سياسات الهوية والانتحار الجماعي

 مازن كم الماز  

أخيرا، ها نحن أمام عالم يعرف نفسه فقط بالهوية.. طالما صرخنا و هتفنا باسم الهوية و رفعناها فوق كل ما هو إنساني.. اليوم ها هو العالم من أمريكا إلى باريس إلى سان باولو و الفلبين لا يتحدث إلا عن الهوية.. المفاجأة الأولى أننا لسنا وحدنا من يملك هوية.. الآخرون أيضا لديهم هوياتهم و هم أيضا باتوا يريدون “أرضهم” لهم وحدهم و هم أيضا يتحدثون اليوم عن السكان الأصليين و الدخلاء، و محاولاتنا اصطناع فوارق مهمة بين دواعشنا و دواعشهم تفتقر إلى الأصالة و الإبداع: أن كسينوفوبياهم تطرف و عنصرية أما كسينوفوبيانا تقدمية بل و دعوة للحرية الخ.. اليوم الجميع مهووس مثلنا بالهوية: البيض، السود، الإسبان، الهندوس، البوذيون، الأوكرانيون، الروس، الأمريكان، الألمان..

لم تحظ منظمة أو تيار عربي أو عروبي أو مشرقي، منذ صعود عبد الناصر، بدفاع خصومها عنها و تبريرهم كل ما تفعله كما هو الحال مع داعش و القاعدة اليوم.. الجميع، من يسمون نفسهم ليبراليين و اليساريون بمن فيهم المتطرفون و الجذريون.. و كما كان الحال مع عبد الناصر، لولا الصراع على السلطة بينه و بين الإخوان لما وجدنا أحدا ينتقده، خصوم داعش الأصدق اليوم هم منافسيها الأقرب.. اليساريون و حتى الليبراليين هم من أشرس مؤيدي داعش كما كانوا مع عبد الناصر… الحقيقة أنه هو الذي عارضهم، لا هم الذين عارضوه، عدا عن بعض الاستثناءات اليسارية الطفولية و المتطرفة.. لا دم خميس و البقري و لا شهدي عطية الشافعي و فرج الله الحلو و لا ضحايا داعش من الأكراد و العرب و السنة و الشيعة، و لا من الناشطين يمكنه أن يخفف من هذا الحماس المازوخي.. لكن هذا ليس استثناءا عربيا كما قد يطيب للبعض، يبدو أن هذا ما حدث مع لينين و هتلر و الخميني أيضا.. هذه هي حقيقة الهوية بالفعل: ذلك الاستحواذ الهوسي، الكراهية المرضية للآخر حتى درجة القتل و الإبادة و الاستخذاء المازوخي تجاه من يدعي تمثيل “الأنا“..

 ليست داعش استثناءا عربيا، الآخرون أيضا لهم دواعشهم.. و كما نفعل مع دواعشنا يفعل الآخرون مع دواعشهم.. الصراع اليوم يصبح بمبادرة من الجميع صراعا بين الدواعش، مستمرون جميعا في تبرير أفعال دواعشنا و تبرير همجيتهم لكن لا أعرف إلى متى، توقف الألمان عن اتهام اليهود بالمسؤولية عن مشاكلهم فقط عندما دخل جنود الحلفاء برلين التي أصبحت مجرد أنقاض.. و في اليابان كان الامبراطور هو الذي اتخذ قرار ايقاف المجزرة.. لقد نجت البشرية من الانتحار في أوقات كثيرة لأسباب مختلفة لا علاقة لها غالبا بتعقل البشر أو قدرتهم على هزيمة الكراهية و أثبتت التجارب المتكررة أنه من المستحيل إيقاف الهستيريا الجماعية في كثير من الأحيان.. كان هتلر يعتقد أنه على الألمان أن ينتحروا جماعيا إن لم يتمكنوا من الانتصار و قد مضى معه في هذا كثير من الألمان بالفعل.. حدث ذلك خاصة في الحربين العالميتين و في الحروب الدينية و الحروب الكبرى على السلطة و الثروات، لكننا اليوم نتفوق على الأجيال السابقة بأننا نملك القدرة على تدمير أنفسنا حتى باستعمال الأسلحة التقليدية..

ليس إصرارنا على خوض تجارب الانتحار الجماعية المتكررة المسماة بالحروب نتيجة لأزمة وجودية نعيشها، إننا نحاول الانتحار فقط في سبيل السلطة و الثروة و هذا إنساني جدا و مبرر، العبثي و التافه هو الانتحار في سبيل أشياء كالهوية.. إن تهافتنا على قتل بعضنا البعض و على الموت في سبيل أشياء سنكفر بها بعد قليل مثير للدهشة و هو لا يشير إلى امتلاك وعي معقد، و ليس دليل أزمة الإنسان المفترضة ككائن وليد الصدفة في عالم عبثي.. صحيح أن تلك الحروب الانتحارية هي قمة العبث لكنها تزعم العكس تماما.. قد يشعر الإنسان بشيء من الفخر، الوطني أو العرقي أو العنصري إن شئتم، لأننا نحن العرب أو المسلمون سننجح أخيرا في دفع البشرية لإطلاق النار على رأسها في موقف تراجيدي عبثي بطولي إن شئتم حيث نمثل دور البطولة الأخير أمام جمهور مفترض غير موجود، أمام عالم ستسوده الطحالب و ربما أسلاف الزواحف مرة أخرى.. لم ينجح في ذلك هتلر و لا جنكيز خان، جميل أن نكون نحن من يلقم الطلقة الأخيرة في لعبة الروليت التي نلعبها منذ أنجبتنا الطبيعة لكي تطلقها البشرية على رأسها، الأغبى و الأكثر عبثية أن تكون هذه الطلقة هي طلقة الهوية، لا رغبات أوديب المجنونة و لا شبق دي ساد أو إهلاسات فان غوغ...

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مازن كم الماز and tagged , . Bookmark the permalink.