الإستشراق المعكوس.. والحالة المصرية

 د.رياض حسن محرم  

يعود الفضل الى المفكر اليسارى السورى “صادق جلال العظم” فى صك تعبيير “الإستشراق المعكوس”، وذلك فى نقده لبعض آراء المفكر الفلسطينى “ادوارد سعيد” عن الإستشراق، سعيد الذى يعد أشهر من بحث وكتب فى هذا المجال، ويحلل العظم موقف عدد من المستشرقين المحسوبين على اليسار من أمثال “فرانسوا بورجا” و”الان جريش” وغيرهم، من تعظيم مواقف تيار “الإسلام السياسى” باعتباره ألأكثر تعبيرا عن الهوية المشرقية فى مواجهة الأفكار الإمبريالية، وأن شعارات كالديموقراطية والحريات السياسية والنضال الحزبى والنقابى وتحرير المرأة والدفاع عن الأقليات، ماهى الاّ أفكار واردة من الغرب الإستعمارى وتعبير عن ثقافة وبيئة مغايرة للعالم الثالث وحركات التحرر الوطنى، ويرى المفكر السوري أن الاستشراق سقط في «تعظيم» لهذه الأنا الشرقية، وذلك بالتأكيد على الاختلاف الأساسي بين الشرق والغرب، وهذا ما أطلق عليه تعبير”الاستشراق معكوسًا“.

وفق العظم “لا يكمن الخلاص الوطني الذي ظل هؤلاء الذين يبحثون عن التنوير منذ الحملة النابليونية على مصر في القومية العلمانية، بأشكالها الراديكالية أو الليبرالية أو المحافظة، ولا يكمن في الشيوعية أو الاشتراكية أو ما شابه ذلك من النظم والدعوات، بل في العودة إلى الأصالة الإسلامية، وبخاصة كما تتجلى في الإسلام، ويعززالعظم طرحه ويلخص المواقف التي يرى أنها نتجت عن نقد إدوارد سعيد للاستشراق في ست نقاط:

  1. تناقُض الشرق والغرب بنيوي، ولا يقتصر فقط على الاختلاف الأيديولوجي
  2. تقدُّم الشرق لا يقاس بمعايير غربية، بل وفق خصوصيته الذاتية
  3. عدم القدرة على تفسير الشرق باعتماد نظريات علم الاجتماع الغربي
  4. محرك التاريخ في الشرق ليس ماديًّا، أي ثقافي وروحي ديني
  5. السبيل الوحيد لنهضة الشرق في التركيز على خصوصيته الثقافية والدينية، أو بمعنى آخر، لا خلاص خارج الإسلام
  6. الحركات التي ترفع شعار «العودة إلى الإسلام» تقدمية، لأنها تصارع المفاهيم الغربية التقليدية عن التقدم، وهي مفاهيم استشراقية إذا طُبقت على الشرق.

فى كتاب بورجا الشهير “الإسلام السياسي…صوت الجنوب”، يمجّد عاليا نماذج فجّة مثل “آية الله الخومينى” فى إيران، ولم يفصل حتى بين مراحل مختلفة فى حياة الرجل، كتلك المرحلة التى كان يحضّر فيها للثورة من العراق ثم من فرنسا، وتلك الفترة الأولى من تسلمه الحكم فى إيران، الأيام التى تحالف فيها مع اليسار والليبراليين، وظهر الى جانبه صادق قطب زادة والحسن بنى صدر وشريعة مدارى والمهدى بازركان وغيرهم من القوى التى تميل بدرجات الى اليسار، الفرق هنا أن الإستشراق التقليدى كان فى معظمه يرى فى الشعوب الشرقية كشعوب غارقة فى التخلف واتباع أفكار معادية للحضارة والتنوير، بينما ألإستشراق المعكوس ينظر باعجاب الى الشعوب الشرقية للأسباب نفسها “تقريبا” أى بصفتها ترفض الغرب الإستعمارى من خلال رفضها لنفس الأفكار.

لعله أحد أمراض ذلك النوع من الإستشراق، هو التحالف مع الفاشية الدينية من أجل مواجهة الامبريالية العالمية، ويمتد ذلك الى المهادنة مع القاعدة و”أسامة بن لادن” بصفته معاد للإمبريالية الأمريكية، لقد أدى تفكك اليسار خاصة فى بداية تسعينات القرن الماضى مع تفكك النموذج السوفييتى المثل والداعم لفصائل اليسار، أدى الى نمو النزعات الفردية وتجلى ذلك فى انفلات الإنتماءات وتبنى أنواع مختلفة وغريبة من التنظيرات لفئات محسوبة على اليسار، منها مجموعة صغيرة تؤمن بالنموذج الإيرانى وتوابعه فى رفع شعارات متشنجة فى العداء لأمريكا وإسرائيل تحت رداء ولاية الفقيه، ولأن اليسار المهزوم لم يعد صاحب مشروع شمولي فقد اختصر مشروعه في هدف واحد هو مقاومة الامبريالية. وشاء له الوهم أن يرى في حركات الفاشية الدينية الصاعدة بعد فشل المشروع القومي العربي القوة الوحيدة القادرة على مواجهة الامبريالية وهزيمتها، وعندما فرضت الخومينية الحجاب بالقوة على المرأة الإيرانية، كان المستشرقين فى اليسار الأوروبي يتجاهلون النظرة الأصولية المتخلفة التي ترى في المرأة عورة ورمزاً جنسياً للفتنة، ويرى في قرار فرض الحجاب تحريراً للمرأة من التسليع الغربي للمرأة، ليس المهم التخلف والرجعية الاستبدادية اللذين تقوم بهما حركات الاسلام السياسي ضد شعوبها المقهورة، المهم أن هذه الإجراءات مضادة للقيم الإمبريالية الغربية، أما الحداثة فلم تعد أسيرة للنموذج الغربي الذي يربطها بالتعليم والحرية السياسية وتحرير المرأة وفصل الدين عن السياسية وترسيخ الروح الفردية، فهناك “حداثات” أخرى تقتل المختلفين وتقطع يد السارق الفقير وترجم المتزوجة الخاطئة حتى الموت، وتفرض رأياً واحداً ومذهباً واحداً بقوة الحديد والنار وترمي بمعارضيها في السجون.

حسب هذا المفهوم فلا يجب أن نقيس تلك الأفكار بمقاييس المجتمعات الغربية، ولكن يجب قياسها بواقع المجتمعات الشرقية التى لا تنزعج من تلك الأفكار والممارسات ، التى تعبّر عنهم وتتساوق مع مواقفهم المعادية للغرب وحداثته المصطنعة، وترى أن الحرية الحقيقية هي أن تخضع الشعوب للقيم المسيطرة داخلها. فإذا كانت هذه القيم تقتل المعارض وتضرب المرأة السافرة وتذبح المفكر المتجرئ على نقد المقدسات فالتصرف المبدئي والأخلاقي الصحيح هو دعمها والدفاع عنها، إن سيد قطب وحسن نصر الله وأبو مصعب الزرقاوي وطارق رمضان وحسين الحوثي وراشد الغنوشي والخوميني هم الأبطال المستقلون الذين يحتفي بهم تيار الاستشراق المعكوس، أما بورقيبة واتاتورك وطه حسين ومحمد عبده ورموز التجديد الحداثي والليبرالي فهم مجرد وكلاء استعماريين لقيم الامبريالية التي يجب أن يتحالف اليسار”الإستشراق المعكوس” مع الفاشية الإسلامية لتجفيف منابعها في العالم الإسلامي، الان جريش في كتابه “الإسلام والجمهورية والعالم” يهاجم بعنف إحدى المعارضات الإيرانيات التي خلعت الحجاب وبالمصطلحات ذاتها التي تستخدمها السلفية الدينية الإسلامية، فالمسلمة الحقيقية بالنسبة إلى تيار الاستشراق المعكوس هي المرأة المحجبة عكس “المزيفات” بشعورهن المكشوفة وتنوراتهن القصيرة وشعاراتهن النسوية، وأيضاً يدافع عن الإسلام بمصطلحات الأصولية الإسلامية ذاتها، باعتباره ديناً تقدمياً لا يحتاج إلى إصلاح وأن كل الدعوات إلى إصلاح الإسلام وبخاصة في نظرته للمرأة والحريات والحداثة، مجرد دعوات مشبوهة من نخب متغربة، إلى جانب بورغا وغريش لمعت أسماء أخرى من المدرسة ذاتها مثل “ايان هاليفي”، تختصر هذه المدرسة العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي في نقطة واحدة هي “الاستعمار”، فالعالم الإسلامي ضحية الاستعمار الغربي الذي إلى جانب نهب مقدرات تلك الشعوب حاول نشر قيم الحرية والديموقراطية والمساواة وتحرير المرأة والعقلانية والتعددية السياسية. ولا سبيل للخلاص الكامل من الاستعمار عند بورغا وغريش وهاليفي، إلا برفض المسلمين لهذه القيم والعودة إلى قاموسهم السياسي الأصيل (الخلافة والشريعة والإمامة)، إنهم مؤمنون بقيم الديمقراطية والعلمانية والحرية، لكنهم يرونها قيماً خاصة بهم فقط ، وبحضارتهم فقط وبمجتمعهم الغربى فقط.

يشترك تيار الاستشراق المعكوس مع الأصولية الإسلامية في الإيمان بثلاثة أفكار رئيسية تحركها نظرية المؤامرة، الفكرة الأولى أن هناك مؤامرة غربية لتشويه الإسلام، وأن الإرهاب الإسلامي مجرد مقولات استخباراتية غربية لتشويه الإسلام وضرب المسلمين، والفكرة الثانية أن الإسلام على عكس المسيحية واليهودية لا يحتاج إلى عملية إصلاح ديني فهو الدين الخاتم المتمم للديانات الإبراهيمية، وأن دعوات تجديد الإسلام دعوات مدعومة من النظم الغربية، والفكرة الثالثة أن سبب تخلف المسلمين خارجي وهو الاستعمار، إنهم يعتبرون أن أهم المنجزات الإسلامية تكمن في العلوم البحتة كالرياضيات و الكيمياء و الطب، أو في الفلاسفة المسلمين الذين أسهموا في “نقل التراث اليوناني” و شرحه، متغافلين عن أن أهم ما طوّره علماء الإسلام هو إسلوب الفقه القائم على الإستنباط وفي الجدل العقليّ العميق، ولكنه للأسف كان محكوما بسقف دينى مغلق لا يستطيع تجاوزه، وهذا التحليل يهب إلى البرجوازية الأوروبية شرعيتها التي تتمناها.

المشكلة بدأت فى أن الديموقراطية رُفضت طوال النصف الثاني للقرن العشرين من قبل أغلب التيارت الفكرية والسياسية العربية في السلطة والمعارضة، رفضها القوميون بحجة أسبقية الوحدة على الحرية، ورفضها الاشتراكيون والماركسيون بحجة أولوية الديموقراطية الاجتماعية على الديموقراطية السياسية. ورفضها الإسلاميون بحجة إلهية الشورى الإسلامية وبَشرية الديموقراطية الغربية، ولكن بعد انهيار المعسكر الشيوعي، صارت الديموقراطية حديث الجميع حتى الإسلاميين كأداة للوصول للحكم، وظلت النخب السياسية والفكرية تتبنى نظرية “الاشتراطات المسبقة” التي ترى أن الديموقراطية لن تتحقق في أي مجتمع إلا إذا تحققت الشروط التاريخية التي ظهرت في بيئتها الأصلية الأوربية: ثقافة مدنية، واقتصاد قوي، وبرجوازية متطورة وصلبة، وفصل واضح بين الدين والسياسة، وبسبب خصوصية المنطقة العربية فإن هذه الاشتراطات لن تتحقق قريبا وربما لن تتحقق أبدا، والنتيجة المنطقية لذلك أن الديموقراطية العربية بعيدة أو مستحيلة، من هنا جاءت أفكار “الإستشراق المعكوس” فى عقيدة “الطبائع الثابتة” و”الهويات الثابتة” للشعوب. فالوطن العربي له هويته الثابتة في الدين والمذهب والعشيرة. وله نمطه السياسي في دولة الخلافة، وله ثقافته الجمعية المحافظة غير القابلة للتغيير ولا لاستيعاب مفاهيم الفردية والحريات المدنية وحقوق الإنسان.

هذا ما يخصّ الغرب باستشراقه ومستشرقيه، ولكن هنا فى واقعنا فإن بعض المحسوبين على اليسار يتبنون أفكار مثيله لتلك الأفكار من تأييدهم لأفكار مذهبية شيعية تتلاقى مع اليسار فقط فى العداء لأمريكا وإسرائيل ولكنها شديدة التخلف على جميع المستويات.

السلام عليكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged , , . Bookmark the permalink.