الإحتفال الدولي بنهاية الحرب العالمية الأولى

 راغب الركابي 

  في باريس يجتمع اليوم عدد من رؤساء الدول والحكومات للتذكير بالمعنى السلبي للحرب العالمية الأولى، والتذكير بالكيفية التي يجب العمل على أساسها من أجل تفادي الوقوع في مثل هذه الحروب المدمرة، ومعلوم إن في أوربا هناك صوت إنساني يعلو فوق صوت الدمويين والشعبويين الذين تحركهم مشاعر الخوف والغضب من الأخر، تلك الأصوات النشاز التي بدأت تعلو في القرن الواحد والعشرين متأثرة ومنفعلة بردات إهتزازية مصدرها العالم الإسلامي الذي تبنى طروحات وأفكار متطرفة تجاه الأخر والحياة.

وأنا لست من الذين يقولون بأن التطرف والإرهاب نشأ وترعرع بفعل و دعم المخابرات والدول الغربية، حتى لو سمعنا من بعضهم قول ذلك، ذلك لأن التطرف ليست نزعة تصنع هكذا من غير إيمان بها يحركها، وهذا الشيء موجود في ذهن وضمير المسلم نجده في أدبياته وخطاباته القديمة والجديدة، ولهذا فنحن ميالين بدرجة ما للقول بإن مفهوم العنف وعدم التعايش مع الغير ناتج عن عقدة تاريخية تنطلق من إيمان بعدم المساواة وتضخيم لمفهوم الأحقية، وهذه أشياء تكمن في فكر وثقافة وعقل العربي المسلم، ويذهب البعض في تحليل هذه الظاهرة على أنها نتيجة لفعل سياسات تاريخية لخلفاء وسلاطين مسلمين فاشلة، هذه السياسات ولدت في النفس المسلمة عقدة الكراهية للأخر، والتي تنامت وكبرت مع الأيام حتى صارت بالنحو الذي شاهدناه اليوم في ممارسات وأعمال القاعدة وداعش وأخواتهما.

 هذه النزعة العدوانية تنم عن فقدان توازن وسوء تفكير، يجعل من حامليها أدوات من حيث لا يشعرون بيد الشعبويين وأعداء الحرية والنظام والقانون، إنه النتيجة المنطقية للفعل وضده، ولهذا تأتي هذه المناسبة للتأكيد على نبذ الحرب والتسلح بقيم الحياة والحرية والكرامة الإنسانية، وهذه هي الأشياء التي يجب أن تسود وتنتصر، وأما الإنعزالية والفئوية والقومية والفاشية فيجب ان تزول وتندثر، من عالم أصبح فيه كل شيء مفتوح على الأخر، ونظرياً نحن العرب والمسلمين لازلنا نعيش عقدة القرون الوسطى تجاه الأخر، ولم تستوف بعد عندنا قوانين المواطنة والتعايش السلمي، ولازلنا نحلم بسيادة إيديولوجيا التمرد والأنا الذاتي، والتفرد والحقانية وشعارات من هذا القبيل يخضعها الجاهل لحكمه حتى ما عاد التعايش ممكننا في البلد الواحد، وتجربة العراق وسوريا وليبيا شواهد على ذلك، حيث أننا لم نجر بعد عملية نقد ومراجعة، ولازلنا نجتر فكرة الأحقية المزعومة بأسم الدين، ولهذا نتصارع من خلالها وحولها على هوامش سياسية ونفوذ ومال سحت، حتى صارت بلداننا من أكثر البلدان فساداً في كل المجالات والنواحي.

 وليس هناك ثمة أمل في التغيير، أوربا ومن حولها العالم الحر تطمح لتدعيم حياتها ومجتمعها وقوانينها بما يجعلها أكثر أمناً ونظاماً وموائمة للعيش مع الجميع تحت ظل فكرة التسامح وعدم الكيدية، ولهذا تستوعب المسلمين والعرب مع عدم حاجتها إليهم، وتهب لهم الحياة الحرة والعطايا والعيش الرغيد، لم تنظر إليهم من خلال لغتهم ودينهم وقوميتهم بل فتحت المجال للعيش في ظل الإنسانية التي يتساوى فيها الجميع، ثمة حقوق أعطيت وثمة حماية توزعت، ولهذا غدت قبلة الجميع ومعشوقة الجماهير يأتوها ظانين بها كل الخير، والحماية والقانون الذي يفتقد عند أهل الشعارات والأيديولوجيا الخداعة، إنها مناسبة يمكننا النظر إليها بعين الرعاية والإهتمام في كيفية معالجة قضايانا ؟، وكيف يمكننا التعايش مع الأخر من غير أحقية أو دعاوى دينية ومذهبية وقومية زائفة ؟، فأوطاننا يمكنها أن تتسع للجميع حين تغلب فيها قيم الحياة والحرية والعدالة والسلام، وليس تلك قضايا مستحيلة إنما تكون حين يكون الإنسان العربي والمسلم أمن بالشرف والقانون والنظام، والإيمان يستحضره المسلم حين يؤمن حقا بالقانون ويبتعد عن الشطط وعن الشعارات وعن التزييف وعن الدين السياسي والمرابات، وحين يؤمن بأن الوطن للجميع وأن الدين لله، وحينها تزدري في عينه أشياء زائفة ويخمد عنده الوهم والخداع والتضليل و التطبيل والتزمير، وهذا الكم من الشعارات و الهوى الغلاب، إنها مناسبة تحاول فيها أوربا ومعها العالم الحر لتجعل من عالمها خال من التوتر والعنف والكراهية، وفي ذلك المنحى النبيل تكون لنا قدوة وأسوة حيث ننشد جميعاً العيش بكرامة ونظام وقانون، من غير مفسدين وجهلة وظلاميين وبائعي هوى ومصدري فتنة ورغبات وكبت وتعنيف، ذكرى المئوية نستحضرها عندنا حيث مررنا بحروب وفتن وتطاحن على أشلاء وبقايا من عفونات الزمن الماضي، فهل نستجيب لنداء العقل وننتمي لدائرة أهل العلم والمعرفة والعيش من غير مزيفين ومرابين وإنتهازيين ؟!

 راغب الركابي

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in راغب الركابى and tagged , , . Bookmark the permalink.