخر حضاري وهو من اسوء ما ورثناه لم نرث تراث جامدا لا انساني تخطاه الزمن بقدر ماورثنا عقلا منبطح اما كل شئ لا انساني وغير منطقي مقدس لقد كان عصر المماليك عصر انتهي وانقضي لكن الزمن مازال حاضرا في العقل فنحن لازالنا في زمن المماليك

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد سالم and tagged , , , . Bookmark the permalink.