!!إنتخابات الإتحادات الطلابية.. لم يحضر أحد

 د.رياض حسن محرم  

( يا مصر عودى زى زمان

نظرة من الجامعة وحلوان

الشاعر/ نجيب شهاب الدين)

يلخص هذا العنوان حال الحركة الطلابية بالجامعات المصرية الآن، وهذ الحال هو تحديدا حال الحريات فى المجتمع ككل، فبعد حركة طلابية وعمالية محتدمة منذ عقود فى كافة جامعات الوطن عامة، تحول الوضع الآن لما يشبه الموات، وتم دفع الطلاب كغيرهم من فئات وطبقات المجتمع الى حالة من السلبية العميقة، ما إنعكس فى النهاية الى ذلك الموقف من إنتخابات أهم منبر طلابى، الذى وهو رابطتهم المهنية والسياسية، إتحادهم الطلابى .. فنسبة الحضور للأسف ضعيفة جدا، وفى كثير من اللجان..لم يحضرأحد.

تميزت الحركة الطلابية فى مصر بحضور طاغ، ومثّل الطلاب المصريين ضمير أمتهم، للدرجة التى وصفهم فيها المؤرخ الفرنسى الأشهر “والتر لاكور” بالقول (لم يلعب الطلاب دورا في الحركة الوطنية مثل الدور الذي لعبه الطلاب في مصر)، والمثال الأوضح هو إعتماد المنظمة الدولية يوم الحادى والعشرين من فبراير يوما للطاب العالمى لتزامنه مع حركة الطلاب فى مصر، وقد لعب الطلاب طوال تاريخ مصر الحديث دورا طليعيا يحدد إتجاه حركة الجماهير، فى تناغم وتنسيق مع الطبقة العاملة، كما حدث فى الأعوام الساخنة من أربعينات القرن الماضى وتشكيل ” اللجنة الوطنية العليا للعمال والطلبة”، ولم تلبث الحركة الطلابية أن إشتعلت مرّة أخرى بعد الهزيمة الساحقة الماحقة فى 1967، ملتحمة مع عمال حلوان وشبرا الخيمة فى فبراير 1968بالقاهرة ونوفمبر من نفس العام بالأسكندرية.

بعد ذلك تراوحت الحركة الطلابية صعودا وهبوطا، مرة مع إنتفاضة الخبز فى 1977، وأخرى فى مناصرة للثورة الفلسطينية وثالثة مع الشعب العراقى ومختلف القضايا الوطنية والقومية، رغم كل القيود التى كبّلت حركتها بإصدار اللائحة الطلابية”سيئة الذكر” عام 1969، التى وضعها “أنور السادات” لإجهاض الحركة المستقلة لطلاب الجامعات، هذه اللائحة التى اعتبرها الكثيرين من أسوء اللوائح الطلابية التى شهدها تاريخ الجامعات، واستطاعت أن تقضي علي كثير من أشكال العمل الطلابى التى كانت متاحة سابقا، وأن تجعل الجامعات تعيش فى مناخ عام من الترهيب، وتهميش دور العمل الطلابى بكل أشكاله.حتى وصل الحال الى اتحادات طلابية صورية، تتكون طبقا لرغبة الادارة الجامعية والحرس الجامعى والأمن، وتعجز عن القيام بأي نشاط طلابى حقيقي، يتصل بالطلاب أو يعبر عنهم.

عندما أصدر السادات لائحتة الطلابية الجديدة عام 1979 وألحقها بقانون تنظيم الجامعات…..فقد قضت تماماً علي استقلالية الحركة الطلابية وصادرت الحريات …فألغي بذلك لائحة ( اتحاد طلاب الجمهورية) والتي صاغها الطلبة بأنفسهم عام 1976، تلك اللائحة التى فى ظلها تم إنتخاب الطالب/حمدين صباحى رئيسا لإتحاد الجامعة، وبرغم كل هذه القيود فقد عجزت الدولة والأمن عن وقف التحرك الطلابى في الجامعات فلجأت إلى أسلوب البلطجة والعنف والتزوير مما حول الجامعة إلى معسكر يحكمه الأمن بدلاً من أن تكون ساحة للحوار والفكر الحر، وكان النظام حريصا أن تصدر اللائحة الطلابية ويتم اقرارها بواسطة الرئيس شخصيا وليس وزير التعليم العالى أو المجلس الأعلى للجامعات حتى تظل سيطرة السلطة على الحركة الطلابية كاملة.

إن قضية إستقلال الجامعة كانت وستظل الهدف الأسمى للحركة الطلابية والاساتذة الشرفاء وعلى رأسهم حركة ” 9 مارس لإستقلال الجامعة”، التى تبناها وناضل من أجلها رجال عظام لعبوا دورا بارزا فى العمل على استقلال الجامعة منذ سعد زغلول وقولته الشهيرة في يوم افتتاح الجامعة (إن هذه الجامعة لا دين لها إلا العلم)، بينما قال أحمد لطفي السيد (إن التعليم الجامعي أساسه حرية التفكير والنقد واستقلال الرأي)، وقال طه حسين (إنه لا ينبغي لنا أن ننتظر تعليما صحيحا منتجا من جامعة لا يتمتع رجالها بالاستقلال والحرية).

وبعد ان فجر الشباب ثورتهم العظيمة فى يناير 2011 وحققوا مكاسب كبيرة فى الانتخابات الطلابية أثناء حكم الإخوان بإزاحة سيطرة الاسلاميين على الاتحادات الطلابية وحصول التيار الدينى على حوالى 20% من المقاعد بعد ان كانوا يفرضون سيطرتهم الكاملة على مجالس الاتحادات الطلابية وقيام ذلك التيار منذ استأثارهم باحتكار النشاط الطلابى فى الجامعة من فرض نماذج سلوكية متشددة على الطلاب، كالفصل بين الجنسين، وتكثيف الجرعة الدينية الشكلية على الحياة الطلابية، فضلا عن اللجوء إلى العنف فى مواجهة الطلاب المختلفين فكريا، أو دينيا، أو سلوكيا. كما نجحت الحركة الطلابية فى ازالة هيمنة الحرس الجامعى على مجريات الأمور فى الجامعة وانهاء جهاز أمن الدولة الرهيب وتفكيكه وأصبح الطريق ممهدا أمامها فى وضع لائحة طلابية جديدة تنهى والى الأبد ما يسمى بلائحة 79 التى حكمت الحركة الطلابية لأكثر من ثلاثة عقود متصلة، حدث هذا منذ أن أعلن الرئيس حسنى مبارك فى برنامجه الإنتخابى فى 2005 الحاجة الى تغيير هذه اللائحة وذلك تحت ضغوط الحركة الطلابية وحركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، ثم جاء الإعلان المشبوه للائحة 2007 بشكل سرى وعرفت تلك اللائحة باسم لائحة هانى هلال وزير التعليم العالى ولم تسبقها اية مناقشات طلابية او مجتمعية، وأجريت انتخابات الاتحادات الطلابية فى أكتوبر عام 2008م فى ظل اللائحة الجديدة، وشهدت عزوفا من الطلاب عن المشاركة، حتى إن غالبية الاتحادات جرى شغلها بالتزكية (لغياب وجود مرشحين منافسين)، أوبالتعيين (لعدم اكتمال النصاب القانونى)، حيث بدأ الطلاب الوطنيين بالجامعات تشكيل إتحادات طلابية موازية.

بعد الثورة كانت أبرز المطالب الطلابية داخل المجتمع الجامعي هي إسقاط لائحة 79 وتعديلاتها، وقبل أن يتمكن الطلاب اليساريون والليبراليين من تثبيت أقدامهم فاز المرشحين الإسلامويين بنسبة أعلى وانتخب الطالب الإخوانى/ أحمد عمر برئاسة إتحاد طلاب مصر فى2012، وفى عام 2013 أصدر رئيس الوزراء االإخوانى هشام قنديل، لائحة تنفيذية جديدة للانتخابات الطلابية، التى نصت على تشكيل اتحاد طلاب مصر، لتجرى الانتخابات في ذلك العام… وشهدت منافسة قوية بين طلاب الحركات السياسية وبين طلاب الإخوان، ليتم دحر الإخوان وحلفائهم ويفوز بمنصب رئيس اتحاد طلاب مصر الطالب/ محمد بدران.

وفي نوفمبر 2017، اعتمد رئيس مجلس الوزراء شريف إسماعيل، لائحة الاتحادات الطلابية عقب انتهاء مجلس الدولة من مراجعتها، حيث جاءت تلك اللائحة أكثر تخلفا ورجعية من كل اللوائح السابقة عليها، حيث نصت اللائحة على إلغاء إتحاد طلاب مصرورئيسه، وقصرت الموضوع على مستوى الجامعات فقط ( فى حوارً صحفيً مع الدكتور طايع عبد اللطيف مستشار وزير التعليم العالي لشؤون الأنشطة الطلابية، ورئيس لجنة معهد إعداد القادة، رد على أحد الأسئلة قائلا: ألغينا «اتحاد طلاب مصر» لتجنب استغلاله سياسيًا)، ولعل ألأجدر بهذا النظام أن يلغى المجلس النيابى أيضا لنفس السبب.

عموما أتت إنتخابات عام 2018 التى تستكمل هذا الإسبوع فى ظل ظروف أشد قسوة وقيود متعددة على الحريات الجامعية، فقد قامت لجنة الإنتخابات مبدئيا باستبعاد 2747 طالبا من كشوف المرشحين، ما أدى الى إنسحاب 252 طالب من المرشحين تضامنا مع المستبعدين، وبدت اللجان الانتخابية فارغة، وخلت ساحات الجامعات من الدعاية الانتخابية. كما اختفى طلاب الحركات السياسية والشبابية المعارضة من المشهد الانتخابي للعام الثاني على التوالي، وهذه هي الدورة الثانية على التوالي لانتخابات اتحاد الطلاب وفق اللائحة الطلابية الجديدة، بينما أغلبية المناصب تم شغلها بالتزكية، إما لعدم وجود منافسين أو لغياب النصاب القانونى .. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

السلام عليكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة, د.رياض محرم and tagged , , , . Bookmark the permalink.