النبوة

آية الله الشيخ إياد الركابي  

 النبوة: – [هي المعرفة اليقينية يوحي بها الله إلى البشر عن شيء ما] – راجع كتابنا رسالة في التوحيد والسياسة ص 73 -، وفي هذا الوصف لمعنى – المعرفة اليقينية – التي ( يوحي الله بها إلى البشر )، يدلنا ذلك على طبيعتها وعلى معناها العام الذي يشمل جميع البشر من غير تمييز، وهي التي تحصل للذكور وللإناث على حد سواء، وهذا المعنى هو رد لما ذهب إليه غير واحد من علماء الكلام [في تقييد النبوة بالذكور دون الإناث]، وليس من شك إن ماهب إليه هذا البعض في حقيقته دعوة جاهلية، ذلك أن – المعرفة اليقينية – التي يحصل عليها البشر عن طريق الوحي لم يرد فيها حصر أو تخصيص بالذكور دون الأناث كما توهم هؤلاء.

 ثم إن – الكتاب المجيد – لما عرف لنا النبي قال هو – إصطفاء -، ولم يجعل معنى الإصطفاء خاصاً بالذكور دون الإناث، ومعنى فعل – أصطفى -: يدل على الإختيار والإنتخاب بعناية، المأخوذ من الأصل اللغوي للفظ والدال على الصفاء ضد الكدورة والتلوث من كل شائبة، نقرأ ذلك في:

قوله تعالى: [إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي] – الأعراف 144، 

وفي قوله تعالى: [إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ] – آل عمران 33.

وفي قوله تعالى: [إنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ] – البقرة 247.

والمعنى في هذه النصوص واحد وهو الإختيار، الذي لا يكون ممكناً ومنطبقاً على معناه في مسألتنا إلاَّ حينما يكون من قبل الله، الذي لديه علم تام بهذا المختار من بين الناس، وفي نفس سياق المعنى وكما قلنا بإن – المعرفة اليقينية – لا تختص بالذكور دون الإناث، فكذلك – الإصطفاء – لايكون منحصراً بالذكور دون الإناث، وإليكم الدليل.

 قال تعالى: [وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ] – آل عمران 42 -، وهذا النص واضح الدلالة في أن – المعرفة اليقينية – التي حصلت عليها مريم العذراء جعلتها من فئة الإنبياء مع قيد وبيان – إن الله أصطفاك -، فيكون – إصطفاء – مريم دليلاً على نبوتها، وقد عزز ذلك المعنى القول التالي من سورة مريم:

قوله تعالى: [إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ] – مريم 45، ففي هذا النص نلتقي مع ذلك الجدل المعرفي الطوعي الذي نجده في صدر البيان، بقوله – إذ قالت الملائكة – وفي لغة العرب حين يكون الخطاب موجهاً لشخص ما بأسمه وصفته فذلك دليل على الأهمية، وجملة – يبشرك – جملة خبرية يُفهم منها المُراد في السياق الذي ورد جاء بعد حالة – الإصطفاء -، وفي هذه الحالة تكون مريم يقيناً من الأنبياء من غير شك، بل ولها درجة فوق درجات كل نساء العالمين اللائي بلغن شاءاً من القرب في مطلق الزمان والمكان.

كذلك نفهم من السياق أن علاقة مريم بالوحي كانت علاقة مباشرة، كتلك التي حصل عليها النبي محمد وغيره من سائر الأنبياء، فالطريق والسبيل إلى ذلك واحد وبه تتحقق نبوة الإنسان، وذلك السبيل أو الطريق سماها الكتاب المجيد – الوحي -: والذي هو الوسيلة السريعة التي تأتي بالمعلومة من الجهة المرسلة كما تقول لغة العرب، وأصله: – من وحى أوحى إليه ووحيت إليه، إذا كلمته عمَّا تخفيه عن غيره -، وهو في لغة الكتاب المجيد: – يعني تلك الواسطة أو الوسيلة التي من خلالها يمكن إيصال المعلومة من الله لمن أختاره من عباده -، ومعرفياً لا يمكننا تصور الكيفية ولا الطريقية التي يتم فيها إيصال تلك المعلومة، لكننا يمكننا تصور المعنى من خلال طبيعة النصوص الحاكية عنه، [فيمكننا مثلاً – تصور الوحي على إنه إشارة أو إيماء أو سرعة أو صوت -]، وهذا التصور رصدناه في لغة النص وفي لسان الأخبار، فالوحي بناءاً على تلك الطبيعة أما أن يكون:

1 – كلاماً مباشراً كما في قصة موسى النبي.

2 – أو يكون قولاً بلسان الملائكة كما في قصة مريم العذراء.

3 – أو يكون إلهاماً ورؤيةً، كما في قصة إبراهيم مع إسماعيل أو قصة أم موسى.

 وفي المعجم المفهرس وجدنا إن لفظ – الوحي – وكذا إشتقاقاته لا يبتعد عن هذا المعنى المتقدم، بدليل:

قوله تعالى: – يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً – الأنعام 112، فصيغة ( يوحي ) وردت بالمعنى السلبي للفظ حين يدل على التحريض والنزاع وتأليب البعض على البعض الأخر، من خلال الدس والتزوير والتشويه والدعاية المضللة، وهذا جهد الشيطان وجنوده.

وقوله تعالى: – إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل – النساء 163، وفي هذا النص وردت الصيغة بالمعنى الإيجابي، الدال على الإشارة والتنبيه.

 وقوله تعالى: – فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا – مريم 11، ومعناها هنا دعاهم أو أشار إليهم.

وقوله تعالى: – وأوحى ربك إلى النحل – النحل 68، ومعناه هنا أي جعل أو صيَّر لدى النحل إرادة ذاتية تنطلق من فعل ذاتي بايولوجي، وهذه الإرادة لها علاقة بالطبيعة التكوينية لعموم الحيوانات فيما تأكل وفيما تشرب.

وقوله تعالى: – وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى – القصص 7، والمعنى هنا جعلنا في قلب أم موسى السكينة والإطمئنان، وقد عُرف هذا المعنى بالإلهام الفطري المستند إلى اليقين، وقد عُرف الإلهام بأنه من ألهم الدال على: [وقوع اليقين في القلب مما يؤدي إلى الإطمئنان في العمل].

وقوله تعالى: – [يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها] – الزلزلة 4 و 5، والمُراد من لفظ – أوحى – هنا بمعنى الأمر الذي يكون بعد الإخبار.

وأما قوله تعالى: – وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ – الشورى 51، فهو يبين لنا درجات و مراتب الوحي التي يمكن تصورها للبشر وهي كالآتي:

1 – الوحي المجرد: ومن مصاديقه – الإلهام – الذي يقع في قلب الإنسان عن معرفة ويقين، فيطمئن إليه ويعمل بموجبه كالذي حدث لأم موسى -، ويدخل في بابه الرؤية الصادقة التي حصلت لإبراهيم النبي مع ولده إسماعيل، أو كالذي حصل لزكريا مع قومه حين أمرهم بالتسبيح بكرة وعشيا.

2 – الوحي من وراء حجاب: ومعنى هذا وتجلياته تظهر بالصيغة التي وقعت مع موسى النبي، وفيها كان الوحي من وراء حجاب بعيداً عن الرؤية المباشرة لله، وقد دل على هذا قوله تعالى: – ربي أرني أنظر إليك !!…. فكان الجواب: قال لن تراني !!!، ولكن أنظر إلى الجبل فإن أستقر مكانه فسوف ترآني.. – الأعراف 143، والنفي هنا ورد لتقويم المعنى في قوله تعالى: – وكلم الله موسى تكليما – النساء 164، فكان الوحي صوت وكلمات يسمعها موسى في المقدَّسين، فوق أحساس الكروبيين، فوق غمائم النور، فوق تابوت الشهادة، في عمود النار، وفي طور سيناء وفي جبل حوريث في الوادي المقدس في البقعة المباركة من جانب الطور الأيمن – مفاتيح الجنان ص 103 .

3 – وأما الوحي بواسطة الملائكة: فهذا هو المألوف في علاقة الله بأنبياءه، فالملاك أو الملائكة كانوا هم الواسطة التي تنقل الخبر من الله إلى من أصفاه الله لذلك، وهذه الصيغة وردت في سياق القول التالي: – أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ – الشورى 51 

* * * 

بعد هذه المقدمة نأتي للتعرف على الطبيعة أو على المهمة التي يقوم بها النبي، وبعبارة أدق:

هل النبي مفسراً للوحي أو مبلغاً له أو مبشراً به، أم له مهمة أخرى ؟،

 يقول الإمام علي عن السر من بعثة الأنبياء، قال: – إنما يبعثهم للناس ليثيروا فيهم دفائن العقول -.. فثورة العقل أو إثارة العقل هدف مستقل بذاته يقصده الله حين يبعث أنبياءه، ولهذا ترآه يقول: – أفلايتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها – محمد 24، فالتدبر: في لغة النص هو تحريك للعقل كي يلاحظ ويفكر ويستنتج ويجتهد ويحكم، والتدبر ( هو إعمال للنظر ) سواء أكان ذلك الفعل تجريدي أو توعوي، وإعمال النظر: هو لفظ دال على الإستنهاض والتحفيز للعقول، لكي تفهم وتعي الأشياء بطريقة تتناسب مع ما يُصلح الحياة ويَّعمَرُها.

 ونعود للقول في الجواب عن السؤال: – من البدهيات اللازم معرفتها هو ( إن عقل النبي عقلاً متطورا بالضرورة قياساً إلى غيره من العقول ) -، ومادمنا في صدد الكلام عن عقل النبي فأول ما يتبادر منه إنه المفسر لما يأتيه من وحي، وهذا في – العنوان الأولي – الذي يمكننا فيه وصف النبي ودوره، إذن [فهو مفسرٌ لما يوحي به الله إليه]، وهذا النبي يكون مبلغاً أو مبشراً أو نذيراً لكن في – العنوان الثانوي -، وهو في كليهما لا يكون – آمراً أو ناهياً -، أي لا يصح من النبي أن يقوم بدور ( أفعل أو لا تفعل )، وهذا المعنى وجدناه في الكتاب المجيد، إذ ليس فيه لفظ أو معنى يدل على أن النبي كان – آمراً أو ناهياً -، لأن هذا الدور هو من مهمات وإختصاصات الرسول بصفته ( حاكماً )، ولا يخالف في هذا إلاَّ الجاهل المُقصر، ذلك الذي يخلط بين النبوة والرسالة، كما يخلط بين النبي والرسول، والخلط أساسه التماهي في الدور في ذهن فئة من الناس تتعمد إغراق الواقع بين حاجات النبي ودور الرسول، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على جهل في معنى – المعرفة اليقينية – التي يحصل عليها النبي بالوحي، والتي يؤمن بها بعد إدراكها ووعيها فتصبح عنده يقيناً مطلقاً.

ومعنى كون النبي مفسراً، هذه الجملة أو العبارة هي من لوازم نصوص الكتاب المجيد التي توحي بذلك كما في:

 قوله تعالى: – ( قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلاَّ نبأتكما نتأويله ) – يوسف 37 -، فيوسف النبي يقول لمن حوله أنا قادر على أن أشرح لكما وأبين ما تأكلانه، وهذا المعنى من القول هو ما نسميه ( بالتفسير ) -. 

و قوله تعالى: – ( قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم ) – التوبة 94، وهذا القول هو ( تفسير للخبر )، ومعناها: إن الله قد أخبرنا أو أطلعنا على أخباركم.

و قوله تعالى: – ( قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير ) – التحريم 3، في هذا النص هناك مفردتين:

 الأولى: وردت في صيغة الإستفهام – أنبأك – ومعناه من أخبرك أو فسر لك.

 والثانية: وردت في صيغة – نبأني – والتي تعني الخبر اليقين الصادق، في كلا الحالين وردتا بمعنى ( التفسير ).

و قوله تعالى: – ( سأنبك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) – الكهف 78، ومعنى – سأنبك – أي سأكشف لك أو أظهر لك، والكشف والإظهار هنا هو بمعنى ( سأفسر لك ).

و قوله تعالى: – ( قل أونبئكم بخير من ذلكم ) – آل عمران 15، والصيغة وردت في خطاب الجمع ومعناها – أدلكم أوأهديكم – وهي كذلك بمعنى ( التفسير ).

و قوله تعالى: – ( ثم إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) – لقمان 15، والمعنى هنا هو التذكير أو إعادة المشهد والصورة التي كنتم عليها، وهو أيضاً بمعنى ( التفسير ).

وفي جميع هذه النصوص هناك معنا مشتركاً واحداً ألاَّ وهو ( التفسير أو التبشير )،

 قال تعالى: – ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ) – آل عمران 42، و لفظ – مبشرين – وردت في سياق النص لتبين لنا طبيعة التطور والتحول الذي حصل للإنسان، وإنتقاله من حالته البشرية إلى حالته الإنسانية، و الجذر الثلاثي للفعل بشر صحيح يدل على البشارة، والتي هي الخبر المفرح السار، والبشارة والتبشير: من الملازمة اللفظية لحركة النقلة التي حدثت للإنسان، ومعها كانت حاجة هذا الكائن الجديد للتعرف على الأشياء، لذلك قال تعالى في الجواب: – وعلم آدم الأسماء كلها..- البقرة 31، ومفهوم عَلَّمَ بهذه الصيغة تعني – التفسير والشرح -، الذي يتناسب وكل مرحلة من مراحل الإنسان، ( فالنبوة ) أو ( بعثة الأنبياء ) كانت هي الوسيلة التي تُبشر في تحرير العقل والإنسان من كل ما يعيق حركتهما، وبهذا المعنى تكون – البشارة – جزءاً من المعنى الفطري للطبيعة الإنسانية، وبما إنها كذلك فهي تعبر عن – المعرفة اليقينية – التي تتطابق وتتناسب معها.

 وهذا المعنى يبحث في الفلسفة بصيغة سؤال يقول: كيف يكون ذلك ؟، أي كيف يكون التطابق ممكناً بين المعرفة الفطرية والمعرفة اليقينية ؟ 

 وفي الجواب نقول: [المعرفة الفطرية هي تلك المعرفة التي يحصل عليها الإنسان، من النور الذاتي و الذي يعتمد في الأساس على نور الله]، وهذه المعرفة عامة من حيث كون جميع الناس يشترك فيها، لأنها تعتمد على مبادئ مشتركة يؤمن بها و يعتنقها أغلب الناس، لكن ليس جميع الناس يعتنون بها، ذلك لأن الكثير من الناس إنما يولعون بالنوادر والعجايب والخوارق والمعجزات، ويحتقرون أو يزدرون كل هبة فطرية، وهكذا يكون موقفهم من النبي حين يتحدث عن المعرفة التي يحصل عليها عن يقين، مع إن الواجب يقول: إن للمعرفة الفطرية الحق الذي يفوق أو يغلب أية معرفة أخرى.

ولتبسيط الفكرة نقول: – إن المعرفة الفطرية هي أثراً من آثار الطبيعة الإلهية، والطبيعة الإلهية هي أثراً من آثار الأوامر الإلهية -، ولكن هل تختلف المعرفة الفطرية عن المعرفة الطبيعية ؟، نقول: لا تختلف المعرفة الفطرية عن المعرفة الطبيعية إلاَّ في نقطة واحدة، وهي: – إن ما يحصل من المعرفة الفطرية من معارف وعلوم لا يمكن تفسيرها بقوانين الطبيعية بالمطلق -.

 لكن لأصحاب مذهب الإتحاد رأي في هذا فهم يقولون: – إن كل موجود في الطبيعة هو عبارة عن إتحاد بين الموجد المفيض والموجود الممكن -، وبعبارة أوضح يكون عندهم: – كل موجود في الطبيعة المادية لا يمكنه الوجود أو الإدراك بدون فيض الموجد وإرادته -، ومن طبيعة الموجد المفيض إن له عدداً لا متناه من الأشياء والأحوال الممكنة الوجود، و بناءاً على هذا فكل حيز ذهني لا نهائي يدخل في هذا المعنى، وبناءاً عليه كذلك تكون المعرفة الفطرية من المعرفة الإلهية، ولكن ليس كل معرفة فطرية هي معرفة يقينية، فما يحصل لبعض الناس من معارف وعلوم فطرية لا يصح أن نجعل منه بقوة المعرفة اليقينية التي تحصل عن طريق الوحي، وإذا تبين هذا تسقط دعوى الكثير من الغنوصيين أدعياء المعرفة الفطرية ويسقط من الإعتبار مشاهداتهم وكيفياتهم وحالاتهم الذاتية المُدعاة.

 لكن ما الدليل على أن هذا الإنسان مُدعي النبوة قد حصل بالفعل على الوحي من الله ؟، ولماذا لا يدخل هذا المُدعي في ساحة أؤلئك الذين يحصلون على العلم بالنور الفطري الذاتي ؟، مع تأكيدنا إن ذلك ممكناً وغير ممتنع، أعني بذلك جواز حصول البعض على هذا النور والعلم من غير وحي، وهذا القول: ممكن في ذاته لكن إتصافه بالوحي الخاص وحالاته فهذا ممتنع، أما الإمكان فيكون من وجهين: 

الأول: الطبيعة التكوينية، ونعني بها التكوين والجبلة الخاصة كالغرائز، يظهر ذلك في قوله تعالى: [وأوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من الجبال بيوتاً] – النحل 68، فالقدر المتيقن من لفظ – أوحى – هو ليس الوحي بمعنى الملاك أو الغمام، بل بمعنى التكوين والخلقة الطبيعية لهذا الكائن، وهذا الذي نسميه التقدير في عالم السنن الطبيعية، كأكل البقر للعشب والحشائش دون اللحوم، والوحي هنا بمعنى الصنعة والخلق على نحو ما.

الثاني: الحس والخيال والتصور والكلام أحياناً، كما في قوله تعالى: – [وأوحينا إلى أم موسى] القصص 7، والوحي هنا لا بمعنى نزول الملائكة بل بمعنى الإلهام والإلقاء في الروع على نحو يفيد اليقين، وتعريف ذلك: هو حس وشعور ذاتي مفيد للإطمئنان واليقين، يكون هو نفسه أي الحس والشعور بمثابة الطاقة التي تجعل من تصل إليه واثقاً ومتيقناً، بأن شيئاً سلبياً لم يحدث، هذا اليقين متعلق بما تحصل عليه الفطرة من معرفة تكون يقينية عندها، وبما إننا عرفنا وجوه الوحي وقلنا: – إن واحدة منها هو الوحي، الذي يكون بشكل إلهام، لذلك نقول لا مانع من إعتبار ما حدث لأم موسى من فئة الوحي الذي حدث لكثير من الأنبياء، وهذا المعنى لا ترديد فيه بعدما تبين لنا: – إن النبوة هي معرفة يقينية يحصل عليها الشخص من خلال الوحي -، وهذا بالضبط ما حدث مع أم موسى.

والثالث: الرؤية االصادقة، والإبتداء مع قوله تعالى: – [يا بني أني أرى في المنام إني أذبحك..] – الصافات 102، وهذه الرؤية هي التصور أو الخيال الذي كان بالقوة، ولكي يكون واقعاً بالفعل وحقيقة، قال في مقام الرد: – [قال أفعل يا أبتي، ستجدني إنشاء الله من الصابرين..] – الصافات 102، ولو طبقنا النظرية الواقعية سنجد: إن هذه الرؤية مجرد خيال ووهم، لا يمكننا العمل بموجبها، لكن هذا الخيال وهذا الوهم كان هو الحقيقة من وجهة نظر المعرفة الفطرية التي هي معرفة يقينية عند إبراهيم النبي، ولكن مجرد الخيال والتصور كان بالنسبة لهما واقع وحقيقة، ولهذا أمتثلا للفعل مصدقين الرؤية على أنها حقيقة لا وهم، قال تعالى: – [أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا..] – الصافات 103، ولكن هل الرؤيا جاءت في سياق نبوة إبراهيم أم كانت سابقة لها ؟، بحسب المعطى التاريخي لم تكن الرؤيا سابقة للنبوة، بل كانت في سياقها أو هي جزءاً من إيحاءاتها.

 ونصل هنا لحقيقة الإختلاف بين الوحي والبعث، وقد مر الكلام عن الوحي وطبيعته وأنواعه، وأما البعث فقد ورد في لسان العرب بمعنيين:

 أحدهما: يعني الإرسال كما في قوله تعالى: – ثم بعثنا من بعدهم موسى – يونس 75.

 وثانيهما: بمعنى الإحياء بعد الموت، قال تعالى: – ثم بعثناكم من بعد موتكم – البقرة 56، فالبعث هو حالة نهوض وإستنهاض، وهي تأتي بعد حالة الوعي والإدراك، وفي مسألتنا تأتي بعد الوحي أو الذي جاء به الوحي، والنبي حين يبعث إنما يقوم بدور المبلغ والشارح لما لديه من حقايق ومعارف، لكن هذا الدور لا يسحب منه طبيعته البشرية لذلك يقول: – إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي – الكهف 110، وأداة الحصر – إنما – تفيد معنى إن له نفس الصفات المخلوقة كما هي لهم، لكن المميز له عنهم هو بهذا القيد أو قل بهذا التعريف: – يوحى إليَّ – وفي هذا القيد أو التعريف ورد ذكر قوله تعالى: – وما ينطق عن الهوى * إنما هو وحي يوحى – النجم 3.

 وهذا المميز قالت عنه الكلامية بمعنى ( العصمة )، والتي هي المنع من الوقوع في الخطأ، والمنع لا بد أن يكون صفة ذاتية، عبر عنها الأصولي: بالملكة التي تمنع صاحبها من إرتكاب الخطأ، وهي بهذا المعنى لا تتعدى بالنسبة للنبي المعنى التشريعي وليس المعنى التكويني، أي إن النبي يكون معصوماً بذاته ( تشريعاً ) حين يمتنع عن إرتكاب الخطأ، ثم تأتي العناية الإلهية كما يُفهم من قوله تعالى: – والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا – العنكبوت 69، ولا يصح إعتبار قوله – وما ينطق عن الهوى – بمعنى العصمة من الله، بل المُراد: – إن ما يأتي به النبي من الله لا يخطأ فيه ولا يتعمد ذلك، بدليل قوله: – إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون – الحجر 9، إذن فالنبي معصوم عصمة ذاتية تمنعه من أتيان الخطأ، وهذه متقدمة على الإصطفاء الذي يأتي لا حقاً، يعني لا يكون النبي مصطفا من دون هذه الضابطة الذاتية المانعة من إرتكاب المحرم والخطأ.

والنبي لا يوصف بالنبوة إلاَّ بالوحي، وليس من شرط أن يكون كل نبي مأمور بواجب – الأمر والنهي -، لأن النبوة ليست قوانين لتنظيم حياة البشر، بل هي دعوة لفهم الحياة دعوة مجردة، وحتى تكون تامة لازمها الصدق والمحبة والشمول، لأنها في الواقع قضية ربانية خالصة في شروطها وفي فعلها وفي أدواتها وأهدافها، ولأنها كذلك: نقول: – بأن ما يحصل للفلاسفة والعرفاء من علوم ومعارف، لا تؤهلهم ليكونوا أنبياء -، لا في مجال التفسير والشرح والبيان ولا حتى في مجال التدبر وإعمال النظر، فالنبي إنما يكون موظفاً لإثبات الحق الذي ينفع الناس، عن طريق الحوار والجدل بالحسنى ( البرهان )، مستفيداً بالقدر اللازم من كل المراحل التي يمر بها من مراحل تجريبية حسية أوفيزيائية مجردة وأحيانا ميتافيزيقية مثالية، وتارةً تكون عبر مكاشفات غير مألوفة أو متصورة، ولكن كل ذلك الفعل ينتهي إلى الوحي الذي هو دليل النبوة الوحيد، وكل من أدعى النبوة أو يدعيها فلا بد أن يكون له وحياً يتلقى من خلاله الكلمات، التي كانت بمثابة القول التالي: – وإذ أبتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. – البقرة 124، أو بصيغة القول التالي: – فتلقى آدم من ربه كلمات فتآب عليه.. – البقرة 37، والكلمات جمع كلمة والتي تكون مرةً على نحو مكاشفة صورية وأخرى على نحو مكاشفة معنوية.

والمكاشفة الصورية: ونعني بها هنا ما يحصل عليه النبي في عالم المثال عن طريق الحواس الخمس.

والمكاشفة المعنوية: ونعني بها ما يطلع عليه النبي من معاني الغيب، وهي التي تجمع بين الصورة والمعنى لذلك تكون أعلى رتبةً وأكثر يقيناً.

وفي هذا السياق جاء قوله تعالى: – فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور – الحج 46، وعبارة – لا تعمي الأبصار – إشارة إلى معنى الكشف الصوري الذي يتم عبر أو من خلال الحواس الخمس، وجملة – تعمي القلوب التي في الصدور – دليل وإشارة رمزية لمعنى الكشف المعنوي، والجملة الخبرية جملة توضيحية تتحدث عن مقام العقل أو ما يغذي العقل، إذ الثابت حسب أخر الدراسات: – إن القلب هو من يعمل على تفعيل القلب أو إغلاقه -، ويكون هو المتعين بذاته بحسب هذا النص دليلاً، على أنه مكان وعي وإدراك المعاني و الحقيقة من غير واسطة، قال الملا صدرا في مفاتيح الغيب: – أن قوة الوعي والإدراك الأصلية تفيض من القلب من غير واسطة -، والفيض الموجب هو الرؤية والوضوح والكشف دون لبس، وفي غير ذلك يكون العمى والضلال والإنحراف، والكلمات التي ينزل بها الوحي لا بد ان تتناسب سعةً وحجماً مع من تتنزل عليه، وبما إن النص إستعار مفهوم القلوب في الكشف والرؤية الصادقة، فإن ذلك دليلاً على أنه مكان المعرفة الفطرية وساحتها.

 وفي جميع الاحوال يمكننا وصف الوحي على إنه حركة وعي في الارادة والقوة، تجلت لمحمد النبي بصيغة متعددة، وتجلت لموسى النبي بصوت خارجي، وتجلت لعيسى النبي بصيغة إتصال الروح بالروح، وقد عبر عن ذلك بعض العرفاء بالقول: [فعين النطق منه بعد الولادة هو تجلي لذاته الروحية في كمال ذاته القدسية]، وعبر عن ذلك بعض أهل الإتحاد بالقول: [إن قدرة التجلي بين الوجود والحقيقة واحدة في الأثنين]، ومنها يمكننا الإدعاء: – بأن علة النبوة علةٌ غالبة، كما إن قدرة الله قدرة غالبة -.

وفي هذا الإدعاء حرص منا على القول: – وبما إننا نجهل حدود ذهننا، لذلك فنحن نجهل العلة الغالبة للنبوة -، ذلك إن النبي إنما أدرك النبوة بواسطة الخيال الذاتي، والذي هو الوحي الإلهي، والنبي حين يفسر هذا الخيال لنا فإنه لا يتحرك في حدود ضيقه، بل يتعدى ذلك إلى تفسير فكرة الله ومفهوم الله وحدود الله وطبيعة الله، فهو حينما يبلغنا أن الله: – يدآه مبسوطتان – المائدة 64، أو حين يقول لنا إن: – الرحمن على العرش أستوى – طه 5، صحيح إنه أستخدم أو أستعار إلفاظاً على نحو مجازي، لكنه كان يستهدف تقريب الذهن العام لما يتصوره، عن اليد وعن العرش وعن الكرسي، وكل ذلك من أجل تقريب الذهن إلى كيفية أستخدام الألفاظ وتطويعها وبما يتناسب ومُراد الوحي، ونعود للقول: بأن الله حين كلم موسى تكليماً، إنما كان صوتاً عبر عن روح الله، الذي لم يكن سراً كما إن النبوة ليست سراً، بل هي كشف عن الحق المغيب الغير معلوم، ولذلك كان من مهامها إثبات حقيقة الملائكة وحقيقة الجان التي هي من الغيب أو من الأسرار، وهذا من أجل أن يتفطن الإنسان لما وراء هذا العالم، كما يفعل العلم الحديث في جانب حين يستطيع الجمع والتركيب للأشياء الغير مرئية فيجعل منها حقيقة عيانية مشاهدة..

 26 ربيع الأول 1440

الحلقة الأولى

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات and tagged , , . Bookmark the permalink.