البدو والدراما التركية وأشياء أخرى

البدو مجموعة بشرية تعيش في منطقة معزولة عن العالم المتحضر،وحتى أن وجدوا في وسط متمدن فستظل العقلية البدائية تسيطر على تصرفاتهم  واهوائهم فغالبا مايميل هؤلاء القوم للعنف والتوحشوالفتك مثل ما أورد ذلك ابن خلدون في مقدمته بقوله ” البدو “أهل غلظة وبؤس”،يفترض ان يكون هذا في مرحلة ما من التاريخ البشري، إذ كانت البداوة ميزة للتفوق الذاتي والجدية والفناء في العمل مهما كانت الظروف، إلا أنها أصبحت الآن عنوانا للتخلف بل ثقافة موازية لثقافة العصر الحديث التيتعطي الأسبقية للعقل والعلم بدل التراهات واجترار نفايات الماضي المظلم..

ان البدو اليوم هم من يرفضون الآخر، وهم سبب رئيسي فيكل هذا القتل والقبح والتخندق المجتمعي، لأنهم يحملون لواء الأخلاق،  وكأن غيرهم بلا أخلاق،  وينظرون للأمور من زاوية ضيقة جدا، تجعلهم متعصبون،ويحتكرون الحقيقة، ولايكتفون بذلك فقط بل هم مزودون أحيانا بذخائر فكرية وخناجر مجتمعية،  وقنابل سريعة الانفجار ، كل هذه الأسلحة الجاهزةهي دعامة ونموذجا للتعددية والفكر الديمقراطي الذي لايفتأ هؤلاء المتأرجحون بالمحاضرةعنه وإعطاء الدروس في الإنسانية والرؤية المحايدة كل ماسمحت لهم المواقف…

ان حرارة الصحراء وصعوبة الحياة تنعكس بشدة على أصحابها، فيصل الفكر الهمجي درجة الغليان فتتطاير أعمدة النيران لتحرق كل شيئ، ان البرودة الشديدةللتيارات الحداثية قد تشكل عائقا أمام أي معالجة نقدية وفي ظل  كل هذا الحصار النفسي والحضاري المفروض على الفكرالحر، يجب أن نعي جيدا ان البداوة ليست هي المشكلة بل الكارثة في الفكر البدوي المحصنبالوهم، ومن أجل النهوض يجب أولا إسعاف المجتمع بإخراجه من جحيم البداوة إلى متسع الحضارة،وذلك يكون بوضع برامج عقلانية تحث على الجد ودعم النمو الاقتصادي والتطور العلمي وكلهذا ينطلق من الحقل التربوي الذي هو الواجهة الحقيقة لكل مجتمع.

لقد صعدت الدراما التركية بشكل ملفت على عدة مستويات،ولم يكن الهدف منها فقط وضع لبنة جديدة في المجال الفني بل محاولة لإغتيال الحس الحضاريلدى مجتمعات أخرى،  فمنذ عقد من الزمن تقريبالفت انتباهي إنجذاب اغلبية ساحقة من المجتمع الموريتاني للمسلسلات التركية وتأثروابها لدرجة بالغة، فترى مثلا إحداهن تتمنى أن تكون جميلة مثل الممثلة التركية”نور” وهو مجنون لأنه ليس شجاع مثل تهور “مراد”،  وظل هذا المد التسلسلي متواصل بشكل مخيف، إلى أنسمعنا بقصص غريبة جدا، مثل أن إحداهن باعت كل ماتملك من أجل أن تطأ قدميها اسطنبولكي تلتقي بالنجم العثماني “مهند” الذي قتل بل جرح بل عذب الملايين من النساءالموريتانيات اللواتي لايعرفن غير الرمال وشرب لبن الناقة أو إعداد طبخة تقليدية..

ان الإفراط في المثالية قد تسبب في شلل نصفي أو كلي للعقل البشري، لهذا كل شيئ نسبي  ولاداعي لأن  نصف أحدهم بأنه شبح أو بطل خارق للعادة لمجرد ظهورهبزي جديد أو ماكياج مزيف، أن العملية الفنية يجب أن تهتم باللب أي أن تكون لديها رسائلمعبرة وقوية تعمل على فتح الآفاق ووضع بذور جديدة للمعرفة والنمط العلمي وهذا ما افتقدتهأغلب الأطروحات العثمانية في حلتها الجديدة ولهذا هي سلعة رديئة جدا..

لم يكتفي الأتراك بهوسهم في نشر الغباء المغلف بلباسعصري، هم كانوا أذكياء جدا، في جس نبض الشعوب المتخلفة،  فجائتهم إشارة القبول بشكل تلقائي فعمدوا لمواصلةمسلسل الزحف لكن هذه المرة بشكل رسمي،وبرعاية من المرشد واب الاخونجية رئيس العمل الإسلاميالزعيم العثماني “أردوغان”، الذي خاطب هذه الشعوب انه حامي الدين وأنه مدافععن القيم وأنه مناصر لحق فلسطين وغيرها من التصريحات المعلبة، والمغيبين من شعوبنايصدقون هذا المحتال والمنافق، الذي يحكم دولة علمانية،  لايستطيع ان يتنفس فيها إلا وفقا للدستور التركيالعلماني الذي وضعه مصطفى كمال آتاتورك مؤسس تركيا الحديثة

انها الازدواجية المقننة والتي تعري الفكر الجامد الذييحمله هذا الرجل ومشروعه المدمر،  لقد زرع بؤراخفية في كل دولة ينشط فيها تنظيم الإخوان المجرمين،  ومدهم بالدعم المالي المغري بغية التأثير على تلكالشعوب النامية والتي مازالت في طور التأهيل والتدريب من أجل بلوغ الحد الأدنى من النموالاقتصادي والسير نحو الحركة الصناعية..

لم تكن تلك الأموال من أجل مساعدة الإنسان أو ري الأرضبل من أجل القتل وتلويث البيئة بالدم ونشر ثقافة الشنق والإغتيال والإغتصاب، بإختصارهي ارساء للنهج البدائي والحلم بعودة عصر المجازر والسبي والتمثيل بالجثث..

لقد شيد هذا المعتوه جبهات للقتال وعمل على انتداب دعاةالتكفير والفتنة من أجل بث سمومهم بشكل لائق في نواة المجتمع،  عن طريق ترغيب الشباب في الجهاد وقتل الآخر بدمبارد من منطلق آيديولوجي،  وتم تكاثر الجماعاتالمتطرفة في الفترة الاردوغانية لأنها تمثل صدر التاريخ الأخونجي الحديث، المليئ بالأفكارالمتطرفة والتي  تعد الركيزة الأولى لإقصاءالآخر لمجرد تباين فكري أو سياسي..

فمحاولة تخريب تونس ليست ببعيدة  حين، قاموا بمفاوضات سرية مع بعض القيادات المقاتلة والتي تتألف من فيالق متحالفة مع شيوخ الغباء والدجل في الداخل،  فتمت الصفقة ببيع أرواح بعض الشباب الذي تم التغريربهم لأنهم يفتقدون سلاح الوعي والنتيجة الالتحاق بمعسكرات داعش والتفنن في كيفية ذبح وتقطيع الأبرياء، طمعا في الجواري…

والحصيلة النهائية هي ارتفاع معدل التفجيرات والعمليات الانتحارية في تونس وتقلص عدد السواح وتراجع الاقتصاد التونسي، إذا هي محاولة لضربمعقل التنوير والفكر الحداثي،  لكنها بائت بالفشللأن المقاومة الفكرية هي أقوى رد ضد أي تحرك مشبوه،  وموجه ضد المكتسبات التونسية في مجال الحريات وحقوقالإنسان،  ولم يقتصروا على تونس فقط فهم ضالعونفي قتل الشعب الليبي وتدمير أرضه،  وكذلك ماحدثفي سوريا هو من انتاج المخرج أردوغان داعم المتطرفين وحامي الإخونجية، وحرب اليمن هممتخندقون فيها،  رغم أن تلك أيضا بها استراتيجياتللتوسع الوهابي،  إلا أني لا اجد فرقا واسعابين التنظيمين فكل منهم يسعى لهدف واحد وهو السلطة من أجل القتل وإقصاء غيره،  حتى أن تظاهروا بالوسطية المزيفة فهم مجرمون ونازيونحتى النخاع..

وفي الآونة الأخيرة راجت تجارة وصناعة من انتاج الأتراككالدجاج والأثاث والملابس،  وصدرت فتاوى فيموريتانيا تفيد بأن الدجاج التركي حلال وهو الذي قد يضمن لآكله الخير مثل ماكان يروجالمشعوذ عمرو خالد في برنامجه الشهير “دجاج الوطنية”…

ان إنعاش الاقتصاد التركي لايمكن إلا إذا تم حشوه بعناوينتطفوا على السطح وتحمل في دلالتها رمزا للخلافة، وان كانت مجرد مفاهيم صورية تحدث نشوة لدى الشعوب الغوغائية، أن ثقافة التناقضهي المحرك الوحيد لنهج المرشد فهو يعلم جيدا كيف يتصرف اذ ينافق  كي يرضي للأطراف التي تطبل له، بينما يطأطأ رأسهتجاه القوى الكبرى التي تحكم العالم اقتصاديا وتكنولوجيا، فمثلا يتشدق بأن إسرائيلدولة قمعية وحكامها مجرمون وتجب محاربتهم، بينما يعرض الاتفاقيات سرا بينها وتربطهبها علاقات وطيدة، كان آخرها افتتاح مشروع اقتصادي مهم بين البلدين، ينظر للإنسانيةوحق الأقليات،  بينما يشن حربا طاحنة ضد الأكرادوينكل بهم ويسجن ويعذب قياداتهم ويحرمهم من أبسط حقوقهم،  يتحدث للقطعان التقليدية التي تأيد سياسته الملوثةبأن تطبيق الدين هو الحل وأنه يحكم بالشريعة فيما اسطنبول أكبر المدن التركية احتضنتمظاهرة مليونية داعمة للمثليين، والذين هم موجودون في تركيا، وتشدق أنصاره الأغبياءبعبارات وسخة تجاه النظام التونسي لأن تونس أعلنت المساواة بين الجنسين، فيما الدستورالتركي يساوي بين الجنسين في كل شيئ،  يصيحبأن الدين واحد وهو في دولة متعددة الأديان والثقافات،  والقائمة تطول وفي كل مرة يدفن هؤلاء القطعان رؤوسهمفي الرمال حين يضربون بفقعات الواقع الصلب..

سيقول لك الإخونجي بأن أردوغان صنع نهضة لامثيل لها وأنهطار للفضاء وجلب الكواكب ورجع وقام بما لم يقم به أي رئيس في العالم، أولا تركيا كانتموجودة قبل وجود هذا الشخص ولم تكن ضعيفة جدا، وحتى بعد أن صار هو عمدة لأسطنبول كانتتركيا قد بدأت نهضتها بشكل جيد،، والفضل في تقدم تركيا يعود لنهجها العلماني ودستورهاالمدني الديمقراطي، الذي تعد فيه المواطنة هي الأساس، ولاننكر انه قام بإصلاحات مهمةوفي زمنه أصبح اسم تركيا أكثر تداولا هذا شيئ واقعي جدا، لكن هذا ليس منة أو هدية للشعبالتركي هذا حق الشعب التركي وان لم يعمل بجدية ستتم ازالته بكل بساطة اذا بعيدا عنالمفاهيم البلاستيكية، علينا أن نكون نقديين أكثر من أن نخضع لأي منطق ارتجالي غامق…

لكن كان يمكن أن يجد هذا الإخونجي لنفسه طريقة كي يلمعبها نفسه غير نشر الخراب وتمويل الإرهاب في الدول الأخرى، لأن الماكينات الإعلاميةلديه تصب الزيت على النار وتبدع في صنع القرار من محض الخيال،  ولعل قطر هي الصورة المصغرة عن تركيا المعربية التي  لاتتقن سوى نشر الحقد والكراهية والترويج للمقاومةالوهمية أن هذه المحطة تمتلك رصيد لاينفد من الخرافة وصناعة الحقيقة من الخزعبلات ومزجالغيوم بالرمال ووضع الكتلة الجليدية في عبوة ساخنة ورميها على شكل قوس قزح ورصده علىأنه خبر عاجل ومؤكد..

وابسط دليل على أن الاقتصاد التركي ليس نموذجا يحتذىبه، أنه منذ أشهر نشر الرئيس الآمريكي تغريدة له على موقع تويتر وتسبب ذلك في هبوطقيمة الليرة التركية وهو ماشكل خوفا لدى النظام التركي المنهار نفسيا ودبلوماسيا، وبعدأن دخلت الوساطة من جهات مؤثرة تمت المفاوضات على حزمة من المواثيق تم من خلالها تركيعهرم السلطة في تركيا لشروط القوى الكبرى ليجد المرشد نفسه لاشيئ أمام الدول المتقدمة..

منذ سنوات رجعت للوطن في عطلة قصيرة جدا، لكني تفاجئتمن صعود الدراما الهندية بشكل مستفحل حيث لايكاد يخلوا بيت موريتاني منها،  طبعا هنا لا أعني الأفلام الهندية لأن تلك كانتموجودة منذ زمن بعيد،  لكن ما أعنيه المسلسلاتالهندية المدبلجة باللهجة السورية أو لغة أهل الشام حيث يعكف الجميع تقريبا على مشاهدةهذه المواد الثانوية بكل تفاصيلها واثرت بشكل غريب على حياة الناس وخاصة الفتيات،  هذا دون أن ننسى أن الدراما التركية بشقها الفنيظلت موجودة لكن تم تغلب الفكر الهندوسي على الفكر العثماني حسب عدد المؤيدين في الوسطالرمالي، ويرجع ذلك إلى أن العقل الجمعي الموريتاني يتصور أن الهنود أكثر حشمة وتقاليدهمتقرب نوعا ما للبيئة الموريتانية التي يطغى عليها الزي الموحد والفكر الأحادي،  وتم مزج كل هذه المؤثرات الصوتية في قفص من حديدوتم تحويلها إلى واقع جزئي، فظلت الفتاة عندنا غالبا ترصد ألوان الفساتين وطريقة المكياجالهندي ولون الشعر التركي،  وانطلقت نسبة معينةمن الفتيات من ذلك الحيز لفرض تصورهم الجديد تجاه الجمال رغم ضعف الامكانيات وانعدامالرصيد المعرفي، فبدل الانصياع للواقع المعاصر والاتجاه نحو الدراسة التي هي البوصلةنحو التميز والسعادة الذاتية،  تم تقليب الوجهإلى ثقافة الشكل وفن القشور،  ونميز هنا نوعينمن التخبط..

التخبط بشكل فردي أي أن الفتاة تعرف جيدا أنها ضغيفةماديا ولم تدرس وبالتالي لن تتوظف بشكل لائق ولهذا ستمتهن ظاهرة جديدة يطلق عليها”التسدار” وطبعا نفس الفكرة تنطلق على الرجل الموريتاني فهو أيضا مهووس ومكبوتوغالبا لايكتفي بزوجته بل يخونها مع أخرى تحت مسمى “التسدار” وكما اسلفتهذا المصطلح يطلقه الموريتانيون على العلاقات الآنية أو الغير رسمية فمثلا عندما تكلمكإحداهن بأن تذهب معها في نزهة بالسيارة وتشتري لها بعض الحلوى أو تجلسون في مطعم راقيأو تتقابلون في فندق من أجل التعارف بشكل ملموس فهذا يسمى “تسدار”، واحياناالرجل والمرأة قد يملك كل منهم عدة زبائن لعرض بضاعته، قد تستمر تلك العلاقة السطحيةالمبنية على الرغبات الآنية وقد تنتهي في نفس اليوم فهي تريد المال والمكان والمعاشالمؤقت وهو يريد أن يفرغ شهوته بأي طريقة وهكذا ينتهي الأثنان من ترتيب جولتهم المميزةعلى الطريقة الهندوتركية ليرجعوا للمجتمع التقليدي فيظل يصيح كل منهم عن الأخلاق وأهميةاحترام الزوج لزوجته وان الحلال أفضل وان الحرام هو السبب في جحيم المجتمع، وأنه علىالمرأة أن تتزوج كي تبرأ ساحتها من العنوسة المادية، ليتضح لكم عمق النفاق ودرجته،التخفي في لباس الفضيلة كي يرضى عنهم المجتمع في ماهم عكس ذلك، وهل هناك قبح يعادلان تخسر ذاتك، يمكنك ان تعيش كما تحب وان تفعل ماتريد هذا حقك، لكن دعك من التدين السطحيومحاولة الترفع والاستعلاء على الآخرين بالأمجاد الوهمية والشعارات الجوفاء، لأن المريضغالبا لايشعر بمرضه خاصة ان كانت الاعراض كامنة، وغير واردة، للعيان، انه الأنفصامالمزمن،رغم أن ظاهرة التسدار كانت موجودة قبل انقسام الخلية الهندوتركية وتطورها الىجسم ذاتي في هذه الأرض الجدباء،  إلا أن هذهالخلية كان له دور فعال في ذلك..

التخبط الكلي وهو أن المجتمع تقريبا نساء ورجال أصبحيرى أن تلك الشعوب هي الأفضل لمجرد مسرحيات وقصص خيالية لم تنتج وعيا أو طفرة صناعيةأو علمية،  فزاد خراب البيوت وانتشرت معدلاتالطلاق والجريمة وتنامى مؤشر الكسل وظهرت التأثيرات الجانبية للإحتباس الحضاري،  وتنامت الأمراض الاجتماعية، وتغيرت أنظمة المناخالاجتماعي من البساطة إلى رفع أسعار الذهب والفضة والمهور وبذلك زادت تذكرة قطار الزواجعدة مرات وأصبح المتزوج يحتاج أن يملك ثروة كبيرة ومن هنا تمت تعزية الحب والترحم عليهلأنه لم يعد هو المعيار فكل شيئ اليوم في موريتانيا ينظر لسعره الرقمي وليس فائدتهأو قيمته المعنوية، فمتى تستيقظ شعوبنا وتحكم عقولها كي تفهم معنى الفطرة الإنسانية!! إن فعلت ذلك فقط يمكن ان تلتحق بركب الحضارة، لكنه سؤال ينتظر إجابة مقنعة منذ عدة قرون.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in حبيب محمد and tagged , , , . Bookmark the permalink.