صناعة التاريخ

محمد سالم  

وقع خلاف في المقهي الذي اجلس فيه شجار بين زبون ونادل المقهي قيل أن النادل تأخر علي الزبون مما اثار غضبه وقيل أن الزبون عامل النادل بتعالي مما استفزه للشجار معه وقيل أن النادل يعاني من ازمات نفسية وقيل الزبون شخص عصبي المزاج فريق يري انه ماكان من النادل أن يتأخر علي الزبون وفريق يري أن ماحدث ماكان يستحق اثارة الشجار من الزبون ايا كان سبب وتفاصيل الواقعة فانا استطيع أن اسرد لك عشر اسباب مختلفة الحداثة واكثر من تفصيلة وتحليل مختلف لها وهذه حادثة ماضيها قريب لم يمضي ساعة عليها حين اتيت الي المقهي قلت في نفسي اذا كان ا يحدث من الماضي القريب جدا قد نختلف في سرده وصياغة اسبابه فمابالنا بالتاريخ البعيد التاريخ الذي لم نعش تفاصيله لاتجد رواية واحدة له كل فريق يرويه بما يتلائم مع توجهاته مثلا الفتح العربي في الروايات العربية هو غزو من اجل نشر الدين الاسلامي هو انتصار وايام مجد للعرب يقولون أن الغزاة عاملون اهل البلاد بالعدل والقسط واجروا فيهم السماحة لكن تسمع النقيض من روايات المغلوبين روايات يوحنا النيقوس والبيزنطين والفرس والامازيغ،تجده احتلالا بربريا متوحشا لم يكن يعنيه سوي استنزاف ثروات الغير مثلما نري جينكز خان طاغية والمغول غزاة برابرة هو عند شعب منغوليا بطل قومي وفاتح عظيم استطاع أن يوحدهم ويجعلهم سادة العالم وقائد عادل ومتسامح دينيا

 حتي في سردية التاريخ العربي المعتمد هناك اختلاف الحاكم بامر الله هو عند المشارقة ذلك الحاكم المجنون الذي منع الملوخية وادعي أن الله تجسد فيه وامر الناس أن تنام بالنهار وتعمل في الليل لاتجد هذا في رواية المغاربة الحاكم عند المغاربة رجل دولة قوي حازم استطاع أن يوتطد اركان الدولة الفاطمية ما يراه فريق انتصار قد يراه الاخرون هزيمة مثل معركة قادش ففي نقوش بوابة معبد الكرنك رمسيس الثاني علي عجلته الحربية يسحق اعداءه المتيانين لكن روايات قادش تسجل المعركة انتصار لصالحهم ماهو انتصار قد يكون هزيمة عند الاخر ماهو عمل بطولي هو خزي عند الاخر وقد تظهر حقائق تغاير ماكان معتمد في الروايات التاريخية مثلا قرة بن شريك هذا الوالي الظالم الذي كان يلقي بالمصريين في مياه النيل ليكونوا طعاما للتماسيح ظهرت مخطوطات حديثة ترسم تصور له عكس ماسردته الروايات التاريخية عنه والي يامر بالرفق والتسامح مع اهل البلاد ليس هو هذا الجبار الذي يقتل الناس بالظنون لعل لو كشفت مخطوطات عن الحجاج او المهلب بن ابي صفرة او ابي العباس السفاح سنجد تاريخ مغاير لما اعتمدته الروايات عنهم اننا حتي نسمع سرديات مختلفة لاحداث عايشنا في الوقت القريب مثل ثورة يناير او ثورة ثلاثين يونيو ستصبح عند كل فريق حقائق يرويها في المستقبل التاريخ حمال اوجه

حتي في معرفة غايته ياتري ما الذي يحرك التاريخ اهو سعي الانسان للحرية مثلما رأت فلومونوجيا هيجل ام الاقتصاد عند ماركس ام هو نتيجة استجابة الجماعات البشرية لتحدياتها كما رأي توبيني هل التكنولوجيا هي التي تصيغه ام هو يمضي لغاية الهية ايا كانت قراءتك للتاريخ هي التي ستحدد انحيازك فنابليون عند غزا المانيا لم يكن عند هيجل غازي محتل كان يراه تجسيدا لغاية التاريخ، غاية التاريخ يشكل انحيازات البشر في الحاضر فالارهابي الذي يعيش محاصرا في كهوف توربوا لايري وحشيته او ما استقدمه من هلاك ودمار وتشويه لصورة المسلمين هو يري نهاية قد خطها الله تؤكد انتصاره في صراع بين فسطاط الكفر والايمان يرفع فيها الرايات السود في روما هي مجرد اساطير عند غيره لكن هو يراها نهاية التاريخ الحتمية.حتمية التاريخ تجعلنا ننحاز لما هو اكثر بشاعة أن كان ارهابي تحركه الاساطير او مثقف اكاديمي انحاز للفاشي موسوليني مثل ميتشل الذي رأي فيه نموذج للنخبة التي تقود التغيير الاجتماعي بغض النظر عن انتهاكاته الصارخة لكن حتي لو كنت اري التاريخ بلاغاية فانا اخلق سرديته كما اراه فانا الذي أصنعه كما يصنعه غيري

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد سالم and tagged , . Bookmark the permalink.