مرّة أخرى.. بين الشيخ والرئيس..خلاف مقنن

 د.رياض حسن محرم  

نشأ الشيخ أحمد الطيب بقرية القرنة التابعة لمدينة الأقصر فى بيئة صوفية خالصة، كان جده الشيخ الطيب الحسّانى قد أنشأ الطريقة الصوفية التى عرفت باسم ” الخلوتية الحسانية”، ومن بعد الجد تولى والده إدارة شئون الطريقة التى أورثها لشقيقه الأكبر محمد الطيب، بعد الكتّاب التحق أحمد بالأزهر الشريف لينهى دراسته الأساسية ثم يلتحق بكلية علوم الدين ليتخصص فى علم العقيدة والفلسفة ليتخرج منها ويواصل دراسته حتى يحصل على شهادة الدكتوراه عام 1977 بتفوق، بعدها يحصل على منحة للدراسة بجامعة السوربون بفرنسا، ويتقن الشيخ اللغة الفرنسية سريعا لدرجة عكوفة على الترجمة منها الى العربية، ويعود الشيخ من بعثته الى سلك التدريس بجامعة الأزهر ليصل فى نهاية المطاف الى الترشح لرئاسة الجامعة، حيث ينضم الى الحزب الوطنى ويقرر “جمال مبارك” ضمه الى لجنة السياسات بالحزب، ويتم تعيينه رئيسا لجامعة الأزهر، وبعد رحيل الشيخ “محمد السيد طنطاوى” شيخ الأزهر يقع الإختيار عليه كى يخلفه، وينتظر الشيخ عودة الرئيس مبارك من رحلة العلاج بألمانيا ليستأذنه فى ترك لجنة السياسات ليصبح الإمام الأكبر للجميع، لكنه يحتفظ بعضوية الحزب الوطنى.

ما ذكّى الطيب لهذا المنصب الحسّاس ليس فقط عضويته فى لجنة السياسات ولكن عداؤه المعلن لجماعة الإخوان المسلمين، وليس من الصدفة قيامه سنة 2006 بفصل 5 من طلاب الإخوان من جامعة الأزهر لتقرر الجماعة القيام بمظاهرة شبه عسكرية من حوالى 300 أطالب أمام مكتبه، فيتم القبض علي عدد كبير منهم وعلى بعض قادة الإخوان كعاطف الشاطر وحسن مالك ويحكم بالسجن على 40 منهم، وقتها لم يتدخل الطيب “بصفته رئيسا للجامعة” لطلب تخفيف الحكم، ويدّل ذلك على موقفه الموالى للقيادة السياسية، عموما فقد أظهر الولاء لرئيس الجمهورية وللحزب الحاكم، وحتى بعد قيام ثورة 25 ينايرفقد أفتى بحرمة التظاهر ضد الحاكم طالما لم يمنع تأدية الشعائر الدينية.

هذا الطيب الذى ظهر بجانب البابا تواضروس خلف الجنرال السيسى يوم 3 يوليو 2013 حين القى السيسى بيان عزل محمد مرسى وتحديد الخطوات التى ستطبق فى مرحلة جديدة إنتقالية بينما كان إعتصام رابعة قد بدأ، هو نفسه الذى آثر الإعتكاف فى قرية لحظة فض الإعتصام، وهو نفس الشخص الذى رفض إسلوب فض الإعتصام متحدثا عن حرمة الدماء وأنه لم يكن يعلم بعملية الفض، وهو أيضا من أعلن إختلافه مع السيسى على الهواء مباشرة أثناء الأحتفال بذكرى المولد الشريف فى 19 نوفمبر الماضى متحثا عن رفض أى محاولة لتنقية السنة بوصفها المصدر الأساسى للتشريع مع كتاب الله، ومعرضا بطرف خفى بدعوات السيسى لإصلاح الخطاب الدينى، مادعا السيسى الى التعقيب بكلمة مرتجلة (تجاوز فيها بذكاء قضية السنة الشائكة) ليوجه سؤالا مباشرا للشيخ ” “الإشكالية في عالمنا الإسلامي حالياً ليست في اتباع السنّة النبوية من عدمها، لكن المشكلة هي القراءة المخطئة لأصول ديننا، مَن أساء إلى الإسلام أكثر: الدعوة إلى ترك السنّة النبوية أم الفهم المخطئ للدين؟“.

المشكلة فى الخلاف المستتر بين الرجلين أن كلاهما لا يرغبان فى تصعيده أو جعله علنيا، فالشيخ الطيب يستمد قوته مما نصّ عليه دستور 2014 بتحصين منصب شيخ الأزهر ومنع عزله عن منصبه ويمعاملة شيخ الأزهر معاملة رئيس الوزراء من حيث الدرجة والراتب والمعاش، وكذلك فإن الشيخ يعتمد على تغلغل الفكر الدينى الشعبوى فى العقل الجمعى للجماهير المتمثل عموما فى الأزهر بصفته الحامل والحامى للإسلام الوسطى خاصة بعد تراجع أفكار الإسلام السياسى، ويعتمد كذلك على ملايين الخريجين من المعاهد الأزهرية المنتشرة فى مختلف ربوع الوطن والالاف من خريجى جامعة الأزهر، ويتقوى أيضا بالجمعيات والطرق الصوفية وجمعيات أنصار السنة المجمدية وبقبليته الممتدة فى معظم محافظات الصعيد.

نظام السيسى فى مصر ومنذ الثلاثين من يونيو 2013 وهو يعمل بجهد من أجل الإمساك كاملا بمقاليد الحكم وإبطال كل الأصوات المختلفة معه، فعلى المستوى السياسى نجح فى منع المظاهرات كليا، وتكميم الإعلام، وتحييد الصحافة، والزج بكافة المعارضين فى السجون أو خارج الوطن الى المنافى ، والسيطرة على المؤسستين القويتين مدنيا وهما القضاء والبرلمان بعد أن أكمل سيطرته على الإقتصاد والجيش، لم تبق إذن الاّ مؤسسة وحيدة متمنعة، هى مؤسسة الأزهرن التى يعلم الطرفان صعوبة تلك المعركة، ولكن السلطة بما تملك من أوراق قادرة على كسب تلك الجولة وفرض الأمر الوااقع، وذلك بقدرتها عن طريق برلمانها تغيير قانون إستقلال الآزهر، لكنها تؤجله الى حين، ربما ما عرضه أحد وكلائها فى المجلس “محمد أبو حامد” منذ فترة وجيزة حول تعديل قانون الأزهر كان بروفة، الذى طالب فيه بتحديد مدة تولى شيخ الأزهر، وتوسيع الهيئة المنوط بها إنتخابه، وغيرها، وتم إجباره مؤقتا على سحب المشروع الى حين.

كما أن االرئاسة تدفع بوزارة الأوقاف بوزيرها المطيع للأوامر الى الواجهة بصفتها الجهة المسؤولة عن المنابر والمسيطرة على الخطباء والدعاة، والتى فى حوزتها ميزانية ضخمة من الأوقاف وعائداتها ومن صناديق النذور، وفى هذا الإطار دفعت وزارة الأوقاف تدريب الدعاة الى “أكاديمية إعداد القادة” التابعة للرئاسة، بدلا من أن يكون التدريب بالأزهر، وقد تم إعداد برنامج للتدريب يتضمن الى جانب النواحى الدينية، موضوعات أخرى سياسية وقانونية وعلم إلإجتماع وعلم النفس بواسطة متخصصون فى هذه المجالات.

تعددت الخلافات المعلنة والمكتومة بين المشيخة والرئاسة فى أكثر من موضوع، بينها الطلب من الأزهر أن يقوم بتكفير داعش مثلما فعل مع غيرها، فجاء رد فضيلته قاطعا” “الأزهر ليس ما يطلبه المستمعون! عاوزني أكفّر داعش ولو مكفرتش تقول عليا أنا داعشي.. قول براحتك. لكن التكفير له ضوابط وأنا مش من حقي أن أكفر أحد”، أيضا عندما توجه السيسى فى أحد خطاباته بحضور الشيخ الطيب مطالبا إياه بإصدار فتوى تُبطل وقوع الطلاق الشفوي. وفي الأسبوع نفسه كان رد هيئة كبار العلماء، والتي يرأسها الطيب، بالرفض لهذا الاقتراح، وذيّلت تلك الهيأة بيانها بإشارة ضمنية للحكومة ناصحة “بأن يَصرِفوا جُهودَهم إلى ما ينفعُ الناس ويُسهم في حل مشكلاتهم على أرض الواقع، فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ لهم سُبُلَ العيش الكريم“.

عموما فسيشهد المستقبل محاولات متكررة ناعمة وليست خشنة لترويض المشيخة وجعلها أكثر إستجابة ، حتى لا تحدث حالات إحتقان علنى قد يحاول المتربصون الإستفادة منهان فالنظام مسيطر تماما على وسائئل الإعلام وقادر على تعلية التون أو خفضه، وقد لاحظنا ذلك فى حجب تعليقات الأزهر على تعديل قوانين الميراث فى تونس، سيعمل النظام بهدوء على نزع مسألة تجديد الخطاب الدينى من الأزهر الى جهات أخرى كالبرلمان ووزارة الأوقاف والثقافة وغيرها حتى لا يثير حساسية الشيخ والمشيخة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, د.رياض محرم and tagged , , , . Bookmark the permalink.