التطرف في واقع متحضر والتحضر في واقع مغلق‎

 داليا عبد الحميد أحمد   

الأحادية دليل ضعف لأنها نتاج نظام سياسي مغلق والتنوع دليل قوة وليس ضعف في ظل: -تداول سلمي للسلطة -والفصل بين السلطات -والمجتمع المدني الحقيقي الذي يجمع القنوات الشرعية للتواصل والتوازن بين ثلاثة:-المصلحة الشخصية -ومجموعات المصالح -والمصلحة العامة.. بالمشاركة الشعبية والتنافس والإنتخاب الحر وليس الإجباري أو الطوعي 

حينما يسقط نظام فاشل بالثورة بالحروب الأهلية أو الخارجية أو العالمية تعلمنا من التاريخ أن العالم الأول إختار نظام حديث ولكن العالم الثالث إختار نفس نظامه القديم لأنه يبحث عن أشخاص يثق في الوعود ويسقط الضمانات وأضاع كل الفرص لتقليد التحارب الناجحة في التحضر ويحتمي بشعارات أن السبب في الخراب هو الثورة والحرب وليس أن الثورة أو الحرب نتيجة لحكم ونظام متخلف أو فاشل ولذلك نحن نعالج الأمراض بعلاج العرض وليس بالتشخيص السليم للمرض والعلاج معروف ومتاح 

تدمير الدول بدوام النظام القديم حتمي ولكن حدوث الثورات والحروب في دول وأزمنة آخري يجب أن يعيد التفكير في تقييم نظام الماضي ويمنع تكراره ويحدثه ويبني دولة حديثة وليس الوقوف والثبات والتجمد لمجرد الخوف من الدمار والإقرار والموافقة الضمنية علي عدم وجود معارضة وتداول سلمي للسلطة وانسداد قنوات الإتصال ( المجتمع المدني ) بين المواطن والسلطة وكل أشكال المصالح العلنية ليحل الفساد والتسلق والجمود 

فلا خوف علي العالم المتحضر من التطرف اليميني أو اليساري حتي لو وصل للحكم لأن الدول الحديثة لا تُحكم بنظام مركزية الزعيم أو الخليفة أو إحتكارية الثروة والملكية وليس القرار فردي  ولا يفرض احد الظلم او الطغيان لمجرد تملكه للحكم ولا يمكن إعادتها للماضي ولكن تظل تجربة تقيم ويستفاد منها في واقع التحضر والرقي لأن العقل الجمعي لا يمكن حجب المعلومات عنه وبذلك لا يمكن عزله عن محيطه وعن العالم وتضليله ولا يمكن منع تداول السلطة لفرضية الخوف من الأسوأ كما يحدث في العالم المتخلف 

الحكم المدني الحديث ليس معناه أن الأشخاص غير عسكريين أو غير دينيين أو غير أثرياء ولكن معناه أن التجمعات في المجتمع المدني مرفوضة علي أساس ديني أو عسكري أو إحتكاري ويعني ذلك نظام يحكم الجميع بميزان واحد يحاسب الكبار ويراقب المسئول ويعلن المعلومات ويسعي لتنفيذ برنامجه ومسئوليته وخططه المعلنة لصالح المواطن والتنافسية وتساوي الفرص فلا يمكن توقف تداول السلطة 

مجرد تحول الحكم لملكية وسيطرة ومنع معلومات وبقاء أبدي في الحكم أصبح حكم منغلق متخلف ويستخدم في ذلك أذرع تحكم الدين والأمن والثروة

حينما يحدث صراع بين الحاكم الدكتاتور والجماعات الدينية وأصحاب الثروة لا يجب ان يقف الرأي المنادي للتحضر في صف أي رأي هامشي فوقي لأن ذلك يعزز صراع التحكم والسيطرة وتحسين الشكل وليس للتحضر  

ما يجعل رأي المنادي بالتحضر موضع الفاشل هو ذاته بالأساس لأنه يتكلم عن الحداثة والتحضر كإختراع العجلة وصعوبة أن تتحقق قبل إنهاء المعارك مع الآخر   ولذلك سيبقي المشهد العبثي المعركة بين الخليفة والزعيم والثري ويناصر أحدهم في تفاهات قشرية إستعراضية تجميلية بغلاف الحكمة والخبرة بعيدة عن أساس التحضر وهو بذلك بعيد كل البعد عن تأسيس الحكم بحقوق الإنسان والعلم و بذلك يبقي بوق وليس تيار واضح المعالم يقضي علي الظلم والطغيان ولهدف تعزيز التنوع والتعددية

فالتحضر الحقيقي هو المناداة بأساس سقف العالم الأول دولة القانون والإدارة الحديثة بحداثة تجارب ثبت نجاحها مرارا وتكرار تشريع وإدارة ومعايير خدمات وسوق وليس إنتقائية أو خطوات بطيئة هامشية لتقوية طرف علي طرف الخليفة أو الزعيم أو الملك الثري في حكم العالم المنغلق المتخلف بدون أساس حضاري حقيقي وتكملة للأساس القديم 

 لا يوجد شعب لا يستحق الحقوق والحريات والكرامة ولكن يوجد نظام سياسي فاسد وفاشل ومتخلف يمجد الحاكم ويرفض محاسبته ويختار زعيم أو خليفة أو ملك يملك ويحكم ونظام آخر متحضر يمنع الظلم والطغيان تحت أي شعار براق وجميل 

فكرة المخلص أو التحكم في العالم هي فكرة متطرفة تنشأ من وقت لآخر في نسبة من البشر بإختلاف جنسياتهم وأعراقهم ومعتقداتهم وتُحارب بالنظام السياسي الحديث الذي لا يتسامح بالأساس مع الظلم والطغيان وليس بالبحث عن آخر يحاربه لذلك تلك الفكرة تدمر العالم المنغلق سواء بالحرب الدائمة أو الإنتصار والأحادية الممرضة 

ولكن يتم السيطرة عليها في العالم المتحضر فلا مجال لعودة العبودية والتسلق     

من الأمثلة الحالية المؤسفة أن يعيش الإنسان في العالم المغلق المتخلف بثقافة العبودية والتسلق يفتخر بأفضليته الماضوية ولكن الأكثر أسفا هو أن يذهب ليعيش في العالم المتحضر حيث حرية أن يعتقد ما يشاء (ولكن دون فرضه علي الآخر ودون منع إنتقاده) ونجده لا يستطيع تحرير عقله من نظام سياسي مغلق متخلف بإسم الدين العددي الأفضل ويسعي لهدف وفرصة فرض خياله المتحكم أو المريض لتخليص العالم أو إمتلاكه

الإنسان في العالم المنغلق المتخلف بشكل عام مريض وليس مجرد فئة خاصة هو مريض بسبب النظام السياسي ويمرض العالم المتحضر 

العالم الثالث سلطة مركزية ونخبة منافقة مضللة وشعب مغيب أو تائه 

السلطة المطلقة مفسدة مطلقة أنتجت خرافات ماضوية:

خرافة دكتاتور عادل 

خرافة دين للدولة

خرافة الوطن أهم من المواطن

خرافة التمييز لصالح الكبار  

خرافة الحكم المركزي العسكري والديني والملكي القديم أفضل للوطن من الحكم المدني الحديث الذي يبدأ بمساواة الجميع وعدم حجب المعلومات ومحاسبة قمة السلطة

ثقافة المجتمع تتكون من القانون السائد لتتشكل في السلوك والتربية والوعي الجمعي هل القانون يطبق حقوق الإنسان والعلم أم العبودية والقهر 

 

مهمة المناداة بالتحضر في العالم المتخلف تأسيس للوعي بالعدل القانوني والعدالة الإجتماعية فلا يوجد مانع في الأديان والقوميات ولا سبب للتأجيل غير تحول العقل لإبادة الآخر والتعصب والتبرير والمزيد من المركزية والتخلف والإنغلاق

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in داليا عبد الحميد أحمد and tagged , , , , . Bookmark the permalink.