التأثير السوسيولوجي في تطور قصة صلب يسوع المسيح

حوارات في اللاهوت المسيحي 37

د. جعفر الحكيم  

في المقال السابق, تم التطرق الى كيفية تطور تفصيلات قصة صلب يسوع الناصري, وكيف تم اضافة تعديلات و تفاصيل جديدة للقصة مع مرور الزمن, من خلال تتبع ذكر القصة في الأناجيل القانونية الأربعة بمراعاة التسلسل الزمني.

في هذا المقال, سنتناول التأثير الاجتماعي والسياسي على الروايات والأخبار التي تناولت قصة صلب يسوع المسيح, وأثره في تطور تفاصيل هذه القصة مع مرور الزمن, عن طريق تتبع سرديات الأناجيل القانونية، حسب تعاقب زمن تدوينها.

من المعلوم ان قصة الشاب المصلح يسوع وأقواله ومعاجزه و صلبه،كانت تتناقل على شكل حكايات و سرديات شفوية بين أتباعه المؤمنين به, وتنتقل مع الزمن الى مجاميع المؤمنين الجدد الذين ينضمون تدريجيا الى الايمان المستحدث, ثم يقوم هؤلاء ايضا بنقل هذه القصص والحكايات الى مجاميع اخرى من الناس، ويستخدمونها في التشويق والترغيب لغرض جلب أكبر عدد من المنضمين الجدد للايمان المسيحي, وبمرور الزمن ومع اتساع رقعة المنضمين، تزداد الحكايات و تتسع تفاصيلها، مع تضخم عناصر التشويق والتضخيم خصوصا حول الشخصية المحورية التي يقوم عليها الإيمان الجديد!

وقد استمر الامر على هذا المنوال في الثلاثين عاما التي تلت صلب المسيح, حتى بدأ تدوين أول الأناجيل القانونية وهو انجيل مرقس, ومن بعده بحوالي عشر سنوات انجيلي متى و لوقا، الى زمن تأليف اخر الاناجيل القانونية وهو إنجيل يوحنا, الذي يعتقد أنه كتب حوالي عام 95 أي بعد صلب المسيح بفترة تقارب ما بين 60 الى 70 عام

يسوع الناصري وخلال فترة دعوته الاصلاحية الدينية، لم يستجب له من اليهود سوى عدد قليل جدا من الاتباع الذين واصلوا و بحماس نشر دعوته, بعد صلبه, بين اقرانهم اليهود, وجلبوا للدعوة الجديدة بعض الأتباع الجدد من اليهود, ورغم المضايقات و التعسف الذين واجهوه, لكنهم نجحوا في تكوين فرقة يهودية جديدة داخل المجتمع، تؤمن بيسوع المسيح, لكنها كانت في نظر رؤساء و كهنة اليهود مجرد فرقة يهودية ضالة.  

استمر الوضع هكذا لعدة سنوات الى ان حدث تغير دراماتيكي في تطور الأحداث, حين انضم الى الايمان الجديد شاول الطرسوسي, ذلك اليهودي القادم من مدينة طرسوس, والذي كان متطرفا في مواجهة الفرقة اليهودية الضالة!

لقد غير ايمان (شاول) والذي أصبح لاحقا يعرف بأسم (بولس) مجرى الأحداث, حيث قام بتوجيه بوصلة الدعوة للإيمان الناشئ الى المجتمعات الوثنية التي كانت تشكل الجزء الأعظم من سكان الامبراطورية الرومانية وقتذاك، واخرجها الى أوروبا وآسيا الوسطى، بعد أن كان تلاميذ يسوع المسيح يحصرونها على المجتمع اليهودي فقط.

نجح (بولس) الذي كان يتمتع بثقافة عالية, ويجيد اللغة اليونانية, من خلال استثمار ذكائه, وحماسته ونشاطه الكبير, في تحويل أعداد كبيرة من الوثنيين وفي مناطق جغرافية عديدة الى الإيمان الجديد والذي تحول مع مرور الزمن وازدياد الاتباع من فرقة يهودية صغيرة،تتبع تعاليم يسوع المسيح, الى ديانة جديدة تقوم كليا حول شخص يسوع المسيح!

الدين الجديد الذي بدأ عدد أتباعه بالازدياد المضطرد, واخذت رقعة انتشاره تتسع في ارجاء الامبراطورية الرومانية, خرج من الدائرة اليهودية الضيقة، الى فضاء اوسع وارحب, وصار الغالبية من أتباعه هم الوثنيين السابقين، ومعظمهم من مدن الامبراطورية الرومانية و حاملي التابعية الرومانية (مواطنين) كما هو الحال مع بولس الذي اصبح رسولا للامم!

ومع تحول الفرقة اليهودية الصغيرة (الضالة) الى دين جديد يقدس الشاب اليهودي يسوع الناصري،ويضفي عليه تدريجيا صفات الهية, كان من الطبيعي ان يحدث الصدام الفكري والعقدي بين اليهود وبين أتباع الدين الناشئ والذي صار يشكل مواطني الامبراطورية الرومانية الغالبية العظمى من اتباعه.

واجهت الشريحة المجتمعية الجديدة التي أصبحت تمثل القاعدة الشعبية للايمان المسيحي, معضلة سوسيو/ سياسية!

فالشخصية التي يتمحور حولها إيمانهم الجديد, قد تم تعذيبه وإهانته ومن ثم قتله على يد سلطة الدولة التي يدينون لها بالولاء، ويفتخرون بالانتماء إليها, فيسوع المسيح (ابن الله) قد تم صلبه وفق القانون الامبراطوري الروماني، وبقرار من حاكم روماني, وعلى أيدي جنود رومان!!… حيث انه قد تم الحكم عليه كخارج على القانون و محرض على التمرد ضد الدولة الرومانية, و داعيا الى إنشاء مملكة مستقلة لليهود, لذلك,تم صلبه, وتعليق لوحة على جسده مكتوب عليها

(هذا ملك اليهود) ليكون عبرة لغيره، ولكل من يفكر بمثل هذا التفكير!

وطبعا, لا يمكن إغفال الدور الذي كان لليهود ورؤسائهم من خلال التحريض والوشاية ضد يسوع الناصري!

استمرت العداوة الايمانية بين اليهود الذين رفضوا يسوع وكذبوه وبين المجتمعات التي آمنت به و ألهته, و أخذت بالازدياد مع مرور الزمن, حتى تحولت – في قرون لاحقة – الى صدام دموي نتج عنه مجازر وحشية بحق اليهود، وذلك حين أصبحت الديانة المسيحية هي الديانة الرسمية الوحيدة للامبراطورية الرومانية…وبمرسوم امبراطوري! 

ومع ازدياد العداء الإيماني والتنافر العقدي، فقد كان من الطبيعي ان تلقي هذه المؤثرات الاجتماعية بظلالها على عملية تدوين الأناجيل وخصوصا ان اغلبها كانت موجهة الى شريحة اتباع الدين الجديد من مواطني الدولة الرومانية, وكانت مكتوبة بلغتهم, وعلى ايدي اشخاص يحملون ثقافة يونانية واسعة.

وعند البحث في قصة صلب يسوع المسيح، يلاحظ القارئ في الأناجيل القانونية الأربعة, ان هناك محاولة متقصدة وواضحة جدا في تحميل اليهود المسؤولية الكاملة لجريمة صلب المسيح, مع تكثيف الجهد من أجل إيجاد مبررات لإعفاء الحاكم الروماني الذي اصدر امره بعقوبة الصلب من المسؤولية، او على الاقل ايجاد العذر له!

وعند تتبع هذه النقطة في الأناجيل, و تتبع تطورها الزمني، بحسب زمن تأليف كل إنجيل من الأناجيل القانونية, يكتشف القارئ, ان الذين كتبوا تلك الأناجيل, كانوا مهتمين جدا باضافة تفاصيل جديدة مع مرور الزمن, تثبت ادانة اليهود, وتخفف من مسؤولية السلطة الرومانية, من اجل تخفيف عقدة الذنب التي قد تنشأ نتيجة الولاء لسلطة قامت بصلب الرب!

في اقدم الاناجيل القانونية (انجيل مرقس) نجد ان الحاكم الروماني (بيلاطس) لم يكن مقتنعا بتجريم يسوع الناصري, ولكنه رضخ لرغبة اليهود الذين طالبوا بصلبه, لذلك امر بجلد يسوع وصلبه!!! (انجيل مرقس 15)

اما إنجيل (متى) فقد أضاف تفصيلة جديدة, ولكنها مهمة جدا وخطيرة في نفس الوقت!

حيث نجد في الاصحاح السابع والعشرين, ان الحاكم الروماني (بيلاطس) وبعد ان اخبر اليهود انه لايجد في يسوع الناصري اي ذنب يستحق العقوبة, ومع إصرار اليهود وتحريضهم على صلب يسوع، نجد كاتب الإنجيل يضيف حبكة درامية مهمة جدا, تتمثل في قيام (بيلاطس) بطلب ماء وثم قام وغسل يديه أمام الجموع، ليؤكد لهم أنه بريئ من دم هذا الإنسان البار….ثم أصدر قراره بجلده وصلبه!!

(فلما راى بيلاطس انه لا ينفع شيئا بل بالحري يحدث شغب اخذ ماء و غسل يديه قدام الجمع قائلا اني بريء من دم هذا البار ابصروا انتم) متى 27/24

ولم ينسى كاتب الإنجيل بعد ان قام بتبرئة الحاكم الروماني, بأن يضيف فقرة تؤكد مسؤولية اليهود, بل وحتى ذريتهم!

 (فاجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا!!!) متى 27/25

وعند الذهاب الى انجيل (لوقا) نجد كاتب الاناجيل ينفرد باضافة تطورات وتفاصيل جديدة للقصة, من اجل ابراز نفس الغرض, وهو إلقاء اللوم والمسؤولية على اليهود, حيث نجد ايضا في الاصحاح الثالث والعشرين،ان (بيلاطس) مقتنع ببراءة يسوع الناصري, وعندما عرف انه من (الجليل) قام بارساله الى حاكم الجليل (هيرودس) الذي تصادف وجوده في أورشليم بذلك الوقت!!

الحاكم الضيف, لم يجد,كذلك, ان يسوع قد اقترف جريمة او ذنب, فاكتفى بضربه واهانته, وارجعه الى بيلاطس!

وهنا, نجد بيلاطس, يحاول جاهدا, ولثلاث مرات،ان يقنع جموع اليهود, بإطلاق سراح يسوع البريء حسب رأيه, ولكن اليهود،كانت ترتفع أصواتهم بالمطالبة بصلب يسوع, فاضطر الحاكم الروماني (المسكين) الى النزول على رغبة اليهود, فقام باطلاق سراح (باراباس) المدان بقضية شغب وأمر بصلب يسوع الذي كان يجده بريئا!!

اما اخر الأناجيل القانونية تدوينا (إنجيل يوحنا) فقد تطرق الى نفس القصة في اصحاحين (18 و 19)

وقام باضافة تفاصيل وبهارات جديدة لزيادة الحبكة!!… ولو ان بعضها كان يشي بالطرافة والغرابة!!

حيث نجد الحاكم (بيلاطس) يقوم بدور يشبه المفاوض, بين يسوع المتواجد داخل دار الولاية, وبين رؤساء اليهود الذين بقوا خارج تلك الدار، لذلك اضطر بيلاطس للذهاب والمجيئ ثلاث مرات بينهما, ومع ذلك، فشل في إقناع اليهود!!

رغم انه وبعد حوار مطول مع يسوع,بقي مقتنعا ببرائته, وأراد إطلاق سراحه, لكن اليهود أصروا على إطلاق (باراباس)

وهنا نجد ان كاتب انجيل(يوحنا) ابتكر لنا فكرة جديدة وقوية!!… وهي تهديد اليهود لبيلاطس والتلميح له بأنهم سيتهمونه بعصيان القيصر, لذلك خاف بيلاطس!!… وقرر النزول عند رغبتهم!!

 (من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب ان يطلقه ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين ان اطلقت هذا فلست محبا لقيصر كل من يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر) يوحنا 12/19

هذا التطور المستمر في تحديث و تغيير تفاصيل قصة الحكم بالصلب على يسوع المسيح, يعكس لنا بشكل واضح الأثر الاجتماعي وكذلك السياسي على مخيلة المؤمنين بالمسيحية في زمنها المبكر, والذي انعكس على سرديات نصوص الأناجيل, التي هي بطبيعة الحال, انعكاس لطريقة تفكير هؤلاء المؤمنين ونظرتهم الى الأمور, ومحاولتهم لتصوير الحدث التاريخي وفق الطريقة التي تشيطن خصومهم في العقيدة, وبنفس الوقت، تزيل العنت واللوم عن السلطة التي ينتمون لها

وبذلك خرجت لنا نصوص الأناجيل، بقراءة للتاريخ تقوم على الرؤية الايمانية للمسيحيين الاوائل, اكثر مما هي قراءة حقيقية لمجريات الأحداث التاريخية.

وهذا الأمر تؤكده أيضا، صورة الحاكم الروماني(بيلاطس) في المخيال المسيحي في الفترة المبكرة, حيث اننا نجد بعض الأخبار تشير إلى أن هذا الحاكم القاسي القلب والذي كان يحتقر اليهود، ويبطش بهم،قد تاب من فعلته، بل يوجد هناك كتاب زائف اسمه أعمال بيلاطس (يرجع إلي القرن الرابع أو الخامس الميلادي) يبرر بيلاطس من كل لوم، ويؤكد أنه اعترف أن يسوع هو ابن الله!!.

كما توجد حتى اليوم كتب أخري باسم أعمال بيلاطس تختلف فيما بينها في بعض التفصيلات، إلا أنها جميعها زائفة. وتزعم إحدى الأساطير أن زوجة بيلاطس صارت مسيحية. ويقال أن بعض الكنائس الشرقية تحتفل بيوم 25 يونيو، تذكارأً لبيلاطس باعتباره قديساً وشهيداًَ!!!

ورغم ان هذا الرأي يفتقر إلي السند التاريخي, و لايمثل الرأي الرسمي للكنيسة, لكنه بنفس الوقت, يعكس لنا نمطية التفكير لدى المسيحيين الاوائل من غير الأصول اليهودية, والذين كانوا يعتقدون ان تبرئة (بيلاطس) وهو رمز للسلطة الذين هم مواطنوها, سيرفع عنهم عقدة الذنب, الذي سيتم رميه برقبة اليهود ورقاب اجيالهم!!!

د. جعفر الحكيم

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, د.جعفر الحكيم and tagged , . Bookmark the permalink.