العلمانية 116 عام من الجدل

مؤمن سلاّم  

في 1 يناير 1903 صدر بمدينة الإسكندرية كتاب “ابن رشد وفلسفته” للكاتب اللبناني بالميلاد والمصري بالعيش والوفاة فرح أنطون، وقد ذكر فرح أنطون في مقدمة الكتاب أن الشيخ رشيد رضا يحرض الشيخ محمد عبده، والذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب مفتى الديار المصرية، على فرح أنطون ومجلته “الجامعة”. وقد نتج عن هذا التحريض للشيخ محمد عبده ضد مجلة الجامعة وصاحبها فرح أنطون أن قرر الشيخ كتابة ردود على ما قالته الجامعة بخصوص فلسفة ابن رشد واعتبره محمد عبده خطأ، واعتبره رشيد رضا في مقدمته لردود الشيخ إهانة للعقائد الإسلامية وأئمة المسلمين، ورأى في رد محمد عبده “فصل بين الحق والباطل”، بالرغم من تأكيد فرح أنطون أن الموضوع “فلسفي لا ديني، ولو كان دينيا بحتا كما أوهم سيئوا القصد لأمسكنا عن الخوض فيه لأننا لا ندخل فيما لا يعنينا ولا يفيد الدخول فيه”. وهو المشهد الذي مازال يتكرر حتى هذه اللحظة مع كل من يقدم رؤية مغايرة للتاريخ أو الفلسفة أو الأفكار أو الآراء الفقهية عن تلك التي يملكها التيار الإسلامي العام، حيث يتحول الأمر من اختلاف في وجهات النظر والرأى إلى معركة بين الحق والباطل، والكفر والإيمان.

وقد نشر فرح أنطون ردود الشيخ محمد عبده وردوده على ردود الشيخ في الجزء الثالث من الكتاب، والتي لم تكن تتعلق بفكر ابن رشد فقط، ولكن تطرقت إلى العلمانية أو فصل الدين عن السياسة ومسائل الحكم والموقف من العلم.

وقد انطلق محمد عبده في رفضه للعلمانية من الإختلاف الذي يراه بين الإسلام والمسيحية في موقف كل منهما من العلم والعقل والدولة الدينية. فيرى محمد عبده أن الإسلام على عكس المسيحية يحترم العلم والعقل ويدعم حرية البحث العلمي وهو أيضا على خلاف المسيحية لا يعرف الحكم الديني بل إنه ضد الإستبداد ويحارب المستبدين. وبالتالي فلا حاجة للمسلمين بالعلمانية، لكى ينطلقوا ويحققوا النهضة العلمية والسياسية. وهى الفكرة التي تتبناها جماعة الإخوان المسلمين ومن يسموا أنفسهم بالوسطيين والحداثيين داخل الاسلام السياسي.

أى أن بعد 116 عام من هذا الجدل الفكري حول فصل الدين عن الدولة بين فرح أنطون ومحمد عبده، مازال الجدل مستمر مستخدما نفس المقاربة، فالعلمانيين يروا أن خلط الديني بالسياسي لابد أن يقود للاستبداد وفرض وصاية على عقيدة وفكر الانسان ما يؤدي إلى تعطيل ملكات الابداع لدى أفراد المجتمع وهو ما ينتج عنه تخلف المجتمع بشكل عام، وأن الإسلام ليس استثناء في الأديان، وبالتالي ففرض الفقهاء لوصايتهم على المجتمع والدولة لابد أن يؤدي إلى تراجع الأمة المصرية حضاريا. على الجانب الأخر يصر رجال الدين الرسميين ومعهم تنظيمات الاسلام السياسي، أن الاسلام يختلف عن سائر الأديان وأن تدخل رجال الدين الاسلامي في الشأن العام لن يؤدي إلى الكوارث التي أدت إليها الأديان الأخرى، بل على العكس خلط الاسلام بالسياسة هو الذي يؤدي إلى نهضة المجتمع.

واستمرار هذا الجدل على مدار أكثر من قرن من الزمان، يعود في الأساس إلى الخطاب العلماني الذي لم يدرك حتى الأن أن الصراع مع الأصولية الدينية ليس صراعا على تأويل الدين ولكن صراعا على دور الدين في المجال العام. إذ أن المتابع للخطاب العلماني سيجده في الأغلب ينطلق من منطلقات دينية تحاول اثبات وجود جذور اسلامية للأفكار الحداثية والتنويرية، وفي نفس الوقت اثبات خطأ أطروحات الاسلام السياسي باستخدام اجتهادات فقهية قديمة أو حديثة أو تأويلات للنص القرآني.

أى ببساطة لقد أصبحت العلمانية المصرية وكأنها مذهب ديني جديد يتبني آراء وتأويلات وتفسيرات للدين مغايرة لتلك التي يتبناها الإسلام السياسي، وليست تيار فكري يدعوا لفصل الدين عن الدولة، لكى يصبح شأناً فرديا، ولهذا استمر الجدل 116 عام وسيستمر مالم يراجع العلمانيون خطابهم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, مؤمن سلاّم and tagged , . Bookmark the permalink.