بين الشيخ والرئيس

 د.رياض حسن محرم  

نختلف بشدة مع معظم توجهات النظام الذى يرأسه بل يشكله الجنرال “عبد الفتاح السيسى”، خاصة فى السياسة الداخلية والخارجية التى تكشف مدى إنحيازه لقوى الرجعية اليمينية وخاصة خنوعه الى المملكة الوهابية، كذلك برنامجه الإقتصادى لإنحيازه السافر للأغنياء وللبرجوازية المحلية وصندوق النقد الدولى على حساب الطبقات الكادحة والفقراء، رغم ذلك لا أخفى تأييدى له فى موقفين، الأول هو صلابته وموقفه الثابت من تلك الجماعة الإرهابية “الإخوان المسلمين” ورفضه الثابت لأى تنازل أو مصالحة أو حتى حوار معهم، الموقف الثانى هو إصراره الدائم على تجديد وعصرنة الخطاب الدينى، رغم علمه أن هذا الموقف يسبب تآكل من قبوله بين الجماهير بشكل عام، يقول البعض أن وراء ذلك أسباب مشبوهه تتمثل فى كونها محاولة لإسترضاء الغرب أو تفسيرها على أنها جزء من الصراع الطبقى لصالح الشريحة العسكرية من الطبقة الرأسمالية، وبغض النظر عن هذا أو ذاك ولكنها فى النهاية مواقف تستحق التأييد من وجهة نظرى.

لعل ما نبهنى لكتابة هذا الموضوع هو ذلك الجدال الذى ثار بين الشيخ “أحمد الطيب” شيخ الأزهر وبين الرئيس السيسى خلال حضورهما الإحتفال بالمولد النبوى فى التاسع عشر من شهر نوفمبر 2018 ، حيث إنبرى الشيخ الطيب للدفاع المجيد عن السنّة والأحاديث النبوية التى تم جمها فى القرنيين الثانى والثالث الهجرى، وأحال شيخ الأزهر فى سياق دفاعه عن سنة الرسول وعلوم الحديث ــ إلى «المستشرق الألمانى» ألويس شبرنجر. مؤكدا على دقة علوم الحديث خاصة علم الإسناد أو علم الرجال الذى يتتبع تاريخيا رواة الأحاديث النبوية، وقد استشهد الدكتور الطيب بشبرنجر قائلا: “وقد شهد بذلك الأفذاذ من علماء أوروبا ممن توفروا على دراسة السنة النبوية، حتى قال المستشرق الألمانى ألويس شبرنجر إن الدنيا كلها لم تر ولن ترى أمة مثل المسلمين، فقد درس بفضل علم الرجال الذى صمموه حياة نصف مليون رجل”، ولكن للأسف فقد أخطأ الشيخ حين أطلق هذا الكلام فى مبالغة غير منضبطة وإحالة تفتقد الدقة، فبغض النظر أن هذا المستشرق كان نمسويا وليس ألمانيا كما ذكر، لكن المصيبة أنه كان موظفا فى “شركة الهند الشرقية” الإنجليزية ذات الطابع الإستعمارى، وهو أبعد من يمكن الإستشهاد بهم على مرجعية الحديث النبوى وله كتابا شهيران فى هذا المجال وهما: «حياة محمد من مصادر أولية» و«محمد والقرآن»، ومعظم ما يشملانه فى الحقيقة هو هجوم عنيف بألفاظ خارجة على الوحى والرسالة والرسول، ولا أذكر فى كتابات الرجل ما أشار اليه الشيخ الطيب “الاّ أن يكون فى سياق مغاير.

لعل المستغرب فى حديث الشيخ هو تنصيب الغرب كمرجعية عليا واجبة الاستدعاء من قبل شعوب «الشرق» عندما تتجادل فى أمور دينها وعلاقته بدنياها، بالرغم من وجود أعلام ومرجعيات فى بلادنا مشهود لها عالميا، لكن “عقدة الخواجة” تطال حتى مقدساتنا الدينية وكأن الأجنبى مرجع لا يأتيه الباطل أو أن زامر الحى لا يطرب، والإحالة إلى دراسات المستشرقين الغربيين عن الدين الإسلامى وسيرة الرسول وسنته وأحاديثه وتأويلها على هذا النحو أو ذاك ثم توظيفها للتدليل على صحة رؤية معينة لأمر من أمور الدين أو لدحضها. فالاستشهاد والاستشهاد المضاد والإحالات، فأى نقص ودونية أكثر من ذلك.

لقد هاجم شيخ الأزهر ما وصفها بـ”الصيحات التي دأبت على التشكيك في قيمة السنة النبوية وفي ثبوتها وحجيتها والطعن في رواتها”، كما هاجم الدعوات “المطالبة باستبعاد السنة جملة وتفصيلا من دائرة التشريع والأحكام والاعتماد على القرآن الكريم فحسب “.واستخدم الشيخ أسلوبا لاذعا ساخرا عندما عرض قصة أحد منكري السنة الذي سئل عن كيفية إقامة الصلاة طالما أن القرآن لم يأت على تفصيل ذلك، فقال إن “كيفية أداء الصلاة أمر متروك لرئيس الدولة ويحدده بمشورة مستشاريه حسب الزمان والمكان”.

واختتم شيخ الأزهر كلمته بقوله: أتساءل تساؤل تعجب ودهشة بالغة، من أنبأ هذا النبي الكريم بأن ناسا ممن ينتسبون إليه سيخرجون بعد أكثر من 13 قرنا من الزمان، ينادون باستبعاد سنته والاكتفاء عنها بالقرآن ليحذرنا من صنيعهم قبل أن يخلقوا بقرون عدة، وذلك في حديث صحيح “يوشك رجل منكم متكئا على أريكته يحدث بحديث عني فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه”، وفى ذلك كما يقولون “تلقيح كلام” ليس على هؤلاء الذين يطالبون بتنقية التراث ك(إسلام بحيرى) ولكن من المفهوم أنه يقصد الراس الكبيرة، وأردف مولانا “في هذا الاتجاه سار هؤلاء المقربون من أجهزة الاستعمار، فأنكروا آيات الجهاد وأفتوا بحرمة التصدي للمستعمرين، وأنكروا كل ما تنكره الثقافة الغربية، ولو كان دينا وأثبتوا ما تثبته حتى لو جاء صادما للإسلام وإجماع المسلمين”، وهو هنا يتبنى أفكارا وهابية ممهورة بخاتم بن باز، وأضاف قائلا ” ثم ما لبثت الفتنة أن انتقلت إلى مصر، وتعصب لها طبيب بسجن طرة نشـر مقالتين في مجلة المنار عام 1906بعنوان: «الإسلام هو القرآن وحده» ولقيت الفكرة دعما من بعض الكتاب المتربصين بالسنة النبوية، والمنكرين ثبوتها” وأعتقد أنه يقصد الدكتور “أحمد صبحى منصور” الذى طاف جميع قرى الصعيد مناهضا للفكر التكفيرى فى ثمانيات وتسعينات القرن الماضى”، ثم ما لبث أن إختلف مع مبارك حول الديموقراطية فأدخل السجن.

الأغرب حقا هو ما حدث عقب تلك المجادلة أن أسرع الشيخ الطيب بالتوجه الى قريته بالأقصر، وجاء الخبر من هناك سريعا فى صدارة ” المصرى اليوم” حيث نقلت المصرى بأن “الآلاف يعلنون دعم شيخ الأزهر فى ساحة الطيب بالأقصر»، وأن اللجنة الشعبية لدعم ومناصرة القضايا الوطنية، وحزب الشعب الجمهورى واللجنة العامة لحزب الوفد بمحافظة الأقصر دعت كلها لعقد اجتماع مشترك للأحزاب والقبائل، ومختلف القوى الشعبية والوطنية لبحث تداعيات الهجوم على شيخ الأزهر وسبل الرد عليه”، وما نقلته الجريدة عن “إمام الحباشى سلامة”، الناشط بائتلاف قبائل الصعيد، “إن قبائل الصعيد تطالب بوقف الهجمة التى يتعرض لها الأزهر والحملة الممنهجة التى تستهدف السُّنة المُطهَّرة” ، ولم يكن هناك جديد فى موضوع الهجوم على الطيب الاّ ما حدث فى موقعة المولد النبوى، اللهم الا إذا إعتبرنا أن عتاب السيسى لشيخ الأزهر “فى وقت سابق”بمناسبة رفض الأزهر لإقتراح الرئيس بعدم إقرار الطلاق الشفهى، حيث إعتبرها بعض الأزهريين مناسبة للتحريض ضد تدخل الرئيس فى المسائل الدينية حيث يعتبر الأزهر بموجب دستور 2014 هو المهيمن على تفسير الدين فى مصر، وقد مدّ الأزهر تلك الصلاحية لتشمل جميع الدول الإسلامية معتبرا أى مساس بنظام المواريث هو (والعياذ بالله) شرك والحاد.

ولعل الشيخ ومريديه يعتبرون محاولة بعض أعضاء البرلمان تعديل قانون المشيخة تغيير لشرع الله، تلك الإقتراحات التى رفضتها أغلبية الأعضاء وندد بها رئيس المجلس، حيث كانت أبرز هذه التعديلات تتعلق بتحديد مدة ولاية شيخ الأزهر (وأن تمتد طوال حياته) وطريقة اختياره، وفصل جامعة الأزهر عن المشيخة، وفصل الكليات الأزهرية العلمية (طب وهندسة وما شابهها) عن الامام الأكبر وإلحاقها بجامعة الأزهر، ودمج التعليم الأزهرى قبل الجامعى فى التعليم العام، على أن يتفرغ الأزهر للجانب الروحى فقط وتتبعه الدراسات الدينة لمرحلة ما بعد الدراسة الجامعية.

السلام عليكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة, د.رياض محرم and tagged , , . Bookmark the permalink.