الإيمان  والنكران.. في القرأن

يوسف تيلجي  

المقدمة: 

 في هذا البحث المختصر، سأجول في العنوان أعلاه، من خلال صورة مصغرة / كنموذج، وهي سورة آل عمران أية 84  التي تنص على ما يلي: ( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )، ساردا قراءاتي الخاصة لهذا النص القرأني ثم أختم الموضوع بأضاءة مقتضبة.

النص:

في تفسير ” أبن كثير ” للأية أعلاه / 84 من سورة آل عمران، أبين التالي (( ثم قال تعالى:  قل آمنا بالله وما أنزل علينا ) يعني: القرآن ( وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ) أي: من الصحف والوحي: ( والأسباط ) وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل – هو يعقوب – الاثني عشر. ( وما أوتي موسى وعيسى ) يعني: بذلك التوراة والإنجيل ( والنبيون من ربهم ) وهذا يعم جميع الأنبياء جملة(  لا نفرق بين أحد منهم ) يعني: بل نؤمن بجميعهم ( ونحن له مسلمون فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك بل هم مصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله.” ))، أنتهى تفسير أبن كثير، وأرى أن التفسير بسيط  ولا يحتاج الى أي تعليق، حيث أن التفسير يبين: أن الرسول مؤمنا بالله وبالقرأن وبكل الكتب السماوية المنزلة وبكل المرسلين.. الى هذا الحد الأمر مقبول.

القراءة:

  1. من صيغة نص الأية نرى أن المتكلم هو الرسول وليس الله:( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ.. )، ولكن هذا الأمر مخالف للمبادئ، وذلك لأن القرأن المفروض كلام الله، وأرى مثلا أن يكون النص: ( أمن محمدا بالله وما أنزل عليه.. )، وهذا أستنادا لكثير من الأيات التي تؤكد على أن القرأن من لدن الله، مثلا: (.. وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيز. لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ / 41، 42 سورة فصلت )، و ( إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا.. / 140 سورة النساء )، و ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.. / 82 سورة النساء ). أي يجب أن يكون النص بصيغة المتكلم أي ” الله ” وليس بصفة الرسول !!، وهذه أشكالية موجودة بالنص القرأني، وما ذكر ورد على سبيل المثال وليس الحصر !!.
  2. وهذه النقطة تجرنا الى معضلة أخرى أكبر من الأولى، وهي: هل أن القرأن هو ” كلام الله “، أم هو ” كلام الرسول “، أم هو ” كلام الأثنين معا “، أم ” كلام من ” !!.
  3. أرى أن بداية متن الأية 84 من سورة آل عمران، أنه كان منطقيا، وهو أيمان الرسول بالله وبالقرأن، وبداية المتن هو مدخل لسياق باقي الأية، وهو أيمان الرسول بكل الرسل وبكل الكتب المنزلة، وهذه النقطة معطوفة على منطقية بداية المتن، ولا أرى بها من خلل، لكن الأمر يتضادد ويخالف للأية اللاحقة، وهو قوله ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  / 85  )، وهنا أرى التالي: ( أن كل ما جاء في نص الأية 84 غير ذا قيمة، لأن الأية 85 من نفس سورة آل عمران، واللاحقة لها مباشرة، نفت ما سبقها من حقائق، وأكدت أن من يتبع غير الأسلام دينا هو من الخاسرين، فما جدوى وفائدة الأعتراف بكتب ورسل وأنبياء من سبقوا الرسول !! )، وهذه هي المعضلة العقائدية !!.
  4. علما أنه بنفس السورة، يؤكد القرأن على وحدانية الأسلام كدين عند الله، بقوله ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ / 19 سورة آل عمران )، وهذا يؤكد على تناقض مضمون نصوص الأيات ليس في السور المختلفة، بل في ذات سياق السورة الواحدة !! كما الحال في سورة آل عمران. 5. وأخير.. لم النص القراني دائما في مأزق !، لم يفتقر هذا النص الى وحدة المضمون والسياق، ولم هذا النص غير مستقر معلوماتيا، ولم لم يكن هناك وضوح تام في الرؤية، ولم دوما القارئ والمطلع يقف مشدوها متعجبا من تعدد الأتجاهات والمؤشرات والحقائق في النص الواحد !.

أضاءة:

عودنا النص القرأني على هذا الضعف في الذاكرة المعلوماتية، لأنه دوما ما يلبث أن يؤكد حقيقة أو معلومة معينة، ثم يعود فينكرها أو ينفيها أو يخالفها أو ينسخها، بنفس السورة أو في سورة أخرى !، وبالرغم من أننا نبحث في النص القرأني، ولكن لا بأس أن نستشهد بفقرة من نص أنجيلي، حول وضع النص القرأني، حيث يقول البشير لوقا ” آية ( لو 19: 22 ): مِنْ فَمِكَ أَدِينُكَ.. “، ومن كل ما سبق وبالرغم من كل الطروحات المتضاددة.. نرى أن النص القرأني لا زال يؤكد على: ( الم 1 ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ 2 / سورة البقرة ) !، ولا أدري أنا شخصيا ” أي ريب يتكلم عنه القرأن ” !. 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, يوسف تيلجي and tagged , . Bookmark the permalink.