السترات الصفراء فى فرنسا..ثورة أو ثورة مضادة؟


يذكر أنه أثناء الثورة الفرنسية الكبرى 1789 حتى 1799 أن أشارت سيدة عجوز لجماهير المتظاهرين الى مبنى الباستيل وصاحت: الى هناك، وهكذا توجّه الثوار الى ذلك السجن اللعين للإستيلاء عليه وتحطيمه إيذاناببدإ الثورة، وهذه المرّة أيضا نشرت سيدة فرنسية تدعى “جاكلين” على حسابهافى الفيسبوك فى 18 إكتوبر شريطا قصيرا تعبّر فيه عن رفضها لسياسات الاقتصادية التيأقرها الرئيس الفرنسي مع الميزانية الجديدة لسنة 2019، وانه ستكون تلك الزيادات فيأسعار البنزين والضرائب بما لا تتحملها القدرة الشرائية للمواطن الفرنسي “حسبرأيها” ومن هنا بدات الاحتجاجات حيث لقي هذا الفيديو انتشارا كبيرا لدى العمالوالفئات المتوسطة الفرنسية محدثا صدى كبيرا للتعبير عن الرفض لهذه السياسات.

الى جانب ارتفاع أسعار الوقودوخاصة البنزين بنسبة 3.9 سنت في اللتر الواحد “في إطار ضريبة لخفض انبعاث الكربونوتدعيما للبيئة حسب تصريح الرسمي للحكومة الفرنسية” لكنه في المقابل يعتبر زيادةلأعباء المواطن الفرنسي والذي يستخدم في الغالب إما سيارته للعمل أو وسائل النقل العموميالتي ستتأثر بشكل أساسي برفع قيمة التذاكر في هذه الوسائل، بالإضافة الى ذلك فقد تمخفض الضريبة على الأثرياء أو ما تعرف بضريبة الثروة، كذلك فقد تقرر خفض الميزانية الموجهةإلى التعليم والرعاية الاجتماعية وهذا بطبيعة الحال يزيد من غلاء المعيشة في ظل هذهالسياسات خصوصا على الفئات الأكثر إحتياجا (الفقراء).

لقد أدت هذه الأسباب مجتمعةالى إستجابة قطاع عريض من الشارع الفرنسى للدعوات التحريضية على وسائط التواصل الإجتماعى للإحتجاج على شكل ما شاهدناه وما نتوقعه من تلك الموجات المتتالية، هذه الاحتجاجاتلم تنطلق من الضواحي الباريسية كما هو معتاد بل من وسط باريس وقلبها النابض كما جاءتهذه الاحتجاجات في سياق غير منظم بمعني لم تتبنى أي حركة نقابية مطالب هذه المجموعاتكما هو معتاد بل جاءت في شكل عفوي بعد التفاعل والاتفاق عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

لقد أدت السياسات الإقتصادية لماكرون والمتمثلة فى دعمه للصناعيين والرأسماليين ومزيد ممن تخفيف الأعبباء عنهم لتشجيعهم على الدفع بمزيد من الإستثمارات الى السوق لتنمية الإقتصاد وإيجاد مزيد من فرص العمل،ولكن هذه السياسة تؤدى فى الحقيقة الى زيادة العبإ على الفقراء، لقد مثلت حركة «الستراتالصفراء» مستوى جديداً من الانفصال المتزايد بين حركات الاحتجاج الاجتماعية للطبقات الوسطى ومحدودة الدخل والفقيرة من جانب والفئات الحاكمة والأحزاب السياسية والمؤسسات البيرقراطية من جانب آخر، فإن الطلاق بينها وبين السياسة بصفة عامة ظل يترسخ يوماًبعد يوم، وهذه ظاهرة لم تنبثق من العدم، بل هي متأصلة اجتماعياً كما أقر رئيس الوزراءالفرنسي، وهي ثمرة خيارات فلسفة الليبرالية الجديدة المتوحشة التي اعتمدها ماكرون منذانتخابه.

السمة الرئيسية لهذه الاضطرابات،والقوة الدافعة التي هي “السترات الصفراء”، هى حقيقة فلا أحد يبدو من وراءها،لا تلزم قوة سياسية واحدة نفسها بما يحدث، من الواضح أن الأحزاب عموما (ما عدا أقصى اليمين واليسار منها) لم تعلن وقوفها وراء الحركة، كذلك النقابات العمالية والمنظماتالعامة المختلفة فضلاً عن جمعية المزارعين (التي تكون فيها الزيادة في الأسعار لمحرك الديزل مؤلمة للغاية،) لم تعلن بوضوح “حتى الآن” تبنيها لحركة السترات الصفراء،ولكن التأييد عادةً ما يأتي دعماً للأشخاص الذين يخرجون إلى الشوارع، ويبدو أن إنضمام تلاميذ المدارس “احتجاجا على اصلاح النظام التعليمى” الحديثى السن الى تلك الأنواع من الإحتجاجات العنيفة سيضيف وقودا جديدا مشتعلا اليها.

لكن هل يمكن مقارنة ما يحدثفى فرنسا الآن وبين إنتفاضة الطلاب اليسارية فى 1968، أعتقد أن لا شبه من المقارنةسوى أن الأزمة فى الحالين بدأت لأسباب إجتماعية ثم تحولت الى العنف، فى تقديرى أن ماتركته لنا انتفاضة 68 من أدبيات ملهمة لثورات الشباب وقتئذ فى جميع أنحاء العالم لمتتكرر الى الآن، ربما أدت الى إستقالة الجنرال ديجول لكنها لم تكتمل الى ثورة.

لا يوحى رد فعل للسلطة الفرنسية حتى الآن فى إنتهاء تلك الموجة من الإحتجاجات قريبا، فالسلطة تعتمد على عدم عقلانية الحركة وإعتمادها على درجة عالية من العنف الغير مبرر بما يؤدى بالضرورة الى فقدان الجماهير لتأييدها، وأيضا فى الجانب الآخر فإن غياب القيادة وعدم الوضوح والتشدد والعنف الشديدلا يوحى بامكانية وجود حل قريب للأزمة.

ما يحصل اليوم في أوروبا أقرب مايكون إلى إنذار عملي شديد اللهجة (إنذاراً للتوقف وباللون الأصفر)، إن الخطورة الحقيقية فى تقديرى تكمن مع إطلاق اليمين المتطرف فى القارة العجوز لدعوات تتعلق بحماية الهوية الأوروبية من الهجرة والإسلاموفوبيا، والتي من الممكن العمل لتحويلها إلى اشتباك أهلي مسلح في الداخل الأوروبي، يبدأ من تحركات السترات الصفراء، التى لا توحى بالطمأنينة حتى الآن.

الفوضى و الاحتجاجات لن تقف على أعتاب فرنسا، بل ستجتاح العديد من الدول الأوروبية فى الفترة المقبلة، الستراتالصفراء إعلانا عن بدء مرحلة جديدة قد تغير معالم أوروبا كلها فها هى تنتقل بسرعة الىبلجيكا ولن يمضى وقت طويل حتى تظهر صواعقها فى إيطاليا وإسبانيا، الملايين من الشبابالمهمشين الفقراء فى القارة العجوز عرف كيف يصرخ وكيف يخيف حكوماته ويقايض على حقوقهوواجباته، العقد الاجتماعى فى دولة “جان جاك رسو” ينفك وينفلت وتدخل طبقاتوفئات جديدة فى الموازنات السياسية، فقراء وبسطاء أوروبا يفرضون دورهم فى الحساباتالسياسية بعد أن أرهقهم الجرى وراء لقمة العيش والحصول على فتات الرأسماليين ودفع نصفدخلهم فى الضرائب والطاقة، الخدمات الطبية والتعليمية المجانية لم تعد تكفيهم ومعونةالبطالة والإعالة سحقها الغلاء ورواتب العمال وصغار الموظفين لا تكفى إلا لحياة صعبة،فحولهم صخب استهلاكى متضخم واعلانات متكررة عن نمط حياة لا يحلمون به، كل ذلك قد ينجح فى تحويلهم الى وحوش صغيرة تنهش فى الجميع، ولكنه لا يحولهم لثوار.

إن المجتمع الفرنسى يهتز منالداخل وينقسم بين إحساسه بالمسؤولية تجاه الطبقات الفقيرة المهمشة وبين إحساسه بالقلق من انتشار العنف فجأة واستغلال الأوضاع لصالح المجرمين والبلطجية، خاصة أن الظهور الأول للحركة فى بروكسيل ببلجيكا اتسم بالعنف والدموية، أن العنف الذى شهدته حركة السترات الصفراء سوف يكون حجر الزاوية فى تحريك الأحداث القادمة، فأما أن تتحد قيادات الحركةبسرعة وتسيطر على الأوضاع وتضع مطالب وأهدافا محددة، وأما أن تتحول السلمية إلى دموية ويستغلها المهمشون والناقمون والمتآمرون فى الإخلال بالأمن ونهب الممتلكات وإرهاب المواطنين،وهنا سوف تفقد المساندة الشعبية وتعاطف الأغلبية، وتتحول لبذرة شر لا كما بدأت شعاع أمل.

السلام عليكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in International Affairs شؤون دولية, د.رياض محرم and tagged , , , . Bookmark the permalink.