ولهم فى الكلاب شفاعة

د. السيد نصر الدين السيد  

المشهد الاول

في فجر يوم الثلاثاء الموافق 3 يناير 2017 وبينما كان يوسف لمعي، صاحب المحمصة المطلة على شارع خالد بن الوليد، شرقي الإسكندرية، جالسا يفكر تجهيزات خطوبة نجله قام شخص ملتحي يدعى عادل عسلية بذبحه.

المشهد الثاني

في عصر يوم الجمعة الموافق 2 نوفمبر 2018 تعرض اتوبيس يقل مصريين مسيحيين من زوار دير القديس الأنبا صموئيل المعترف – بمغاغة – بمحافظة المنيا اثناء عودتهم تعرض لإطلاق نار من مجهولين اسفر عن وفاة 7 واصابة 13 مواطنا.

المشهد الثالث

وتاريخ المشهد الثالث هو أحد شهور صيف 2018 اما مكانه فهو دهب. ودهب هي مدينة مصرية صغيرة يُقدّر عدد سكانها بحوالي أربعة آلاف وخمسمئة نسمة تقريباً تتبع محافظة جنوب سيناء وتقع على خليج العقبة، وتبعد حوالي 100 كم عن مدينة شرم الشيخ و87 كم عن مدينة نويبع، ولقد سُميت بهذا الاسم تيمناً بلون رمالها الذهبي. وتبدأ حكاية المشهد برائحة شواء أسماك تنبعث من محل متواضع في منطقة شعبية. ويقرر الكاتب التوجه اليه والسؤال عن إمكانية تناول عشاءه هناك. ويرحب صاحب المحل بالكاتب ويبدأ في اعداد الوجبة المطلوبة. ويلفت انتباه الكاتب تصرف غريب من صاحب المحل اذ انه يضع أحشاء السمك بعد تنظيفه في مكان مكشوف بدلا من التخلص منه. ويسأله الكاتب عن السبب ويأتيه الرد “ده عشان القطط يا بك ماهي برضه أرواح لا زم تعيش”. ولا تمر دقيقة على انتهاء الحوار لتبدأ القطط في التوافد والسير في مسار محدد يؤدي الى مكان الاحشاء لتأخذ كفايتها مما تعتبره وجبة شهية وتخرج لإفساح الطريق لبقية افراد العائلة أو للأصدقاء المقربين!

المشهد الرابع

في العصر الفاطمي كان الآباء يصطحبون أبنائهم الى سوق الدجاجين، في قلب قاهرة المعز. وهناك نراهم وهم يشترون العصافير الملونة ويطلقونها حرة لتغرد في الفضاء. وكيف لا يفعلون ذلك وهم يعتقدون أنها تسبح بحمد الله وتشكر فضله.

ويزور شيشرون، الخطيب الروماني الشهير، مصر ويكتب عما شاهده أثناء جولته فيقول: “ليس من المألوف سماعه عند المصريين أن يعامل قط أو تمساح أو بجعة معاملة يصيب أحدها بعض الألم من جرائها. فهم يفضلون أن يلحق أشخاصهم أشد العذاب من أن يصل أقل أذى ﺇلى هذه الحيوانات” (السيد, 1991). فيستطرد السيوطي قائلا: “من أقام بمصر وجد في أخلاقه رقة وحسنا” (السيوطي, 1967).

المشهد الخامس

في أحد أيام الثلاثاء من سنة 1518 م، وكانت مصر سقطت في قبضة العثمانيين، حدث “أن ملك الأمراء خاير بك (وقد أطلق المصريون عليه ﺇسم خاين بك لخيانته السلطان قنصوة الغوري) أشهر النداء في القاهرة بأن كل من رأى كلبا يقتله ويعلقه علي دكانه. وصارت التراكمة يمسكون الكلاب من الطرقات ويوسطونهم نصفين بالسيوف ثم استمر السيف يعمل في الكلاب يوما وليلة حتى هجت الكلاب مما دهاهم ﺇلى الترب والصحاري… فلما تزايد الأمر في قتل الكلاب… طلع الزيني بركات بن موسى المحتسب ﺇلى ملك الأمراء خاير بك وشفع الكلاب من القتل… فرجع ملك الأمراء عن قتل الكلاب ونادى في القاهرة بأن ترفعوا القتل عن الكلاب وكل من قبض على كلب يطلقه ﺇلى حال سبيله، فدعوا الناس للقاضي بركات بن موسي الذى شفع في الكلاب من القتل (أياس, 1984 ) ص. 248.

المشهد الاخير

تصور لنا نقوش مقبرة النبيل المصري “آنى” وهو واقف يوم الحساب أمام اﻹثنى والأربعين ماعت، آلهة الحساب، يقدم كشف الحساب عما فعله في دنياه يلتمس البراءة ويسعى لدخول ملكوت السماء. ومن كشف حسابه الطويل تأتينا هذه الكلمات:

لم أطرد قطيعا من مراعيه

لم أنصب الفخاخ لطيور الآلهة

ولم ألتقط الأسماك بطُعم من لحومها

مجموعة من المشاهد يدفعنا تأملها الى سؤال بديهي عن تلك القوة التي أحدثت تغيرا عميق في عقلية بعض المصريين فحولتهم من قوم يتشفع فقاءهم لدي حكامهم لإنقاذ الكلاب ويؤكد نبلاءهم انهم لم يستخدموا لحم الأسماك لصيدها الى قوم يستحلوا دماء شركاء الوطن؟ والاجابة معروفة سلفا انهم من يعلون من شأن “ثقافة الملة” علي حساب “ثقافة الأمة” أيا كانت مسميات فرقهم، وأيا كان ما ينتمون اليه من مؤسسات، وأيا كانت دعاويهم من توسط واعتدال. والأمر الخطير أن “ثقافة الملة”، بكل ما تتضمنه من تفسيرات قاصرة وفي حاجة ماسة للمراجعة لمقولات من قبيل “الدين عند الله الاسلام” و”العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” و “شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار”. ومن المؤسف هذه الثقافة، ثقافة التفسيرات القاصرة، هي الثقافة الشائعة وهى الثقافة الحاضنة لشتي اشكال العنف بكافة درجاته ولا سبيل لتقليص اثرها الا بحركة مراجعة شاملة لتفسيرات “السلف” فـ “الخلف” أيضا قادرين على الفهم وعلى التفسير.

المراجع

السيد, ا. ن. ا. 1991. القومية المصرية، قراءة في وضوح البداهة. القاهرة: كتاب اليوم.

السيوطي, ج. ا. 1967. حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه.

أياس, إ. 1984 بدائع الزهور فى وقائع الدهور. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. السيد نصر الدين السيد and tagged , , . Bookmark the permalink.