المعرفة ثورة وثروة

د. السيد نصر الدين السيد 

المعرفة هي السلاح الرئيسي في صراع القوى المصاحب لاقتصاد ما بعد الصناعة

ألفين توفلر (Toffler, 1990)

المعرفة” و”المعرفي” اسم وصفة نلتقي بهما كثيرا على صفحات الجرائد او فى البرامج الحوارية عندما يكون الحديث عن تنمية المجتمعات فى القرن الواحد والعشرين.

ووعي الانسان بأهمية المعرفة ليس امرا جديد ففي القرن الرابع قبل الميلاد قال عنها الحكيم الصيني سن تزو “المعرفة قوة”. أما فرانسيس بيكون (1561-1626 م) مؤسس المذهب التجريبى فى العلوم الطبيعية فقد قال عنها “المعرفة هى قوة فى حد ذاتها”. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ما الذي استجد وأدى الى تعاظم الدور الذي تلعبه المعرفة في تقرير مصائر المجتمعات؟ والاجابة هي أن هذا التعاظم نشا نتيجة تفاعل عدة عوامل من أهمها “الانفجار المعرفي” و”الاستفادة العاجلة”. وأول هذه العوامل، “الانفجار المعرفي”، هو الزيادة غير المسبوقة في حجم المعرفة العلمية التي ينتجها الانسان المعاصر. فحجم المعرفة التي أنتجها العقل البشرى في الثلاثين أخيرة يفوق كل ما أنتجه الإنسان في الـ 5000 سنة الأخيرة من حضارة الإنسان.

اما العامل الثاني، “الاستفادة العاجلة”، فتعني تناقص الفترة الزمنية اللازمة للاستفادة من الاكتشاف العلمي في تطوير منتج او تقديم خدمة. فعلي سبيل المثال لم تتم الاستفادة من نظرية الموجات الكهرومغناطيسية، التي طورها عالم الفيزياء الإنجليزية سنة 1864، الا بعد مرور 31 سنة عندما تمكن ماركوني من تنفيذ اول اتصال لاسلكي عبر الاطلنطي سنة 1901. الا ان الأمر لم يستغرق سوى 9 سنوات لتتجسد الة تيورنج، التي طورها عالم الرياضيات الإنجليزية سنة 1937 كنموذج للحسابات الآلية، تتجسد على هيئة اول كومبيوتر رقمي سنة 1946.

أما الصفة “معرفي” فعادة ما تستخدم لوصف اي مجتمع أو اقتصاد تلعب فيه المعرفة دورا رئيسيا.

ان شيوع الاشارة الى كل من الاسم والصفة في وسائط الاعلام الموجهة لغير المتخصصين يعنبر احدى الشواهد على عمق التحول الذي يشهده المجتمع الانساني المعاصر. وهو التحول الذي لا يمكن الاحاطة بكل ابعاده دون القاء نظرة سريعة على مراحل تطور المجتمع البشري. يتفق اغلب علماء الانثروبولوجي على ان هذا المجتمع في رحلة تطوره المستمرة قد مر بأربعة مراحل رئيسية هي مرحلة مجتمع “حضارة ما قبل الزراعة” ثم مرحلة مجتمع “حضارة الزراعة” ثم مرحلة مجتمع “حضارة الصناعة” وأخيرا مرحلة مجتمع “حضارة ما بعد الصناعة” أو “حضارة مجتمع المعرفة”. وتتمتع كل مرحلة بخصائص تميزها عن المراحل الأخرى. فعلى سبيل المثال شكلت النباتات والحيوانات غير المستأنسة الموارد الرئيسية لمرحلة مجتمع “حضارة ما قبل الزراعة” بينما شكلت الأرض المزروعة وما تنتجه والحيوانات المستأنسة الموارد الرئيسية لمرحلة مجتمع “حضارة الزراعة”. أما موارد مجتمع “حضارة الصناعة” فهي المواد الخام بكافة أشكالها التي يستخرجها الإنسان ليقوم بعد ذلك بتحويلها إلى منتجات مصنعة.

أما اليوم فنحن شهود لنقلة نوعية في طبيعة الموارد التي تقوم عليها المجتمعات فلأول مرة يصبح هذا المورد غير ملموس على عكس الموارد الأخرى التي تصدرت فى مراحل تاريخية سابقة انه “المعرفة”. والمعرفة في هذا السياق تشمل كلا من “المعرفة العلمية” و”المعرفة التكنولوجية”. و”المعرفة العلمية” هي المعرفة التي ينشئها استخدام منظومة العلم الحديث في دراسة الظواهر الطبيعية والاجتماعية، ويتم التحقق من دقتها وصحتها عبر المناهج العلمية المختلفة. أما “المعرفة التكنولوجية” فهي المعرفة التي يكتسبها الإنسان أثناء قيامه بتصنيع منتج ما أو تقديمه خدمة بعينها بدءا من مرحلة التصميم وإنتهاءا بمرحلة الإنتاج

وبالاضافة الى ان المعرفة، كمورد، غير ملموسة فانها ايضا تتمتع بعدة خصائص تميزها عن الموارد الأخرى. واول هذه الخصائص هو “إمكانية التخليق” فنظرية جديدة، ثبتت صحتها، تفسر ظاهرة ما او خبرة مكتسبة من عملية تصنيع منتج تكنولوجي مستحدث ليسا الا امثلة لهذه الخاصية. اما ثاني هذه الخصائص، “القابلية للزيادة”، فتعني امكانية تعديل ما هو متوفر من معرفة او خبرة ليتلاءم مع ما يستجد من امور. فأي تعديل في نظرية ما او إضافة خبرة جديدة للخبرة السابقة يعتبران إضافة لما هو موجود. والخاصية الثالثة، “لا ينقص باستخدامه”، تعني أن المعرفة كمورد لا تستهلك باستخدامها بل على العكس من ذلك فهي تثرى وتتزايد باستخدامها. فقراءة المعرفة التي يتضمنها كتاب ما او ورقة علمية واستخدامها لن يؤثرا بالنقصان على محتوى الكتاب او الورقة. ورابع الخصائص التي تميز المعرفة كمورد هي “استمرارية الامتلاك” فهي تظل في حوزة صاحبها حتى بعد بيعها لمستخدم جديد.

كان هذا عن المعرفة كـ “ثورة” على المفهوم التقليدي للموارد الذي حصرها فى الموارد المادية. ثورة تمهد الطريق لمفهوم جديد عن “الموارد الذهنية والثقافية” للمجتمع كما تتمثل في مجمل “الإنتاج الفكري والثقافي” للمجتمع سواء أكان هذا الإنتاج في مجالات العلوم والتكنولوجيا أو في مجالات الفنون والآداب، وفى “أدوات” هذا الإنتاج، سواء تمثلت في أفراد مبدعين أو فى مؤسسات الإبداع بشتى أنواعها من جامعات ومراكز بحوث ومؤسسات فنية وأدبية، وفى “التقنيات والآليات” الداعمة لهذا الإنتاج مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

أما المعرفة كـ “ثروة” فتتجسد فيما يعرف بـ “الاقتصاد المعرفي”. وهو الاقتصاد الذي تعتبر “المعرفة العلمية والتكنولوجية”، بشتى أشكالها، هي المكون الرئيسي لما ينتجه من سلع مصنعة وما يقدمه من خدمات. فعلى سبيل المثال تشكل العناصر المعرفية، المتمثلة في برمجيات التصميم والتصنيع، 70 % من تكلفة إنتاج أي سيارة جديدة. كما تزيد قدرات الكمبيوتر الذي يتحكم في أداء أي سيارة ركوب فاخرة ذلك الذي قاد عملية إنزال أول إنسان على سطح القمر سنة 1969 وتحكم في أداء سفينتهم الفضائية أبولو 11. لذا يحدد المكون المعرفي الداخل في تشكيل سلعة ما أو في تقديم خدمة معينة سعر هذه السلعة أو الخدمة.

هذا ويعتبر إنتاج “البضاعة المعرفية” Knowledge Goods هو أحد الأنشطة الرئيسية للاقتصاد المعرفي(*) . و”البضاعة المعرفية” هو مصطلح يطلق على السلع أو الخدمات التي تدخل المعرفة في تكوينها جزئيا أو كليا. ويمكن تصنيف البضاعة المعرفية إلى ثلاثة أنواع رئيسية . النوع الأول هو “البضاعة المرقمنة” Digitized Goods وهي التي يقتصر وجودها على ذاكرة الكمبيوتر ويتم التعامل معها بواسطته فقط ولا حياة لها خارجه وذلك مثل برمجيات الكمبيوتر بشتى أصنافها. والنوع الثاني هو “السلع المادية القابلة للرقمنة” Digitized Physical Goods الذي يشمل كافة السلع التي يمكن تحويلها إلى الصورة الرقمية مثل الكتب والمجلات وتذاكر الطائرات. ويمكن نقل وتبادل كلا من نوعي البضاعة المعرفية هذين عبر شبكات اتصالات الكمبيوتر. والنوع الأخير هو “السلع المادية المدعومة بالمعرفة” Knowledge-Enhanced Physical Goods التي تشمل أي معدة أو جهاز تستخدم برمجيات الكمبيوتر في المساعدة على تشغيله بكفاءة.

أي أن “الاقتصاد المرتكز على المعرفة” يعنى ببساطة الاقتصاد الذي يقوم في الأساس على إنتاج المعرفة، وعلى استخدامها في تطوير سلع أو خدمات جديدة أو محسنة بهدف تحقيق مزايا تنافسية. وهكذا يصبح إنتاج الابتكارات، بما تتضمنه من عمليات إنتاج لمعرفة جديدة ولتجسيدها على هيئة منتجات وخدمات، جديدة أو محسنة، أهم “محرك” Driver للاقتصاد الجديد وأحد أهم عناصر “الميزة التنافسية” لكيانات هذا الاقتصاد.

Toffler, A. 1990. Powershift. New York: Bantam Books.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, د. السيد نصر الدين السيد and tagged . Bookmark the permalink.