كارل ماركس أم جوردانو برونو

مازن كم الماز  

هل يعيش البشر اليوم أفضل مما كانوا وقت محمد أو يسوع؟ إذا كان الجواب بنعم فيمكن عندها أن نتساءل إن شئنا، لماذا ؟ ظهر الكثير من البشر منذ محمد حتى اليوم، من منهم المسؤول عن وصولنا إلى هنا ؟ ابن تيمية مثلا يسميه كثيرون بالمجدد و المحدث الخ لكن أيا من هؤلاء لن يقول أننا نركب اليوم السيارات و الطائرات و نستخدم الثلاجات و المكيفات الكهربائية بسببه.. ماركس أيضا أراد تحرير الطبقة العاملة لكنه لم يفكر في منح الطبقة العاملة بيوتا و أدوية أفضل.. و من جهة أخرى كان ماركس نفسه يقول أنه معجب بجوردانو برونو، طبعا دون أن يحاول أن يقلده أو أن يعيش هواجسه..

مقارنة أخرى ليست في صالح ماركس أن الملايين من البشر، أكثرهم كان من الطبقة العاملة نفسها التي تحدث طويلا عن تحريرها، قتلوا، ذبحوا، جوعوا، سجنوا باسمه و باسم أفكاره بينما لا نعرف عن إنسان ضرب أو سجن باسم أفكار جوردانو برونو.. في الواقع لم تكن قضية ماركس أن يحصل العمال على بيوت أو مدافئ أفضل و لا حياة أطول أو أن يركبوا سيارات أسرع من الحصان.. صحيح أنه لم يكن ليمانع ذلك لكن هذا لم يكن البتة في دائرة اهتمام الرجل.. كان ماركس يسعى لإعطاء العمال حكاما أفضل، جلادين أفضل، سجونا أفضل، قوانينا و محاكما أفضل، رجال شرطة و مخابرات أفضل.. يمكن لتلامذة الرجل و مريديه أن يقولوا أن السيارات و الطائرات و الأدوية الحديثة هي مجرد تحصيل حاصل لوجود الحكام الجدد و السجون الجديدة رغم أن هذا سيبقى مجرد قول بحاجة لإثبات، زعم ينقصه الدليل.. في الحقيقة يمكن قول نفس الكلام مثلا عن محمد، باول، بوذا، بل حتى عن ابن تيمية، ربما عن أي إنسان..

لا يهتم الحكام بالكهرباء أو الطاقة النووية أو حياة مواطنيهم أو التقدم العلمي أو العلم أساسا إلا إذا كان لهذا علاقة خاصة “بالأمن الوطني”، أمنهم، أمن “بلادهم”، بكلمة : بجيوشهم.. روسيا الستالينية اخترعت أسلحة و سجونا أفضل بكثير من السيارات و المستشفيات المخصصة للعمال و علاجهم.. داعش التي لا تعترف أساسا بالعلم و تعتبر أنه كله مختزل بين دفتي القرآن لا تتردد في تعلم استخدام أفضل التكنولوجيات العسكرية و هي لا تستخدم آيات القرآن في تدمير دبابات الأعداء بل صواريخ التاو المباركة على قولة موسى العمر ( لا أعرف مصدر البركة التي حلت على هذه الصواريخ بالضبط، لست عالما لاهوتيا متخصصا بالبركة لكن صواريخ التاو المباركة لها نفس مواصفات صواريخ التاو الكافرة و غير المباركة بالتالي، يبدو أني لن أفهم هذه الروحانيات أبدا )..

بالنسبة للحكم السوفيتي كان سلاح التشيكا و الجيش الأحمر أكثر أهمية من خبز العمال و عندما خرج هؤلاء للتظاهر في 1921 احتجاجا على نقص الخبز وجدوا في انتظارهم الرصاص الذي كان وفيرا على عكس الخبز.. يبقى كل هذا جزئيا أفضل و لو بدرجة ما من استخدام هتلر و الأمريكان “للعلم” ضد المثليين جنسيا و اليهود و الزنوج و اليابانيين و شهود يهوه الخ.. هنا نصل إلى مسؤولية أشخاص مثل جوردانو برونو هم أيضا عن اختراع المدافع و الصواريخ إلى جانب السيارت و الطائرات و العلاجات الحديثة الخ الخ.. بشكل من الأشكال فإن يدا الرجل ملوثتان بدماء من ماتوا ببنادق الجيش الأحمر و البريطاني و العراقي و الأمريكي و داعش و من قضوا في هيروشيما و معسكرات الغاز و الغولاغ.. صحيح أنه لا توجد سجون أو جيوش ترفع راية جوردانو برونو، لكن لا يمكن لجيوش و سجون اليوم أن تكون بهذا التطور لولا جوردنو برونو و أمثاله..

هذا لا يجعل برونو بنفس منزلة ماركس بالطبع و أعتقد أن هذا الكلام سيسعد رفاقي الماركسيين.. إن جوردانو برونو ليس مجرما عن قصد أو عن عمد.. لم يفكر الرجل كما فعل ماركس لا بالسلطة و لا بالثروة.. الرجل حل مشاكل ماركس التقنية لكنه لم يفعل ذلك خصيصا لكي يتمكن تلامذة ماركس من قتل أعدائهم بمن فيهم من البروليتاريا بالجملة.. هذا يطرح أسئلة “وجودية” أكثر عمقا عنا نحن معشر البشر.. نحن جنس هش، لا يقل هشاشة عن الذباب الذي يعيش فقط لساعات أو ايام و يموت لأسباب تافهة جدا كالبف باف و يوجد أساسا فقط لإزعاج بقية الكائنات.. نحن جنس شديد الهشاشة لدرجة أننا نموت منذ سنوات و حتى اليوم في كل مكان، نذبح، بالمعنى الحرفي للكلمة، ندهس، نفجر، باسم أفكار رجل عادي جدا مثل سيد قطب..

في الواقع وحدهم كتاب العبث و التشاؤم و الهراء من يمكنهم أن يزعموا أنهم أبرياء بالكامل من دماء إخوتهم البشر.. إذا قرأت إميل سيوران فإنك لن تقتل أحدا إلا نفسك و لا يمكن أن يوجد سجن أو “مستشفى أمراض عقلية” يحمل اسم نجيب سرور مثلا، بالمقابل لا يمكن لهؤلاء الإدعاء بأي فضل على تقدم البشرية لأنهم لا يرون فارقا حقيقيا بين البشر الذين يركبون الجمال أو السيارات و لأنهم لا يرون سعادة البشر في ركوب الطائرات و السيارات الخ.. صحيح أنه وجد من تحدث أكثر عن “حقوق الإنسان”، لكن الحديث عن “الحرية”، “العدالة”، “الأوطان”، “عالم أفضل” لم يستبعد أبدا القمع، السجون، الشرطة، القضاة، مستشفيات الأمراض العقلية، القضبان، الأسوار المرتفعة، المشانق أو الخوازيق أو ما يشبهها..

عندما سألت المثقف التقدمي الليبرالي المعارض عن عدد الناس الذين يموتون كل يوم بسبب كتاباته و هل يشعر بأي ذنب، نظر إلي مستغربا، و بعد أن نجوت من غضبه بسبب المفاجأة التي حلت به عندما قارنت بينه و بين قاتل مشهور معترف به مثل بشار الأسد، نجحت أخيرا في تحويل استغرابه إلى ضحكة هستيرية نصف مصطنعة عندما قلت له أن كل سني أو شيعي يقتل اليوم هو برقبته.. أما الشيخ الذي قلت له نفس الكلام في مكان آخر فكان أكثر ظرفا.. ضحك طويلا، ثم قال : ألا تعتقد أنهم يستحقون الموت يا صديقي، أنت أيضا، أنا، نحصل فقط على ما نستحق.. ضحكت عندها أيضا، فقد أسعدني أن يدعوني صديقه.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مازن كم الماز and tagged , , , , . Bookmark the permalink.