تقييم من حَكَم

د. السيد نصر الدين السيد  

المقارنة بين من حكموا مصر في العصر الحديث” هي ظاهرة موسمية تصاحب احتفال المصريين بذكرى الاحداث القومية الكبرى وعلى رأسها حرب اكتوبر 1973. وهي مقارنات تحركها القناعات الايدولوجية لمن يقوم بهذه المقارنات فتكون النتيجة احكام مغلوطة او مشوهة في أحسن الأحوال. ومن أشهر هذه المقارنات تلك التي طرفيها حاكمين حكما مصر في العصر الحديث وهما ناصر والسادات. وقد عبر أحد مثقفينا عن رأيه فيها قائلا “إن إخضاع قرارات ناصر والسادات، للتحليل والتقييم الموضوعي والمحايد والبعيد عن الأهواء، قد بات مطلبا ملحا وحيويا من اجل استيعاب ما فيها من دروس مستفادة، من أجل المضي قدما نحو تحقيق اهدافنا فى التقدم واللحاق بالعصر، مع عدم الوقوع فى تكرار المزيد من اخطاء وخطايا التحارب السابقة”. وفي الحقيقة نحن بحاجة الى إطار معياري (مجموعة من المعايير) يمكنا من تقييم من حَكَم الأمة المصرية علي أسس موضوعية مبرأة من الهوي. ففي غيبة هذا الإطار يبُخس حق العديد ممن حكموها وتُنسب للبعض الآخر إنجازات لم يفعلوها.

وفي الحالة المصرية تعني عبارة ” حَكَم ” الشيئ الكثير. فعلى مدى ما يقرب من 50 قرن (من 3100 ق.م – 2019 ب. م) تولى أمر الأمة المصرية حوالي 468 حاكم. وكانت البداية عندما نجح الملك “نعرمر مينا” الملقب بـ “عحا” في ﺇقامة الوحدة الثالثة بين مملكتي الشمال والجنوب ووضع على رأسه التاج المزدوج، ذا اللونين الأحمر والأبيض. 468 حاكم تعددت اصولهم العرقية بين مصريون ومتمصرون وأغراب. وتعددت القابهم بين برعو (فرعون أو البيت الكبير) وملك، خليفة وسلطان، او والي يحكم بالنيابة عن امبراطور روما او امبراطور القسطنطينية، او بالنيابة عن خليفة في بغداد او دمشق او إسطنبول. 468 حاكم كان من بينهم حوالي 246 “برعو” من المصريين، كان كل منهم الصورة الحية لـ “حور” ذو التاجين الأحمر والأبيض “نبتى” سيد الوجهين البحري والقبلي “نسوت بتى” حور الذهبي “حور نب” إبن الشمس “سا رع”، وكان كل منهم يتباهى قائلا “قد عملت على أن تظل مصر فوق رؤوس الدنيا كلها”. 468 حاكم كان من بينهم حوالي 107 من المتمصرين الذين حكموها وكأنهم مصريين (الأسرة 22، 11 حاكم من أصول ليبية، الأسرة 25، 6 حكام من أصول نوبية، البطالمة 18 حاكم من أصول يونانية، دولة الخلافة الفاطمية 14 من أصول أمازيغية، دولتي المماليك البحرية والبرجية 48 من أصول متعددة، الاسرة العلوية 10 من أصول البانية). وامام هذا التنوع الشديد فيمن حكموا مصر ومع اختلاف الظروف التاريخية التي صاحبت فترات حكمهم يصبح التفكير في تطوير إطار معياري (مجموعة من المعايير) يمكنا من تقيمهم كحكام بطريقة موضوعية من الأمور غير الممكنة … أو هكذا يبدو!

ومدخلنا لتحديد هذا الإطار تبدأ بتأمل أحوال الكيان المصري، ارضا وهوية. فبداية تعتبر “مصر الأرض” نموذجا فريدا لم ولن يتكرر لـ “الثبات الجغرافي”. فمنذ عصر الإتحاد الثالث بين مملكة الشمال ومملكة الجنوب على يد الفرعون المصري مينا وحدود الديار المصرية لم تتغير من سيناء شرقا إلى السلوم غربا ومن المتوسط شمالا إلى أرض النوبة جنوبا. واذا كانت “مصر الأرض” تمتعت بالدوام فإن “مصر الهوية” تعرضت لهجوم ضاري من الديانات الابراهيمية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. فبعد أن كان شعب مصر (الناس) هم “”الرعية النبيلة” … “رعية الإله رع” وكان الناس (رمثو) “شعب الشمس” … “أبناء رع آتون” … “كلماتهم نافذة وشفاهم عارفة وحكمتهم بلغت عنان السماء”، وكانت مصر “تاميرى” … “صورة السماء” و”معبد الكون بأسره ومقر الديانات”” (السيد, 1991)، ص. 23)، أصبح شعب مصر وأصبحت أرضها هدفا لضربات رب العبرانيين (“سفر الخروج”). وأصبح حاكمها الفرعون رمزا لكل مستبد ظالم وتجاهلوا أن وظيفة المُلك في مصر القديمة هي وظيفة محكومة بـ “ماعت” (*) بكل ما تتضمنه من معاني مثل إقامة للعدل. وأن على الـ “بر–عو”، وهو واقف في الآخرة أمام آلهة الحساب الـ 42، أن يبرئ نفسه من أي فعل يناقض ماعت. وتسجل لنا متون الأهرام أقوال الملك بيبى الأول (الأسرة السادسة 2420–2280 ق.م) دفاعا عن نفسه (بريستد, 1980).

انطلاقا مما سبق فإن اول مكونات الإطار المعياري يمكن صياغتها على الصورة التالية:

الحفاظ على الكيان المصري المادي (الأرض) والمعنوي (الهوية)”

وتقييم أداء الحاكم بالنسبة للشق المادي (الأرض) امر واضح يسهل صياغته كما هو الحال بالنسبة لقسم رئيس الجمهورية عند توليه منصبه (… وأن أحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه). وتقييم أداء الحاكم بالنسبة للشق المعنوي (الهوية) يقوم على افعاله التي قد تؤدي الي دعم إحساس المصريين بانتمائهم الى كيان واحد سواء بطريقة مباشرة او غير مباشرة. فعلى سبيل المثال لم يكن إنتساب الفاطميين لمصر مجازا بل كان واقعا معاشا فـ “في واقع الأمر فإن المصريين هم الذين كانوا يحكمون دولة الفاطميين لوجودهم في اﻹدارة وفى مناصب الوزارة” (سلطان, 1982) ص. 23. ومثال آخر هو سعيد باشا بن محمد علي باشا الذي حكم مصر ثماني سنوات وتسعة أشهر وستة أيام من، 14 يوليو 1854 الى 18 يناير 1863ولم يعطه المؤرخين حق قدره. ففي عهده تم اصدار لائحة الأطيان الزراعية (اللائحة السعيدية) التي وضعت الأساس لملكية الافراد للأراضي المصرية، والغاء الجزية المفروضة على غير المسلمين من المصريين مما سمح لهم بالانخراط في الجيش المصري الذي اسسه محمد وجند فيه المصريون.

أما ثاني مكونات الإطار المعياري لتقييم من حكم مصر فيتمثل فيما ما فعله الحاكم لــ

الارتقاء برفاه الانسان المصري

وهو مفهوم مركب يأخذ فى اعتباره كلا من مكونات الرفاه المادية (أو الاقتصادية) ومكوناته المعنوية (أو غير المادية). وهناك العديد من المؤشرات الكمية التي تحدد ما أنجزه الحاكم في الواقع (السيد, 2012) ويمكن تطويعها لتتلاءم مع ما هو منوفر من بيانات.

الهوامش

(#) مدحت زايد، “هوامش على دفتر الاحتفال بمئوية السادات” 29 ديسمبر 2018

https://www.facebook.com/medhat.zayed.10/posts/10218307932039046

(*) أبدعت الأمة المصري مفهوم الـ “ماعت” وهو مفهوم مركب ليعني “الحق” و”النظام” و”القانون” و”الأخلاق” و”العدالة” وذلك فى منظومة متكاملة غبر قابلة للتجزئة. وهو مفهوم مركب لما ينطوي عليه من أبعاد دينية وكونية وسياسية واجتماعية في آن واحد فهو يجمع “بين قطبي الوجود والواجب، وبين الطبيعة والمجتمع، وبين النظام الكوني والنظام البشرى أي الأخلاقيات” (يان, 1996) ص. 20).

المراجع

السيد, ا. ن. 1991. القومية المصرية: قراءة فى وضوح البداهة القاهرة: مؤسسسة الأخبار.

السيد, ا. ن. ا. 2012. الرفاه المُنتظَر والمرجعية المنشودة

http://www.civicegypt.org/?p=32768

بريستد, ج. ه. 1980. فجر الضمير. القاهرة: مكتبة مصر.

سلطان, ع. ا. 1982. المجتمع المصري فى العصر الفاطمي. القاهرة: دار المعارف.

يان, أ. 1996. ماعت: مصر الفرعونية وفكرة العدالة الإجتماعية (ز. طبوزادة, & ع. شرف, Trans.). القاهرة: دار فكر للدراسات والنشر والتوزيع.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, د. السيد نصر الدين السيد and tagged , , . Bookmark the permalink.