هكذا انا علماني

نسيم بولس إسحاق  

اعتقد أنني علماني قبل حتي أن أعي ما هي العلمانية، أو كيفية تطبيقها، أو حتي معرفة أن هناك ما يسمي بالعلمانية، أقتنع منذ طفولتي أو بالأحري عندما بدأ وعيِ في التشكيل، أن لكل شخص الحق في التفكير والإختيار لنفسه دون الإجبار أو الخضوع لسلطة تجبره علي فعل أشياء لم يكن ليريد أن يفعلها.

فكنت، ولا زلت رغم صِغر سني أسمع ما يدور حولي وأحاول الإستفادة منه قدر الإمكان، اقتنعت انه من حقي أن أفكر وأحب وأتعلم وأحيا كما أريد، من حقي أن أتعلم ما أفضله، وأركل بعيداً ما أبغضه، حتي لأ أقع في أخطاء قد تعصف بوجداني، أو تدمر أملاً ما بداخلي.

“المختلف عني مش ضدي” كان هذا عنوان لمقال قرأته علي إحدي صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، تعرفت من خلاله علي العلمانية، وبمجرد إنتهائي من قراءة هذا المقال بحثت أكثر وأكثر عن العلمانية حتي أدركت أنني بالفعل علماني! دون الحاجة إلي معرفة ما هي العلمانية.

قيل عن العلمانية من قبل البعض انها ضد الدين، ولهذا فهي تحث علي الكفر والإلحاد، ومن هذا المنطلق يرفضها الكثيرين من المؤمنين (ولو كانت كذلك لكنت رفضتها أيضاً)، ولتفنيد تلك المفهوم المغلوط عن العلمانية يمكننا تسليط الضوء علي (الولايات المتحدة) علي سبيل المثال لفهم ماهية العلمانية.

فنجد أن العلمانية ما هي إلا “حاجزا فاصلا” (عبارة وضعها في الأصل توماس جيفرسون) بين الدين والدولة، فليس هناك دين رسمي للدولة في أمريكا، ولا يجب علي الحكومة أن تبدي تفضيلا لأحد الأديان علي غيره، بل عليها ألا تتحيز إلي أي منها، كذلك لا تستطيع الحكومة في أمريكا، أن تُكره أي فرد علي الإلتزام بعقيدة دينية معينة، أو ممارسة شعائر دينية معينة، غير أن حرية الممارسة لا تعد ترخيصاً بإرتكاب ممارسات دينية ضارة أو ضد المجتمع، فعلي سبيل المثال، لن تسمح المحاكم بممارسة شعائر دينية يقدم فيها البشر أنفسهم كأضحية، وعادة تضمن المحكمة العليا المعتقدات الدينية للأفراد (أو عدم الإعتقادات) إذا كانت تلك المعتقدات مشروعة، علي سبيل المثال قد أقرت المحكمة بأنه من حق “شهود يهوه” ألا يؤدوا التحية للعلم الأمريكي (بإعتبار أن معتقداتهم الدينية تفسر هذه التحية علي أنها مخالفة لأوامر الكتاب المقدس)، كذلك ليس علي الوثني أن يؤدي القسم العام لشغل منصب ما (نظرا لما يعبر عنه القسم من إيمان وإعتقاد في الله).

من الأمثلة السابقة يتبين لنا ما نعنيه بفصل الدين عن الدولة، ليس إلغاؤه كما يروج البعض، وبهذا الصدد يجب الإشارة إلي الفرق بين الشيوعية التي تتخذ موقفاً معادياً للحريات الدينية، وبين العلمانية التي نجدها تتخذ موقفاً مؤيداً للحريات الدينية، وبشكل محايد تجاه جميع الأديان، وبذلك تستطيع الأقليات الدينية أن تحيا وتعيش في الدولة العلمانية دون أي تمييز ضدها، بل ليست الأقليات الدينية فقط هي من تنعم بالمساواة في ظل الدولة العلمانية، بل الأقليات بصفة عامة.

لذلك أؤمن بأن السلام الدائم يمكن ضمانه فقط من خلال العلمانية، العلمانية التي إتخذتها منهجاً منذ طفولتي بغير وعي بماهيتها، والتي هي حرية الإختيار دون سيطرة أحد علي طرقي في الحياة، هكذا أنا علماني.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية and tagged . Bookmark the permalink.