طقسـة فـتــح الفــم – تمهيد

(مغزاها، كهنتها، معبوداتها، وأدواتها)

مرفت عطية جرجس 

تمهيـــــد

أخذت الديانة المصرية القديمة -حين نشأتها وفي مراحل طويلة من تاريخها البعيد- بتعـدد المعبودات، وتنـوع المعتقدات، شأنها في ذلك شأن مثيلاتها من الديانات الوضعية القديمة، ولكنها ظلّت أغنى من غيرها في وفرة نصوصها، ووضوح قضاياها، وثباتها على مبادئها، ثم رُقي تطوراتها التي انتقلت فيها من عقائد التعدد إلى صور مختلفة من أفكار التوحيد ([1]).

فلقد كانت الديانة المصرية القديمة هي منبع الحضارة، وبصفة عامة فإن أي ديانة لأي شعب من الشعوب تُمثّل شيئاً معقداً ومركباً – خصوصاً الديانة المصرية القديمة، ويرجع ذلك إلى التنوع والغنى في الحضارة المصرية نفسها – بالإضافة إلى ذلك فإن الديانة المصرية القديمة متشعّبة ومؤثرة في نفوس المصريين وتُشكّل كل أوجه الحياة ([2]).

لقد كان الشعب المصري القديم من أشد شعوب العالم القديم تديناً يؤمن بما يشهده بل وربما بما يتخيله أيضاً، ولقد أراد الكهنة منذ عصورهم الأولى أن ينظموا الدين ويجعلوه علماً يُدرس كباقي العلوم واختاروا المعابد لتدريس هذه العلوم (الطقوس) ([3]).

ورَدَّ المصريون الأوائل كل ظاهرة حسية جزئية تأثرت بها حياتهم إلى قدرة علوية أو علة خفية تحركها وتتحكم فيها وتستحق التقديس من أجلها، الأمر الذي أفضى إلى كثرة ما قدسوه من العلل المستترة والقوى الربانية المتكفلة بالرياح والأمطار وظواهر السماء وبجريان النيل وتعاقب الفيضانات وتجدد خصوبة الأرض ونمو النبات وخصائص الخصب النوعي في الإنسان والحيوان، والمتسببة أيضاً فيما اتصفت به كل بيئة محلية في أرضهم من صفات بل والمقدرة لما تميزت به حضاراتهم في مجملها من خصائص سمت بها عن بقية الحضارات المعاصرة لها كمزايا التبكير بالكتابة والحساب والحكمة والفنون وما يشبهها من آيات أكبروها فردّوا خلقها ورعايتها إلى قدرات علوية سامية فاقت قدرات البشر. ولما كانت هذه القوى خفية يحس الناس بآثارها وفاعلياتها ولكنهم لا يرون هيئاتها، ربط المتدينون منهم بين تصوراتهم العقائدية الذهنية وبين علامات كثيرة من عالم الواقع والمحسوسات بروابط الأسباب والنتائج، فرمزوا إلى كل قوة عليا وعلة خفية تخيلوها برمز حسي يُعبّر عن سر من أسرارها ويحمل صفة من صفاتها، والتمسوا أغلب رموزهم تلك فيما عمَّرَ بيئتهم من كائنات وأشياء وحيوانات وطيور وأشجار وزواحف ([4]).

فكـرة البعـث لـدى المصـري القديـم:

علينا أن نعرف أولاً أنه ما من شعب على مر التاريخ كالمصريين، اهتم بالعقائد الجنائزية (ما بعد الموت) ورصد لها كل هذا الإرث المتميز من تراثه الديني والروحي، ويبدو لنا أن هناك سببين هامين وراء ذلك وهما:- السبب الموضوعي يكمن في بيئته وأرض مصر ومُناخها الذي يحفظ جسد المتوفى إلى أقصى درجة ممكنة، أما السبب الذاتي فكان في الفكر الديني المصري الذي كان لا يُفرّق كثيراً بين الأرباب والإنسان ([5]).

وأن الموت ما هو إلا حاجز بين عالمين متصلين، وهما عالم الحياة وعالم الآخرة. وهكذا نظر الدين إلى الأرباب والناس (الأحياء) والموتى كأنهم مجتمع واحد، ولذلك اخترع ما يُناسب هذه الفكرة من دعائم شكّلت فيما بعد عقائد ما بعد الموت (العقائد الجنائزية) ([6]).

وقال “هيرودوت”، المؤرخ اليوناني (الإغريقي) القديم أن المصريين هم “أول الشعوب الذين اعتقدوا بخلود النفس” ([7]). فقد كان المصريين القدامى الأوائل من أوائل الأمم -وإن لم يكونوا أوّل أمة- آمنت بالبعث والخلود بعد الموت في حياة قد لا تختلف في جوهرها عن حياتهم في العالم الدنيوي. وقد سيطر الدين على المصريين وأثّرَ في حياتهم وتفكيرهم، فالدين كان ولا يزال أكبر قوة تُؤثّر في حياة الإنسان، كما أنه كان يحاول تفسير الظواهر المحيطة به ذلك التفسير الذي أوحى إليه بفكرة الخلود أو الحياة بعد الممات ([8]).

ونعرف أنه لا يوجد شعب قديم أو حديث أعطى فكرة الحياة فيما بعد الموت أهمية كتلك التي أعطاها قدماء المصريين لها ([9]). فقد طمعت أغلب شعوب العالم القديم في الخلود واستمرار أو استئناف الحياة بعد الممات، ربما بما لا يقل كثيراً عما طمع فيه المصريين القدماء، ولكن بينما رتبت تلك الشعوب طمعها في الخلود على الأمل وحده ووقفت عنده، رتّبَ المصريون القدامى طمعهم فيه على المنطق والعمل والأمل والعقيدة في آنٍ واحد، وكانوا أول أُمة آمنت بالبعث والخلود من تلقاء نفسها ([10]). وبذلك فقد اعتقد المصريون بحياة أخرى بعد الموت وأنه كان يوجد تصوّر لدى المصريين بأن الشخص المتوفى كان حي ومفعم بالحيوية والنشاط بعد الموت ويُدعى الـ bAبـا” أي “الروح”، كما أن هناك اعتقاد آخر بأن المتوفى بعد الموت يتحوّل إلى Ax “آخ” Transfigured-spirit أي روحاً نورانية شفافة، ومن هنا فقد اعتقد المصريون أن الموت مجرد مرحلة انتقالية من حياة مؤقتة للإنسان إلى المساهمة والمشاركة في الحياة الأبدية للكون والجنس البشري بعد الموت، والموت كان مجرد حاجزاً يفصل عالماً واحداً عند المصريين، لأن الموت لم لكن نهاية الحياة بل استمراراً لها في عالم آخر لا يختلف في جوهره عن عالم الحياة ([11]).

لقد كان الشعب المصري يختلف عن غيره من الشعوب في عنايته التي كان يوجهها لموتاه – هذه العناية قد أخذت تزدهر وتزداد بازدهار الحضارة المصرية حتى بلغت حد المغالاة – يُضاف إلى هذه التدابير الطقـوس العديـدة التي كانت تؤدى عند إعداد الجثة ودفنها ([12]).

وكان الإنسان عندما يموت، يحمله أهله أو أقرباؤه إلى المحنطين الذين يعرضون ثلاثة نماذج مصنوعة من الخشب تُمثّل الأنواع الثلاثة من التحنيط، وأغلى هذه الطرق تلك التي تتبع طريقة تحنيط أوزير(يس) والثانية والثالثة لا تُكلّف إلا مالاً قليل ([13]). بعد التحنيط يُحمل المتوفى إلى المقبرة باحتفال تختلف عظمته باختلاف مكانة صاحبه الاجتماعية، كما اختلفت طرق التحنيط للمتوفى؛ فالاحتفال بدفن الملك كان له مراسيم خاصة غاية في العظمة والأهمية، أما عُلية القوم والطبقة المتوسطة فكان يُحتفل بدفنهم في مشهد رائع يُمكن تلخيصه فيما يلي ([14]):-

بعدما يتم التحنيط تؤخذ المومياء من يد المحنطين في موكب مع الأثاث الجنزي إلى المقبرة، وهذا الموكب يشتمل على عائلة وأصدقاء المتوفى والكهنة ([15]). وقد صاحب دفن المتوفى وأثاثه الجنزي عدد من الشعائر التي كانت تُمارس خارج المقبرة حيث اتخذ نقل المومياء إلى المقبرة شكل موكب شعائري يبدأ من الشرق ثم يعبر النيل إلى الجبانة على الضفة الغربية ([16]). هذا الموكب مُكوّن من عدة قوارب تعبر النيل حيث واحد يحمل تابوت المتوفى ومتعلقاته ’صندوق الأحشاء‘ Canopic Jar بينما تحمل بقية القوارب المُتاع الجنائزي وأهل المتوفى ([17]). وعندما يصل التابوت إلى الشاطئ الغربي للنيل كان يُجرّْ على زحافة تجرّها الأبقار ويجتمع المُشيّعون في جماعات حول التابوت يتبادلون التعازي مع أصدقائهم، ويسير الموكب في طريقه ببطء حتى يصل إلى الجبانة ([18]). ويُرافق التابوت ’سـيدتان‘ تجسدان المعبودتين ’إيزة‘ (إيزيس) و ’نبت-حت‘ (نفتيس) وتسميان ’الحـدآتيـن‘ تنحني إحداهما على رأس الموتفى والثانية على قدميه ويتبعهنا النائحات ويتبع التابوت جماعة من نساء آخريات منهن -كما سبق أن ذكرنا- النائحات المحترفات يمشين بصراخ بصوتٍ عالٍ ويذرفن الدموع ويضربن على أجسادهن ويضعن التراب على رؤوسهن وملابسهن ([19]). ويمشى كذلك في الموكب الكهنة يحرقون البخور على التابوت ويرتلون الأناشيد الطقسية والتراتيل الحزينة على المتوفى ([20]). وغالباً ما كان يسبق التابوت طائفة من الراقصين يُسمّون بـ ’مـوو‘ يقومون برقصة دينية للمتوفى بملابس خاصة ([21]).

وعند بلوغ المقبرة -تبدأ المرحلة الأخيرة- سلسلة جديدة من الطقوس كانت تتم بواسطة الكهنة، منها صلوات وتعاويذ سحرية عند الدفن، وكانت منهم واحدة وهي ’شـعيرة فتـح الفـم‘ The Ceremony of Opening of the Mouth والتي كانت تُعيد الحياة إلى جسم المتوفى – وبعدها تركع الأرملة أمام التابوت وتبكي وتمسكه بذراعيها كما لو كانت تحاول استبقاء المتوفى في الدنيا ([22]). وهذه الإشارات الرمزية إلى “فتح الفم” وتنشيط الحواس وما إلى ذلك، مما ابتدعه الكهان وبرعوا فيه واعتمدوا في معايشهم عليه ([23]). وآخر طقوس الموت هو طقس كسر الفخار الذي كان الغرض منه عدم عودة الموتى إلى بيت الأحياء ومضايقتم. وبعد أن تنتهي كل هذه المراسيم والشعائر، يوضع التابوت في حجرة الدفن وتُملأ البئر المؤدية إليها بالحصى والأتربة وبعد ذلك يُترك المتوفى ليذهب إلى حياته الأخرى التي سيحياها من جديد في العالم الآخر ([24]).

ولم تكن للخطوات السابقة من أثر في عُرف المصريين إلا بفضل ما يُتلى عليها من تراتيل السحر والعقائد عند الوفاة، وعند الغسل والتطهير، وعند الدفن، وعند تقديم القرابين، وعند إجراء الصلوات في مقاصير المقابر وهياكل المعابد ([25]).

وقد خصصت هذا البحث لدراسة واحدة من الشعائر الجنائزية، ألا وهي شـعيرة (طقسـة) فتـح الفـم (wp-rA)، من حيث: التعريف بها، أصلها، الغرض من ممارستها، لِمَنْ كانت تُقام هذه الطقسة، كهنتها (القائمون عليها)، المعبودات التي ارتبطت بها، والأدوات المُستخدمة فيها.

—–

[1] عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم – مصـر، الجزء الأول (القاهرة، 1991)، 355.

[2]  R. Clark, Myth and Symbol in Ancient Egypt (London, 1960), 26.

[3] فرنسيس عبد الملاك غطاس، الديانـة عنـد قدمـاء المصرييـن، مترجم (القاهرة، 1975)، 2-4.

[4] عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم – مصـر، ج1، 355.

[5] خزعل الماجدي، الديـن المصـري (القاهرة، 1999)، 191.

[6]  I. Shaw and P. Nicholson, British Museum Dictionary of Ancient Egypt (London, 1995), 104.

[7] هيـرودوت يتحـدث عن مصـر، ترجمة: صقر خفاجة، تقديم وتعليق: أحمد بدوي (القاهرة: دار القلم، 1961)، 146.

[8] محمد بيومي مهران، الحضارة المصرية القديمة، الجزء الثاني (الإسكندرية، 1989)، 483.

[9] ﭽيمس هنري برستد، تطور الفكر والدين في مصر القديمة، مترجم (القاهرة، 1961)، 85.

[10] عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم – مصـر، ج1، 365.

[11]  H. Frankfort, Ancient Egyptian Religion (New York, 1961), 96.

[12] أدولف إرمان، ديانة مصر القديمة، مترجم (القاهرة، 1995)، 284، 298.

[13] خزعل الماجدي، الديـن المصـري، 239.

[14] سليم حسن، ’الحياة الدينية وأثرها على المجتمع‘، في: تاريخ الحضارة المصرية، المجلد الأول: العصر الفرعوني (القاهرة، د.ت)، 233.

[15]  S. Ikram and A. Dodson, The Mummy in Ancient Egypt (Cairo, 1998), 16.

[16] أ. ج. سبنسر، الموتى وعالمهم في مصر القديمة، مترجم (القاهرة، 1997)، 52.

[17]  A. S. Mercatante, Who’s who in Egyptian Mythology (New York, 1978), 47.

[18] ﭽورﭺ بوزنر وآخرون، معجم الحضارة المصرية القديمة، مترجم (القاهرة، 1962)، 169.

[19] ياروسلاف تشرني، الديانة المصرية القديمة، مترجم (القاهرة، 1996)، 145.

[20] سليم حسن، ’الحياة الدينية وأثرها على المجتمع‘، في: تاريخ الحضارة المصرية، مج1، 234.

[21] خزعل الماجدي، الديـن المصـري، 242.

[22]  A. S. Mercatante, Who’s who in Egyptian Mythology, 48.

[23] عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم – مصـر، ج1، 369-370.

[24] خزعل الماجدي، الديـن المصـري، 243.

[25] عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم – مصـر، ج1، 370.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, مرفت عطية جرجس and tagged , , . Bookmark the permalink.