طقسـة فـتــح الفــم – الفصل الأول

(مغزاها، كهنتها، معبوداتها، وأدواتها)

مرفت عطية جرجس  

﴿ الفصـل الأول ﴾

أولاً: التعريـف بطقسـة فتـح الفـم

ثانياً: أصـل طقسـة فتـح الفـم

ثالثاً: الغـرض مـن ممارسـة هـذه الطقسـة ومغـزاها الـدينـي

أولاً: التعريـف بطقسـة ’فتـح الفـم‘:-

’طقسـة فتـح الفـم‘ The of Opening of the Mouth هي طقسة من أهم الطقوس المصرية القديمة، والتي تؤدّي إلى بعث المتوفى أو تمثاله إلى الحياة حيث أنها تعمل على إعادة الحياة للمتوفى ’تُحيي المتوفى‘ وتجعل الروح قادرة على أن تستقر في الجسد مرة أخرى ([1]).

كما تُعيد تلك الطقسة للمتوفى القدرة على استخدام حواسه مرة أخرى بواسطة وسائل سحرية ([2]). حيث أنه عن طريق السحر، فالتعاويذ السحرية تدبُّ الحياة مرة أخرى في حواس المتوفى وهي الرؤية، السمع، الكلام، اللمس، والتذوق. وذلك من خلال تلك الطقسة ([3]).  ويتضح من ذلك أن هذه الطقسة في جوهرها سحري، تحاول التأثير على تمثال المتوفى لكي يحصل (يحدث) التأثير على جثة المتوفى ([4]).

تلك الطقسة قد ظهرت من عصور ’عتيقـة‘ – وأول إشارة إليها كانت في مقبرة ’متـن‘ من الأسرة الرابعة – كما وُجِدت في ’متـون الأهـرام‘ وفي المقابر الخاصة بالدولتين ’القديمة‘ و’الوسطى‘ ([5]).

وفي ’الدولـة الحديثـة‘ -وُجِدت الطقسة بشكل كبير– ووصلت إلى صورتها الكاملة. كما ظهرت في الأسرتين ’التاسعة عشرة و’العشرين‘ وكذلك في الأسرة ’الخامسة والعشرين‘ والعصر ’الصاوي‘، واستمرت هذه الطقسة في العصرين اليوناني والروماني ([6]).

ويُعتبر آخر ما سُجِّلَ عن تلك الطقسة ’برديـة‘ بمتحف ’اللوﭭـر‘ ترجع للقرن الثاني الميلادي ([7]).

الكلمـات الدالـة على فـح الفـم:-

 (wp-r (A  ومعناها هو:

  • فتـح الفـم نفسه – لكي يتحدث ’يخرج الكلام‘ يتكلم.
  • فتـح الفـم مع حرف الجر m للإطعام – للأكل أو الشرب أو الاثنين معاً.
  • فتـح الفـم للمومياء أو التمثال للأكل والشرب – ومع حرف الجر m كمعنى رمزي يتعلق بفتـح الفـم.

wpt-rA – مع    ’تاء التأنيث‘ تُعبّر عن شعيرة أو طقسة ’فتـح الفـم‘.

wp-irty  ’فتـح العينين‘ – أي فتح أعين التمثال أو المومياء كشعيرة أو طقسة.

wp-Xt   ’فتـح الجسـد‘ – أي إعادة البعث للجسد (الميلاد الجديد) ([8]).

كما عُبِّرَ كذلك عن طقسة فتح الفم بـ  wn-rA ’فتـح الفـم‘ ([9]).

ويبدو أن هذه الشعيرة من خلال أسمائها وممارستها، لا تتعلق بالفم فقط، إنما هي تعمل أيضاً على إيجاد وإحياء القوى الحيوية بكيان إلهي أو آدمي، لذلك لا نستطيع اعتبارها فتح الفم فقط ([10]).

وقد أشارت ’تحفة حندوسة‘ إلى أن هذه الطقسة ليست فقط طقسة لفتح الفم؛ على الرغم من أن اسمها wp-r(A)   ’فتح الفم‘، لكن هي تشمل كذلك كل حواس المتوفى التي ترجع له، وذلك لكي يكون حياً في العالم الآخر ويتقبل القرابين التي تكون مُقدّمة أمامه، لذلك فإن كل شخص يتمنى أن تتم له طقسة فتح الفم لأنه سيحيا من جديد ([11]).

وطقسة ’فتـح الفـم‘ كانت تؤدى على مومياء المتوفى نفسه وعلى تمثال المتوفى ([12]). تلك المومياوات والتماثيل التي كانت تجتاز أو تخضع لتلك الطقسة، كانت تتحوّل إلى أواني للـ kA ’كـا‘ الخاصة بالمتوفى، وكانت تؤدى تلك الطقسة في العديد من الأماكن المختلفة ومنها ’بيـت الذهـب‘ (pr-nwb) نفسه إلى ورش النحاتين أو المحنطين ([13]).

وكانت تؤدى هذه الطقسة غالباً على تمثال للمتوفى، ثم صار من المعتاد بعد ذلك منذ الأسرة ’الثامنة‘ أن تُستبدل المومياء الفعلية بالتمثال، وكانت المومياء توضع في تابوت على شكل آدمي (هيئة آدمية) وتوضع بشكل عمودي عند مدخل المقبرة ويمسكها كاهن متنكر في صورة ’ابـن آوى‘ متقمصاً شخصية المعبود ’إنـﭙـو‘ (أنوبيس)، ثم يقوم كاهنان يُعرفان بلقب ’(الكاهن) سـم‘ و’(الكاهن) الابـن الذي يُحبـه‘ بلمس فم المومياء بأدوات مختلفة شكل بعضها بصورة الأزميل أو المنحات وتمائم أخرى، وبذلك يستعيد المتوفى حواسه ([14]).

ونجد هنا أن طقسة ’فتـح الفـم‘  تتكوّن من عدّة أفعال يحتل فيها  ’فتـح الفـم‘ نقطة مركزية، ويُسـتهلْ ويُختتـمْ بشـعيرتين هما:

’الاغتسـال الهليوﭙوليتاني – التطهّـر‘ ومراسـم ’وضـع الملابـس‘ التي تتبعها ’الوجبـة المقدسـة‘ التي كانت الأساس لهاتين الشعيرتين ([15]).

تتضمن الطقسة أكثر من مائـة دورة طقسية أخرى: كـ’التطهيـر‘ و’التبخيـر‘ و ’الدهـان‘ بالزيت عدّة مرات (كما في الطقس الإلهي)، ولمس الوجه بأكثر من أداة ([16])، وأكثر هذه الأدوات أهمية هي: قـدوم (Adze)، أزميل المنحات (Chisel)، عصا برأس ثعبان، وأداة متشعبة تُدعى (psS-kf)  ([17]).

ويُردد الكاهن وهو يلمس وجه المتوفى بتلك الأدوات:-

’ أنا أفتح فمـك لكي تستطيع أن تتكلم، وأفتح عينيـك لكي ترى رع، وأُذنيـك لكي تسمع تبجيلك، وقدميك لكي تكون قادراً على السير، قلبـك وذراعيـك لكي تدرأ بهما خطر أعدائك ‘.

وبذلك يتضح دور الفم بالنسبة للمرء في مصر القديمة ([18]).

وبعد ذلك يتم ذبـح ثـور وتقديـم سـاقه الأماميـة ’رمز القوة الجسدية‘ إلى التمثال أو المومياء ([19]).

وأخيراً تُقام وليمـة كبيـرة للمتوفى على مائـدة القرابيـن Sacrificial Table مُشتملة على ’خبـز، لحـم، نبيـذ، فاكهـة وخضـروات‘ ، ثم يُستدعى المتوفى بواسطة الكاهن ليتناول تلك القرابين، وذلك مصحوب بترتيل لـ ’تعويـذة القرابيـن‘ وهي:

’ انهـض – أوزيـر – خُـذ مقعـدك – مكانـك – أمـام تلـك القرابيـن ‘  ([20]).

وكانت أصناف الطعام التي تحتويها تلك التعويذة تُكتب على جدران المقبرة.

وتنتهي طقسة ’فتـح الفـم‘ بطقسة أخرى بعد إدخال المومياء في غرفة الدفن، ألا كنس الأرض لإزالة آثار الأقدام قبل أن تُغلق المقبرة، وكانت هذه الطقسة تُسمى ( int rd ) بمعنى حرفي ألا وهو طقسـة ’جلـب القـدم‘ ، ولكن ما يُفعل فيها هو إزالة آثار الأقدام ([21]).

ثانياً: أصـل طقسـة ’فتـح الفـم‘:-

إن طقسة ’فتـح الفـم‘ – وهي طقسة جنائزية – يبدو أنها استمدت من طقس المعبد Temple Ritual ([22]). وكما سلف ذكره، فإن طقسة ’فتـح الفـم‘ استمدت من طقوس المعبد التي تشتمل بصورة أو بأخرى على هذه الطقسة، كما أن طقوس ’فتـح الفـم‘ وطقوس المعبد اليومية من الناحية العملية متماثلين، فكلاً منهما يشتمل على تزيين مُتقن ومُفصّل toilet يتبعه تقديم وجبه للتمثال ([23]).

ويذكر Otto ’أوتـو‘ أن طقوس ’فتـح الفـم‘ هي عبارة عن مجموعة مختلطة من التعاويذ قد اُشتِقت من ست طقوس منفصلة وهي ([24]):-

  • طقسة تمثال. والتي تُشكّل أقدم وأكثر جزء أساسي في شعيرة فتح الفم، وقد توسعت تلك الطقسة وزادت بـ:
  • طقسة قرابين.
  • طقسة تحنيط.
  • طقسة جنائزية.
  • طقسة ذبح.
  • طقسة معبد.

ومن ناحية أخرى يرى Roth ’روث‘ أن ’فتـح الفـم‘ هي طقسة من العقيدة الجنائزية المصرية تُعيد تمثيل انتقالات وتحولات الولادة والطفولة، لكي تجعل المتوفى -الذي سيُبعث من جديد- كامل النمو بدرجة كافية، وذلك لكي يتناول الطعام الخاص بالبالغين (Adult Meal). و ’فـتـح الفـم‘ الذي يحتل نقطة مركزية في تلك الطقسة يؤدى ليُحاكي ويُقلّ عملية تنظيف فم المولود الجديد بالأصابع الصغيرة ([25]) (سيرد الحديث عنها في الفصل الثالث) ، أي أن:-  ’شـعيرة فتـح الفـم‘  قد اُستمدت من طقسة بها سلسلة من الأعمال والتعاويذ التي تهب المولود القدرة على تناول الغذاء وبالتماثل والتشابه … نفس ’الطقسة‘ سوف تجعل الشخص المتوفى -الذي سيُبعث من جديد- قادراً على أن يتناول الطعام الفعلي والرمزي ([26]). وأن طقسة ’فتـح الفـم‘ كانت في الأصل تتم لـ ’تماثيـل الأربـاب‘ حيث أن أساس هذه ’الطقسة‘ لم يكن يحدث للأموات وإنما أول ما أُجرت هذه الطقسة فقد أُجرت على تماثيل المعبودات ([27]). وذلك لجعل الحيـاة تـدب فيهم، وجعلهم فعّاليـن ليتناولـوا القرابيـن التي تُقـدّم أمامهم يوميـاً ([28]).

ثالثاً: الغـرض من ممارسـة هذه الطقسـة ومغـزاها الـدينـي:-

إن الجسم الذي لا حراك فيه يجب أن تُعاد إليه الحياة وتُعاد إليه القدرة على استخدام أعضائه وحواسه، لذلك تؤدى طقسة ’فتـح الفـم‘ لكي تُعيد هذه الحواس وتجعل له القدرة على الكلام ([29]).

حيث أن تلك الطقسة تهدف إلى إحياء شخص (كينونة) ليس له حياة، سواء كان جُثـّة (مومياء) أو تمثـال للمتوفـى أو تمثـال للمعبـود ([30]).

وكان الغرض منها جعل تماثيل الأرباب والموتى -على حدٍ سواء- قادرة على تناول القرابين([31]).

ويتضح من عنوان هذه ’الطقسة‘ الدينية القديمة إنها كانت تمنح الشخص الذي يعيش في الحياة الأخرة قُدرة كاملة على استعمال فمـه ليشـرب ويأكـل ويُرشـد النـاس ([32]).

وهنا نعرف أن الهدف من هذه ’الطقسة‘ هو: أن يستعيد المتوفى السمع والإبصار والكلام، أي يعود إلى حالته الأولى التي كان عليها قبل الموت عن طريق السحر ([33])، أي إعادة كل حواس المتوفى ووظائفه الجسدية إليه ([34])، وذلك لكي يستعيد المتوفى قدرتـه على تسلم الطعام الذي يُقدّم له في العالم الآخر ([35]). ويذكر ’تشرني‘ .. أن لم يكن المقصود بطقسة ’فتـح الفـم‘ مُجرّد إعداد الفم لتناول الطعام والحديث، وإنما أيضاً إيقاظ كل أحاسيس المتوفى؛ فـ ’العينـان‘ يجب أن ينفتحا على حقيقة العالم الآخر، حيث يُمكنها أن تـرى الآلهـة الحيـة. كما أنه يُمكن ممارسة  ’فتـح الفـم‘ على التماثيل تماماً كالمومياء الفعلية فتبثُّ فيها الحياة مثلها، وهو إجراء ضروري للتمتع بالقرابين والخيرات ([36]). فالكاهن هنا يقوم بعملية ’فتـح الفـم‘ للمتوفى بغرض البعث لكي يكون حيـاً في العالم الآخر ويتقبّل القرابين التي تُقدّم له.

وهنا نجد أن المغزى والغرض الديني من تلك ’الشعيرة‘ هو:

إنها تعمل على إعادة الحياة لكل الأموات، سواء كانوا ’ملـوك‘ أو ’أشـخاص عادييـن‘، لكي يتقبلـوا القرابيـن ويحيـوا من جديـد في العالـم الآخـر ([37]).

———————————-

[1]  J. H. Taylor, A Mummy (London, 1995), 68.

[2]  M. Lurker, The Gods and Symbols of Ancient Egypt (London, 1982), 91.

[3]  G. El-Mahdy, Mummies, Myth and Magic in Ancient Egypt (London, 1989), 113.

[4] خزعل الماجدي، الديـن المصـري، 242.

[5]  E. Otto, Das Ägyptische Mundöffnungsrittual, ÄA 3 (1960), 4-8.

[6]  T. J. C. Baly, ‘Notes on the Ritual of Opening the Mouth’, in: JEA 16 (London, 1930), 174.

[7]  R. Greishammer, ‘Mundöffnungsrittual’, in: LÄ IV (1982), col. 224.

[8]  Wb. I, 300.

[9]  G. Jéquier, ‘Ap-Ro’, in: BIFAO 19 (1921), 170.

[10] إيـﭭـان كونـج، السـحر والسـحرة عنـد الفراعنـة، مترجم (القاهرة، 1999)، 307.

[11] تحفة حندوسة، محاضرات في مادة الآثار المصرية القديمة، كلية الآثار-جامعة القاهرة (العام الجامعي، 2001-2002).

[12]  E. A. W. Budge, Egyptian Magic (London, 1975), 192.

[13]  I. Shaw & P. Nicholson, British Museum Dictionary of Ancient Egypt, 211.

[14] أ. ج. سبنسر، الموتى وعالمهم في مصر القديمة، 54.

[15] ياروسلاف تشرني، الديانة المصرية القديمة، 142.

[16] ﭽورﭺ بوزنر وآخرون، معجم الحضارة المصرية القديمة، 187.

[17]  J. H. Taylor, A Mummy, 68.

[18]  H. Bonnet, Reallexikon der Ägyptischen Religionsgeschichte (Berlin, 1952), 487.

[19]  M. Lurker, The Gods and Symbols of Ancient Egypt, 91.

[20]  E. Strouhal, Life of The Ancient Egyptian (Cairo, 1996), 265.

[21] أ.ج.سبنسر، الموتى وعالمهم في مصر القديمة، 54؛ للمزيد عنها راجع: محمود محمد الجبلاوي، طقسـة جلـب القـدم int  rd، رسالة ماﭽستير غير منشورة، كلية الآثار (جامعة القاهرة، 2005م).

[22]  G. Pinch, Magic in Ancient Egypt (London, 1994), 152.

[23]  A. M. Blackman and H. W. Fairman, ‘The consecration of an Egyptian Temple according to the use of Edfu’, in: JEA 32 (re-ed. 1982), 84-86.

[24]  E. Otto, Das Ägyptische Mundöffnungsrittual, 2.

[25]  A. M. Roth, ‘The psS-kf and the Opening of the Mouth Ceremony: A Ritual of Birth and Re-birth’, JEA 78 (1992), 127-129.

[26]  A. M. Roth, ‘Fingers, stars, and the Opening of the Mouth: The Nature and Function’, JEA 79 (1993), 57.

[27]  A. M. Blackman and H. W. Fairman, in: JEA 32, 85.

[28]  S. Quirke, Ancient Egyptian Religion (London, 1992), 93.

[29] ﭽيمس هنري برستد، تطور الفكر والدين في مصر القديمة، 96-97.

[30]  A. Schulman, ‘The Iconographic Theme Opening of the Mouth on Stelae’, JARCE 21 (1984), 171.

[31]  H. Bonnet, Reallexikon der Ägyptischen Religionsgeschichte, 487.

[32] ﭽورﭺ بوزنر وآخرون، معجم الحضارة المصرية القديمة، 187.

[33] أ. ج. سبنسر، الموتى وعالمهم في مصر القديمة، 54.

[34]  E. Strouhal, Life of The Ancient Egyptian, 265.

[35] خزعل الماجدي، الديـن المصـري، 242.

[36] ياروسلاف تشرني، الديانة المصرية القديمة، 147.

[37] تحفة حندوسة، محاضرات في مادة الآثار المصرية القديمة، كلية الآثار-جامعة القاهرة (العام الجامعي، 2001-2002).

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, مرفت عطية جرجس and tagged , , , . Bookmark the permalink.