تراجع اليسار عالميا

 د.رياض حسن محرم  

لعل من أشق الأمور على نفس أى يسارى أن يعترف بهذه الحقيقة، ولكنها الصراحة الصادمة، فاليسار حاليا فى أزمة عميقة، يشهد عليها التراجع المتزامن فى أكثر من منطقة بالعالم، وبفوز ” بولسينارو” القادم من أقصى اليمين الشعبوى برئاسة البرازيل، وإقصاء “فردناندو حداد” ممثل حزب العمال اليسارى، وذلك بسبب رفض البرازيليين لقضايا الفساد المتهم بها بعض أقطاب اليسار، مثلما هو الحال فى “فنزويلا” التى شهدت اكتساح اليمين فيها للإنتخابات البرلمانية، وكذلك وصول اليمين المحافظ إلى الحكم في الأرجنتين.

مهما كانت الأخطاء التى وقع فيها اليسار اللاتينى فإن ذلك لا يغطى على مساهماته القيمة في عالم متعدد الأقطاب، وفي تطوير الفكر اليساري عالميا ومواقفه المشرفة من بعض القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وبالرغم من سلسلة الهزائم التى تعرّض لها اليسار فى تلك القارة، فإن اليسار مستمربقوة في دول أخرى مثل، الإكوادرو مع “رافائيل كوريا”، وفي بوليفيا مع “إيفو موراليس”، وفي الأوروغواي والتشيلي ونيكاراغوا، لكن هذه الدول لا تتمتع بثقل وحجم البرازيل والأرجنتين ونسبيا فنزويلا.

إن تجربة اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية (التي شملت المنطقة خلال 15 سنة الأخيرة) هي رائدة سياسيا،  فقد ظهرت أحزاب يسارية جديدة مثلما حدث في فنزويلا وبوليفيا والإكوادور، مختلفة عن الأحزاب اليسارية التقليدية من اشتراكيين وشيوعيين، أحزاب جعلت الأجندة الاجتماعية رئيسية في برامجها السياسية أكثر من الشعارات السياسية، التي ميزت اليسار في الماضي، ولعل المثال الواضح هو ما أعلنه رئيس البرازيل السابق لولا دي سيلفا في حملته الانتخابية الأولى، التي أوصلته إلى الرئاسة بالقول «هدفي أن أضمن ثلاث وجبات أكل لكل مواطن برازيلي».

لقد دفع اليسار فى تلك المجتمعات ثمن رفضه لنصائح البنك والصندوق الدوليين، والدفع باتجاه تكوين منظمة إقتصادية “سيلاك” بين منظومة الدول الإشتراكية اللاتينية، الى درجة قرار رئيس الإكوادور طرد ممثل البنك الدولى، متهما إياه بالتأثير على الاقتصاد الوطني، كما كانت البرازيل تمثل تلك الدول في بنك الجنوب للتنمية، الذي أعلنته دول البريكس للحد من تأثيرات المؤسسات المالية التي يسيطر عليها الغرب.

إن معظم العالم العربي للأسف يختزل أمريكا اللاتينية في كرة القدم وبعض الروائيين، غير مهتمين كثيرا بمواقفها المبدئية من القضية الفلسطينية، حيث طردت بعض الدول مثل، بوليفيا وفنزويلا سفراء إسرائيل بسبب الاعتداءات على الفلسطينيين، وتحولت إلى ناطق باسم القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، ومن الصعب تصور حصول فلسطين على صفة دولة في الأمم المتحدة بدون الدور الكبير لدول أمريكا اللاتينية.

فى أوروبا لا ينهار اليسار فقط بل يجرّ معه الى الهاوية ما يمكن إعتباره جدلا اليمين المعتدل، ليحل محلهما نوع من اليمين الشعبوى الشوفينى المختلط بأفكار نازية وفاشية شديدة العداء للمهاجرين وخاصة الشرق أوسطيين وبدرجة أخص المسلمون منهم، فى فرنسا يتصدر حزب الحركة القومية برئاسة مارى لوبان” المشهد، وهناك حركة “النجوم الخمس في إيطاليا وحركة بوديموس في إسبانيا وحركة “اليسار الجديد” في اليونان وغيرها من الحركات التي تشكّل ثورة مضادة على المفاهيم القديمة في عالم السياسة ، وتمر معظم الدول الأوروبية بحالة من الفوضى السياسية والاقتصادية، وتحقق أقوى اقتصادياتها نموا باهتا، في حين أن البلدان الأضعف، مثل اليونان والبرتغال تكافح من أجل البقاء والنهوض من الانتكاسات. ومن الناحية السياسية فإن الأمور أسوأ من ذلك، إذ أن خيبة الأمل لدى لدى الأفراد يتزايد بما يؤدى الى دعم الأحزاب اليمينية المتطرفة، وبعض تنظيمات اليسار الفوضوى، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي والإجتماعى.

فى عالمنا العربى ندرك مدى عمق الهوّة التى فيها اليسار اليوم، ففى مصر حدث بلا حرج، وحتى فى المغرب العربى فالحال من بعضه، ففى مملكة المغرب وبالرغم من السياسة اللا شعبية التي نهجتها حكومة العدالة و التنمية وحلفائها وكثرة فضائح وزرائها و قادتها، إلا انها استطاعت ان تبقى الحزب رقم واحد حتى الآن، في حين عرف الحزبان الرئيسيان المحسوبان على اليسار (الاتحاد الاشتراكي و حزب التقدم و الاشتراكية) تراجعا خطيرا ينذر باندثارهما كليا من المشهد السياسي ان لم يقوما بثورة داخلية عميقة، وفى الجزائر فإن اليسار– وفق كثير من المحللين – موشك على الاختفاء، وفى تونس ما زال حزب النهضة يحقق تقدما، بينما الجبهة الشعبية “حمة الهمامى تتراجع، وفى الجزائرفحزب “جبهة القوى الإشتراكية” الذى أسسه حسين آية أحمد” قد حصل فى الإنتخابات الأخيرة على 2 .2%، بينما حصل حزب العمال الإشتراكى بقيادة “لويزة حنون” على 3%، والثابت أن تولى اليسار السلطة فى العلم العربى ليس مطروح فى أجندته، وأن اليسار العربي في عمومه لم يغادر صفوف المعارضة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن ثنائية اليمين واليسار، كما أن القلّة القليلة التي ما تزال تنتمي إلى اليسار، إنّما تجتر أحلام الفردوس الذي لم ينعم به حتى دعاته من البلشفيين وأتباعهم، وتستحلي دور المعارضة الأزلية.

ثنائية اليمين واليسار في عالمنا العربي بدأت في السنوات الأخيرة تشهد تحالفات مع الحركات والأحزاب اليمينية الراديكالية المتمثلة بالإسلام السياسي، وهي تحالفات قائمة على المصالح، متجاهلة التنازلات عن المبادئ والأيديولوجيا، ضارباً المثال في تحالف الحزب الشيوعي العراقي مع الإسلاميين “مقتدى الصدر”، وإرتماء الحزب الشيوعى السورى “المتحد” فى أحضان الآسد، ولا فرق بين ذلك النوع من اليسار وبين واليسار العربي الجديد المتمثل بحركات المجتمع المدني ومجاميع الشبان رافعى الشعارات الثورية والمثقفين الرافضين للرضوخ للأمر الواقع، الذين ركبوا موجة الحداثة الثورية وما بعدها في توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لتثوير المجتمعات.

وبرغم كل هذه الإنتكاسات وحالة الضياع والإنهيار التى يمر بها اليسار، فإننا نأمل أن يكون ذلك مؤقتا، وربما أن الديمقراطية الاجتماعية تعيد تكوين نفسها على شكل حركات جديدة تخرج من رحم اليسار نفسه، ويكون من شأنها أن تحدث فرقاً في حياة الناس، في حال نجاحها وفي حال عملت من أجل وقف تغوّل اليمين المتطرف.

السلام عليكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.