ضد الحرب على اليمن.. وضد الحوثيين

 د.رياض حسن محرم  

(إن كان نسيتوا اللى جرا.. هاتوا الدفاتر تنقرا) مثل مصرى

كانت اليمن هى البلد الثالث بعد تونس ومصر التى تحتضن ثورة للشباب فى عام 2011، حيث إندلعت تلك الثورة ذات الطابع الشبابى يوم 11 فبراير، وهو نفس اليوم الذى أعلن فيه “حسنى مبارك” تنحيه عن الحكم، بعد 18 يوما من الثورة ضده، بينما ثار شباب اليمن ضد حكم “على عبد الله صالح” الذى حكم اليمن ل33 عاما، بدأت الاحتجاجات من جامعة صنعاء بمظاهرات طلابية وآخرى لنشطاء حقوقيين نادت برحيل صالح، رافقها اعتقال عدد من الناشطين والمتظاهرين، بينما أعلن صالح” بنفس طريقة مبارك” أنه لن يرشح نفسه لفترة رئاسية جديدة ولن يورث الحكم لإبنه أحمد، وفي بدايات شهرمارس، بدأ الأمن المركزي باستعمال العنف ضد المتظاهرين، وفي 18 مارس، في ما عرف بجمعة الكرامة قتل أكثر من 52 شخص برصاص قناصة تابعين للنظام، ورغم أن اليمن من أكثر بلدان العالم تسلحا، حاول الثوار المحافظة على سلمية ثورتهم قدر المستطاع ولم يشكل الطلبة والشباب الذين كانوا لب الاحتجاجات أي ميليشيات مسلحة للتصدي لقوات الأمن المركزي.

انضم قادة عسكريين للثورة منهم علي محسن الأحمر، وخاضت الفرقة الأولى مدرع، اشتباكات متقطعة مع الحرس الجمهوري، ومع تعاظم الثورة تدخلت الدول االخليجية الست لمحاولة وئد الثورة وايقاف تطورها، وُتم التوقيع على المبادرة الخليجية في 23 نوفمبر 2011، عُطل بموجبها الدستور واُعتبرت المبادرة مرجعية دستورية لادارة البلاد، ومُنح الرئيس صالح حصانة من الملاحقة القانونية. وتسلم نائب الرئيس صالح وهوعبد ربه منصور هادي الرئاسة بموجب المبادرة الخليجية في 21 فبراير 2012، بعد أن حكم علي عبد الله صالح اليمن لمدة 33 سنة وأستأثر أقاربه وأبناء منطقته بمناصب مهمة وحساسة في الدولة.

وبموجب “آلية التنفيذ” للمبادرة الخليجية، (والتي تعتبر دليلاً إرشادياً للمرحلة الانتقالية)، كان من المقرر أن تقوم حكومة هادي بإخضاع قوات الأمن – وبينها تلك التي يديرها أقارب للرئيس السابق صالح – للقيادة المدنية، وهيكلة الجيش اليمني، وإصدار قانون للعدالة الانتقالية، وصياغة دستور جديد، وإصلاح النظم الانتخابية والقضائية، وعقد انتخابات عامة في عام 2014، كما كان من المقرر أن تنظم الحكومة مؤتمراً للحوار الوطني للبحث في شكاوى ومظالم مختلف الجماعات، بما في ذلك المتمردين الحوثيين شمالاً والحراك الجنوبى .

وبنظرة سريعة الى التاريخ اليمنى الذى حكمته دولة ” المملكة المتوكلية اليمنية”، حيث سيطر الأمة الزيدين من أسرة “حميد الدين” التي حكمت شمال البلاد عقب رحيل العثمانيين في 1918- وتشبثت بنهج الحكام الزيديين الذين تعاقبوا على حكم البلاد على مدى ألف عام، انطلاقاً من منطقة صعدة، ونهج آل حميد الدين نهجاً متشدداً في الحكم يقوم على الانغلاق الشديد والتعصب وعزل البلاد عن العالم مع مقاومة أي محاولة للانفتاح على العصر، معتمدين على أنماط شديدة البدائية والتخلف في الإدارة والاقتصاد، وفى سبتمبر عام 1962أطلق ضباط في الجيش اليمنى الذين كونوا تنظيم “الضباط الأحرار”، والذين تأثروا بموجة التحرر العربي، شرارة الثورة ضد حكم الإمامة، حيث صنعوا إنقلابا ضد أسرة حميد الدين وأعلنوا قيام الجمهورية.

لكن سرعان ما حاولت قوى الثورة المضادة الإنتصار لحكم الإمامة ثانية، فأعلنت الحرب على الجمهورية الوليدة بقيادة “البدر” إبن الإمام يحيى حميد الدين من خلال الزيديين المتحالفين مع حكام آل سعود، وبعد أن إستنجد ثوار اليمن بجمال عبد الناصر الذى أرسل لهم بضع طائرات لقذف الزيود وحلفائهم، لكن الخوف من سقوط الجمهورية وعودة الملكية دفعت ناصر لإرسال عساكره لمساعدة الثوار، واستمر تورط النظام المصرى فى الحرب حتى بلغ عدد القوات المصرية باليمن 35 ألف عسكرى.

نعود الى واقع الحرب على اليمن الآن، فقد سيطر الحوثيون على صنعاء في 21 سبتمبر 2014 بمساعدة من قوات الحرس الجمهوري المرتبطة بعلي عبد الله صالح، وهاجم الحوثيين منزل الرئيس هادي في 19 يناير 2015 بعد اشتباكات مع الحرس الرئاسي، وحاصروا القصر الجمهوري الذي يقيم فيه رئيس الوزراء خالد بحّاح، وأقتحموا معسكرات للجيش ومجمع دار الرئاسة، ومعسكرات الصواريخ، وفرضوا الإقامة الجبرية على منصور هادى، لمدة تزيد عن 40 يوما، إستطاع فى نهايتها الهروب”بطريقة لاتزال غامضة” الى عدن فى أقصى الجنوب.  

وفى عدن تراجع هادى عن إستقالته في رساله وجهها للبرلمان، وأعلن أن انقلاب الحوثيين غير شرعى، وقال “أن جميع القرارات التي أتخذت من 21 سبتمبر “وهو تاريخ احتلال صنعاء من قبل ميليشيات الحوثيين” باطلة ولا شرعية لها، وأعلن الرئيس هادي عدن عاصمة مؤقتة لليمن بعد استيلاء الحوثيون على صنعاء، لكن الحوثيون بمساعدة صالح “الذي إحتفظ بسيطرته على القوات المسلحة وبخاصة سلاح الحرس الجمهورى الذى يرأسه إبنه أحمد”، وبمساندة بعض القبائل اليمنية للحوثيين “الذين تم شرائهم” استمروا فى القتال، واستمر الحوثيون فى توغلهم تجاه الجنوب مستولين عل العديد من المحافظات اليمنية حتى بلغوا مشارف عدن، وبدأوا فى قصف قصر “المعيشيق” مقر الحكم، وبعد احتراق القصر استطاع هادى الفرار جوا الى السعودية، ومن هناك طالب بتدخل دول مجلس التعاون الخليجى بسرعة ضد الحوثيون وحلفائهم فى اليمن، حيث سارع النظام الحاكم فى السعودية بصنع “تحالف دعم الشرعية فى اليمن”، واعلان عاصفة الحزم لتحرير اليمن من سيطرة الحوثيين.

العبإ الأكبر للحرب في أفقر بلاد في العالم العربي يقع على عاتق المدنيين. قصف بالقنابل من جانب طائرات التحالف دمرت مدارس ومستشفيات وأجزاء من البنية التحتية، وترتكب جرائم حرب، بينما تتهدد المجاعة سبعة ملايين شخص وهم بحاجة ماسة إلى مواد غذائية. ويحتاج ما يقرب 20 مليون نسمة، أي ثلثي مجموع السكان مساعدة إنسانية. وقد تسبب النزاع في تهجير 3 ملايين من وطنهم وقتل نحو 8.000 آخرين وجرح أكثر من 42.000 شخص.

الحوثيون من أتباع الزيديين “الذين هم أتباع مذهب شيعي هو الأقرب الى المذاهب السنية”، ويشكلون نحو ثلث مجموع السكان في اليمن، وهم يشتكون منذ مدة من التمييز ضدهم، ونشأت حركة الحوثيين في التسعينات كرد فعل على مد الحركات السياسية السنية مثل السلفية وحزب الإصلاح المقرب من حركة الإخوان المسلمين، وتنظيم القاعدة

قاتلت ميليشيات الحوثيين بين 2004 و 2010 ست حروب ضد جيش الرئيس السابق صالح، وقد أحدثت موجة الربيع العربي في 2011 تقلبات في اليمن حيث فقد صالح السلطة، وتموقع الحوثيون في السياسة في هذه الفترة الانتقالية، وعندما انهارت حكومة الرئيس الجديد هادي انضم الحوثيون إلى معسكر “عدوهم التقليدى” الرئيس السابق على عبد الله صالح، وقد نجحت السعودية في الحد من توسع الحوثيين ومنعتهم من الإمساك بالسلطة الشرعية، وقلبت الطاولة عليهم بعد أن نجحت في جعل الحوثيين خارجين على القانون الدولي، وفي انتزاع الاعتراف الدولي بشرعية حليفها عبد ربه منصور هادى، ونجحت في تشكيل تحالف عربي للمشاركة في معارك اليمن، رغم كل ذلك لم تنجح السعودية في حسم المعركة ، والأعوام تمر من دون مؤشر واضح على تغير جذري في موازين القوى، فرهان الحوثيين هو الصمود أطول فترة ممكنة لاستنزاف عدوهم وإرباكه، إذ إن بنية اليمن القبلية وجغرافيتها الوعرة تسهل عليه هذه الغاية، كما أن القدرة الصاروخية التي يملكونها ويصل مداها إلى المدن الحيوية، بشريا وسياسيا واقتصاديا، لكل من السعودية والإمارات، تتسبب للدولتين بإرباك وتعطيل للحياة فيهما وأضرار اقتصادية فادحة لهما.

أما إيران فقد عملت لسنوات طويلة، مباشرة أو عبر وكلائها، على تجهيز وتدريب الحوثيين، وتحويلهم من مجرد متمردين يهربون إلى الكهوف ورؤوس الجبال وقت الأزمات، إلى تكوينات منظمة ذات مشروع سياسي طامح”كحزب الله فى لبنان”، وقدرات قتالية حديثة، وبنية هرمية وتراتبية تؤهلها لإدارة مؤسسات الدولة والتحكم بها، وهو ما سهّل عليهم الزحف إلى صنعاء لملء الفراغ السياسي الحاصل إثر تزعزع حكم علي عبد الله صالح، ووضع اليد على مقدرات الدولة ومؤسساتها.

رغم كل ذلك فقد فشل المشروع الحوثي في تحويل سلطة الأمر الواقع إلى سلطة شرعية معترف بها، وتسبب حصار التحالف السعودى لهم، في البحر والجو، في حصول شح في مواردهم، وانهيار لمؤسسات الدولة التي وضعوا أيديهم عليها، وتململ داخل البيئة الاجتماعية والسكانية التي حكموها، ما حوّل الحوثيين مؤخراً إلى أجهزة بوليسية لقمع أي احتجاج أو معارضة داخل مناطق سيطرتهم، وانتقالهم من حال الهجوم إلى حال الدفاع عن المكتسبات، وسيصبح تقهقر الحوثيين المتراكم وانكفاؤهم عبئاً مالياً وعسكريا على إيران أكثر منه ورقة ضغط تمارسه ضد الولايات المتحدة والسعودية.

وكما لم ينجح عبد الناصر عبر 5 سنوات من الحرب أن يعزز قدرة النظام الجمهورى فى اليمن على الصمود باستقلالية، لم تحل تلك المشكلة أيامها الاّ بعد هزيمة 1967 وجنوح النظام السعودى بقيادة الملك فيصل الى إنهاء هذا الإقتتال، والصلح بين ناصر وفيصل فى قمة الخرطوم، ولولا ذلك لإستمرت الحرب الى ما شاء الله.

ختاما فإن الحوثيون هم جزء من الأقلية الزيدية، ويحاولون فرض سيطرتهم على كامل اليمن، وفى إعتقادى أن الحرب مثلت بالنسبة لهم فرصة ذهبية للزعم أنهم يشكلون القيادة الطبيعية للشعب اليمنى المغلوب على أمره، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

السلام عليكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged , . Bookmark the permalink.