قراءة جديدة لأحمد فؤاد نجم

 د.رياض حسن محرم  

هى جديدة لأنه كان قد استقرّ فى ذائقتى موقف رافض لبعض أشعار نجم منها بعض أشعاره التى أعتبرها أشعار مناسبات كتلك التى كتبت بمناسبة زيارة نيكسون أو ديستان وذلك باعتبارها وقتية أو بنت لحظتها، النوع الثانى من كتاباته التى بها الفاظ خادشة للحياء البرجوازى الذى أتحلى به، وتلك الأشعار الهجائية لرموز أكنّ لها إحتراما كأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وصلاح جاهين ومحمد حسنين هيكل كقصائد الفوازير وكلب الست ويويو وغيرها، آخرها ماكتبه ساخرا من عبد الناصر أو من الجيش المصرى وأهمها ” الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا”، بالإضافة لبعض مواقفه العملية من الآخر المختلف عنه كعداؤه للشاعر عبد الرحمن الأبنودى وسيد حجاب وغيرهم.

فى نشأة نجم وطفولته تقاطعات كثيرة مع الفنان عبد الحليم حافظ، فكلاهما ولدا وعاشا طفولتهم المبكرة فى إحدى قرى محافظة الشرقية المتجاورة بحيث لا يفصل القريتين الاّ حوالى 4 كيلومترات، وعانى كلاهما من التيتم مبكرا، ولا يفصل بين عمريهما الاّ شهر واحد، وأدخلا فى طفولتهما نفس ملجأ الأيتام بمدينة الزقازيق، وكما يحكى نجم فقد كان حليم طفلا ضعيف البنية، خافت الصوت، خجولا، بين مراهقين متنمرين ومشاغبين عاليي الصوت، وحين سؤل نجم عن عبد الحليم فى ذلك المكان الذى جمعهما قال أنه وجد فيه طفلا موهوبا صوتيا، بينما لم يذكر عبد الحليم أى تفصيلة عن نجم، سوى أنه هاجم بشدة وانفعال فى مقابلة إذاعية هؤلاء الشعراء الحقودين والممرورين الذين يحولون جميع الأشياء الجميلة فى حياتنا الى سواد وشؤم، فى إعتقادى أنه كان يقصد نجم.

كانت الهزيمة الفاجعة فى 1967 (التى لم تمح آثارها حتى الآن) نقطة فارقة فى حياة نجم والشيخ إمام، حولت الهزيمة نجم من صعلوك يقوم بعمليات نصب صغيرة الى شاعر الغضب، وكما قالها نزار قبانى عن نفسه “يا وطنى الحزين .. حولتنى بلحظة من شاعر الحب والأنين.. لشاعر يكتب بالسكين” وهو ما ينطبق على حال الثنائى نجم وإمام، بينما ألهمت الهزيمة الشاعر “عبد الرحمن الأبنودى” أن يكتب لعبد الحليم حافظ قصيدة يلحنها “بليغ حمدى”، جاءت أغنية عدى النهار تتكلم عن الهزيمة بلغة رمزية، عن مغربية وظلام يبتلعان النهار وأي بصيص للضوء، فيما البلد المهزوم فتاة تغسل شعرها على الترعة وتنتظر النهار حبيبًا لا يقوى على مهرها الغالي. كان التهويم واللجوء إلى ظواهر كونية كالظلام والليل والنهار صيغة مناسبة للبكاء أكثر من أي شيء آخر، ولمقاربة الموضوع المؤلم دون إشارة لطرف بعينه ترجع له أسباب الهزيمة، وعلى النقيض من الإنتاج الدولتي الضخم في استوديوهات ماسبيرو وبصحبة أوركسترا الإذاعة؛ أطلق الثنائي نجم وإمام من حجرتهما المتواضعة بحارة خوش قدم في الغورية بالقاهرة المملوكية وبمصاحبة نغمات العود وحده أغنيتهما: الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا، في كلمات شديدة التهكم والمرارة بلا مواربة تعري النظام المهزوم وتحمله المسؤولية كاملة عمّا حدث، تغنى بها الشيخ إمام صارخا: يا أهل مصر المحمية بالحرامية الفول كتير والطعمية والبر عمار / إيه يعني في العقبة جرينا ولا في سينا هي الهزيمة تنسينا إننا أحرار / إيه يعني شعب في ليل ذلّه ضايع كلّه ده كفاية بس اما تقول له: احنا الثوار / الحمد لله ولا حولَه مصر الدولة غرقانة في الكذب علاولة والشعب احتار / وكفاية أسيادنا البُعدا عايشين سعدا بفضل ناس تملا المعدة وتقول أشعار / أشعار تمجد وتماين حتى الخاين وانشالله يخربها مداين عبد الجبار / الحمد لله خبطنا تحت باطاطنا يا محلى رجعة ظُباطنا من خط النار. 

جاء لحن إمام عيسى المصاحب لهذا الكلام أشبه بعويل مكتوم في مأتم شعبي بالمقابر، ينعى الجنود الذين ماتوا غدرا على رمال سيناء، في السياق تجدر المقارنة شعريًا بين عبد الرحمن الأبنودي القابع في معسكر النظام و”نجم” شاعر الشوارع الفاجومي الصعلوك. فالاثنان، وإن كتبا بالعامية المصرية بتنوع لهجاتهما، فإنهما ينتميان لمدرستين أو بالأحرى لمفهومين مختلفين تمامًا عن الشعر، فالأبنودي هو ابن شرعي لحركة الشعر الحديث التي ظهرت في العالم العربي أعقاب الحرب العالمية الثانية بالتزامن مع حركات التحرر الوطني، وما استخدامه للتيمات الشعبية إلا توظيف حداثوي لها، أما نجم فهو شاعر شعبي بالمفهوم البسيط والعميق للكلمة، مجال شعريته شفوي وثقافته سمعية لا تحيل إلى أي مؤثرات مقروءة أجنبية كانت أو من التراث القريب لحركة تحديث الشعر العربي، فاق فى تعبيراته أساتذته العظام كفؤاد حداد وبيرم التونسى وبديع خيرى، أمّا صلاح جاهين فكان وقع الهزيمة فاجعا له، فقد شكّل مع حليم الحلم الكبير عن الإشتراكية والسد والتصنيع التقيل، وصنعوا لنا عرسا وهميا فى أعياد الثورة، فاتجه الى كتابة أغانى تجارية تدغدغ الغرائز الشعبية وتمنعها من التفكير فى ” النكسة بتعبير السلطة” الى أغانى عن زوزو وكاس الفتاة المثالية، ولا شك أن صلاح جاهين لم يبرأ أبدًا من كرب الصدمة ولا من عقدة الذنب المتعلقة بالهزيمة وقد يكون ذلك ما قاده ذات صباح من ربيع عام ١٩٨٦ للانتحار في سريره بالمستشفى بابتلاع كمٍّ هائل من الأدوية والأقراص المنومة، حتى نجم نفسه فبعد أن إبتعدت رياح التمرد الطلابى فى الجامعة، واضمحلت كثيرا الحركة الشيوعية، وفى تسعينات القرن الماضى إنتقل رويدا الى معسكر الأغنياء، صادق المليالدير “نجيب سويرس” الذى احتفل بعيد ميلاد نجم فى فندق الفورسيزون وأنشأ جائزة للشعر العامى باسمه، كما انتقل ليقدم برنامجا تلفزيونيا فى قناة يملكها ملياردير آخر هو “أحمد بهجت”، وباع أغنياته لمحمد الحلو وغيره.من المطربين.

بعد وفاته وفي عام ٢٠١٣، في فترة الحكم الانتقالي للمستشار عدلي منصور، تم منح أحمد فؤاد نجم وسام الدولة للعلوم والفنون من الطبقة الأولى. جاء في بيان رئاسة الجمهورية أن “نجم يعد أحد أهم شعراء العامية في مصر، وأحد ثوار الكلمة واسما أجيالًا من الشباب للدفع من أجل التغيير”، رد اعتبار جاء متأخرا لعدد من الشخصيات العامة التي طالها الظلم والعنت السياسي زمنًا طويلًا. وفي هذا السياق حصل المخرج محمد خان على الجنسية المصرية بعد أن عاش سبعين عاما بأوراق أجنبية في القاهرة التي ولِد بها وصاغ عنها أفضل سردياتها البصرية، كما تم منح قلادة النيل أعلى أوسمة الدولة لاسم اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية والقائد الرمزي لتنظيم الضباط الأحرار، وأخيرا تم منح إسم البطل “يوسف صديق” القائد الفعلى للثورة وسام الإستحقاق، لكنها تظل مجرد أوراق وحبة فلوس، وشكرالله سعيكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, د.رياض محرم and tagged , , . Bookmark the permalink.