-هكذا تحدثت علوم – ما بعد الحداثة

د. السيد نصر الدين السيد  

يتوقف نجاح أي عمل، أيا كان نوعه، على توفر معرفة مسبقة بدقائق هذا العمل” و هي العبارة التي لا يختلف اثنان على صحتها . ويبدأ الخلاف عند الحديث عن خصائص المعرفة المطلوبة وتطرح أسئلة من قابيل: مما تتكون هذه المعرفة؟ وعن مصادرها؟ وعن كيفية التحقق من صحتها؟

وهنا قد يتصدى احدهم ويقول ان الإجابة عن هذه الأسئلة مجتمعة هي كلمة واحدة وهي “العلم” طبعا. والاجابة في مجملها صحيحة ولكن أي علم هو المقصود في زمن ساء فيه استخدام الكلمات. وحتى اذا كانت تشير الى “منظومة العلم الحديث” التي ولدت على ايدي كلا من جاليليو (1564-1642) ونيوتن (1642 –1727)، فلقد شهدت هذه المنظومة العديد من التغيرات الجوهرية التي يصل بعضها الى مستوى الثورة .

وقد شهد الثلث الأول من القرن العشرين نظريتان واحدة موضوعها “الكون الماكرو” Macro Cosmos بمكوناته من مجرات ونجوم وكواكب والاخرى والاخرى موضوعها “الكون الميكرو” Micro Cosmos بمكوناته من جزيئات وذرات وجسيمات أولية.

والأولى هي “نظرية النسبية الخاصة” لصاحبها ألبرت أينشتين (1879– 1955) الذى نشرها سنة 1905. وهى النظرية التى قضت قضاءا مبرما على مفهومى المكان والزمان المطلقين الذان قامت على أساسهما النظرة التقليدية (الكلاسيكية) للكون. وطبقا لهذه النظرية يتوقف إدراك الإنسان للمكان، وما ينطوى عليه من أبعاد، وإحساسه للزمان، بما ينطوى عليه من تعاقب للآحداث،يتوقف هذا الادراك على حركته. فما يراه الإنسان وهو فى حالة سكون من أبعاد للأجسام وما يدركه فترات زمنية تفصل مابين الأحداث يختلف عما يراه ويدركه وهو فى حالة حركة. وبهذا تكون “نظرية النسبية الخاصة” قد أصلت لمبدأ “ذاتية المشاهدة” او إمكانية تعدد الرؤى الصائبة لنفس الموضوع بتعدد الناظرين اليه.

والنظرية الثانية هي نظرية “ميكانيكا الكم” Quantum Mechanics التي تمكنت بنجاح فائق من وصف وتفسير سلوك مكونات عالم الذرة التي توالى اكتشافها. وقد شكلت ميكانيكا الكم وما جاءت به من قوانين ومبادئ الثورة العلمية الثانية. وفى موقع الصدارة من مبادئ هذه النظرية “مبدأ اللاتيقن (أو الريبة)” Uncertainty Principle الذي اكتشفه العالم الألماني هيزنبرج (1901–1976). يؤكد هذا المبدأ على أن مجرد عملية ملاحظة (أو مراقبة) الإنسان للواقع تؤثر على حالته ومن ثم على ما تتم مشاهدته وتسجيله. وهكذا وضع مبدأ اللاتيقن حدا أعلى للدقة لما يمكن للإنسان أن يلاحظه أو يقيسه وذلك بغض النظر عن مدى تعقد أو تقدم التكنولوجيات التي يستخدمها. وهكذا يصبح التحديد الدقيق للأوضاع الحالية لأي شيء من الأمور المستبعدة ويخرج تنبؤنا بأحواله اللاحقة من خانة “اليقين” الى خانة “الاحتمالات”. وبهذا يكون كلا من “مبدأ اللاتيقن” مع مبدأ “ذاتية المشاهدة”، الذي جاءت به نظرية النسبية الخاصة، قد ألقيا شكوكا قوية على مدى صحة مبدأ “الموضوعية المطلقة”، الذي تبناه العلم.

ولقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين ظهور رؤى علمية جديدة، من قبيل: “نظرية الكيوس” Chaos Theory، نظرية التعقد” Complexity Theory ، نظرية “المنظومات المعقدة المتكيفة” Complex Adaptive Systems، المنطق الغائم Fuzzy ، الأوتوبويزيس” Autopoieseis ، الانتظام الذاتي Self-organization. وسنكتفي بعرض سريع لاثنتان منهما:

        “المنظوماتية” System Approach،

        ” Cybernetics،

وقد شكلت هذه الرؤى مجتمعة الأساس لما يعرف بعلوم ما بعد الحداثة.

وجاءت أولى هذه الرؤى، “المنظوماتية”، كرد فعل لأوجه القصور التي عانت منها منظومة العلم الحديث في صورته الأولى نتيجة لتبنيها مبدأ “الاختزالية” Reductionism. ويقضي هذا المبدأ أن خصائص أي شيئ يمكن اشتقاقها من خصائص مكوناته. لذا فإن دراسة شيئ تقتضي أولا تجزئته الى أجزاء (مكونات) تسهل دراستها كل حدة آملين أن يؤدي فهمنا لخصائص اجزائه سيؤدى بالضرورة لفهم الكل الذي يحتويها. الا ان هذه المقاربة أثبتت فشلها فعلى سبيل المثال خاصية “الحياة” التي يتمتع بها الانسان، او الكائنات الحية، هي خاصية لا يتمتع بها أيا من مكوناته ( 65% ماء و20% بروتين و12% دهون 3% مواد أخرى). انها الخاصية التي يطلقون عليها “الخاصية المستجدة” Emergent Property. لقد جاءت المنظوماتية بمفهوم جديد وأصيل لكلمة “المنظومة” System فعرفتها بأنها هذا

الكل، أو الكيان، لذى تميزه خصائصه المستجدة والقادر على التكيف مع أحوال بيئته المتغيرة والذى تشكله مجموعة من المكونات، المادية أو المعنوية، المترابطة سويا لتحقيق غاية بعينها وذلك بفعالية تفوق فعالية مكوناتها المستقلة“.

وقد وفر هذا المفهوم للباحثين اداة ذهنية مكنتهم من دراسة منظومات المادة الصماء ومنظومات المادة الحية والمجتمعات البشرية.

ومن رحم المنظوماتية جاءت ثاني الرؤى وهي “السيبرنيطيقا” التي عرفها مؤسسها فينر بأنها “منهج علمي للنظر في آليات التحكم وانتقال المعلومات في المنظومات الديناميكية سواء كانت مخلوقة أو مصنوعة”. والمنظومات الديناميكية هي تلك المنظومات القادرة على تغيير سلوكها وتكييفه طبقا لما يحدث في بيئتها ويكون له تأثير عليها. أما كلمة “التحكم” كما جاء في تعريف فينر لها فتعنى “عملية التنظيم الأمثل لما تقوم به أي منظومة من أفعال مقصودة (غائية) Purposeful وذلك بغرض توجيهها نحو تحقيق الهدف المنشود منها“.

انها اذن “علم وفن بلوغ الغايات” سواء كانت هذه الغاية هي الحفاظ على الوضع الراهن للمنظومة المحكومة او مساعدتها لبلوغ وضع جديد. وهى لتنفيذ مهمة التحكم طورت نموذج عام للتحكم يمكن استخدامه بدءا من منظومة بسيطة مثل جهاز تبريد محرك السيارة وانتهاءا بإدارة شركة عابرة للقارات. وفي النموذج يتم التمييز بين المنظومة الحاكمة التي تراقب باستمرار درجة حرارة ماء جهاز التبريد وتقارن قيمتها بالقيمة الأمثل فان وجدت اى انحرافات تأمر “المنظومة المحكومة” باتخاذ اللازم. وقدرة “المنظومة الحاكمة” على إدارة المنظومة المحكومة” بنجاح يتوقف على قدرتها “على إنتاج أفكار وابتداع أوضاع تفوق في تعددها وتنوعها تلك التي يقدر على إنتاجها وإبداعها (الكيان المحكوم)” وهو ما يعرف بـ المعروف بـ “قانون آشبى للتنوع اللازم” Ashby Law of Requisite Variety.

الخلاصة

على الرغم من العرض الخاطف لبعض علوم ما بعد الحداثة الا اننا يمكنا سرد الخصائص التي تشترك فيها تلك العلوم.

        تعدد الرؤى الصحيحة اذا اخذنا في اعتبارنا السياق الزماني والمكانس (نظرية النسبية الخاصة)

        تآكل مفهوم الموضوعية المطلقة، او الفصل التام بين الذات المشَاهِدة والموضوع المشَاهَد.

        تبني “رؤية عملياتية” Process View للمنظومات فتهتم بأحوالها وهي في حالة الغليان والفوران والتغير والتبدل، أي بأحوالها وهي “بعيدة عن وضع الاتزان (أو الاستقرار)”.

        تبنيها المقاربات “متداخلة التخصصات” Interdisciplinary Approach، التي تقوم على تبادل مناهج البحث والأفكار بين النظم العلمية المختلفة، والـ “متعددة التخصصات” Multidisciplinary التي تقوم على استخدام نطم علمية مختلفة لدراسة ظاهرة بعينها، و”العابرة للتخصصات” Transdisciplinary بما تتضمنه من تكامل بين النظم العلمية المختلفة.

        نظرة تأخذ في اعتبارها خاصية “اللاخطية” Nonlinear التي تميز العلاقات بين مكونات المنظومات فالمعقدة وتسفر عن تنوع وثراء في السلوك. العلاقة اللاخطية هي العلاقة التي تتميز بعدم تناسب السبب مع النتيجة. فعلى سبيل المثال عدم تناسب الزيادة في المرتبات مع الزيادة في أ سعار المواد الغذائية.

        الاعتراف بأهمية الدور الذي تلعبها الفوضى في حياة المنظومات. فوجود أى منظومة وقدرتها على الحفاظ على هذا الوجود يتطلب مزيجا متوازنا من “النظام” و”الفوضى”. فوجود “النظام” يسمح لها بالدوام والإستمرارية عبر مايوفره من بنى وترتيبات ويمكنها أيضا من التنبؤ بأحولها المستقبلية بدقة معقولة عبر ما ينطوى عليه من قواعد وقوانين. أما وجود “الفوضى” فهو أمر ضرورى لكلا من عمليتى التكيف والتطور اللازمتان للحفاظ على وجود المنظومة وذلك بوصفه القوة المحركة لإنتاج الجديد بما ينطوى عليه من خروج عن المألوف وبتحديه للمستقر وبتجاوزه للقواعد. كما يهيئ غياب القدرة على التنبؤ الدقيق بسلوك المنظومة المستقبلى يهيئها للتعامل مع ماقد يحمله المستقبل من مفاجآت غير محسوبة.

ونختم هذا العرض السريع لخصائص علوم ما بعد الحداثة وللأسس التي تقوم عليها لنتساءل عن مدى تأثيرها على الشأن العام. والاجابة ان لها تاثير على من يطالعون ليفهمو ثم يستعلمون. فعلى سبيل المثال نجد السيبرنيطيقيا وقد كشفت لنا عن جوانب جديدة لمغزى كل من مفهومي “الحرية” و”الديمقراطية”، أيا كانت أشكالها وأيا كانت مستويات فعلهما. إذ بقدر قدرته ما يحوزه مجتمع ما من تنوع في الأفكار وتعدد في الرؤى، وبقدر قدرته على إنتاج التنوع اللازم بقدر ما تكون فعالية مكوناته، أفرادا ومؤسسات، وتكون قدرتهم على مواكبة مستجدات الواقع والتكيف معها، بقدر ما تتعدد أمامه الخيارات فتكون قدرته على الحركة المستقلة وتكون قدرته على سداد الاختيار …. فهكذا قد حدثتنا السيبرنيطيقيا…!…

وللحديث بقية

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Science جامعة تحوت, د. السيد نصر الدين السيد and tagged , , , . Bookmark the permalink.