!الإسرائيلو-فوبيا وعَدَاءُ الشَّرْقِ “الطُفوليّ” لإسرائيل.. إلى متى؟

لينا صلاح الدين  

     أُعيدُ اليوم فَتَْحَ الملفِ الفِلَسْطِيني-الإسرائيلي بمناسبة الذِكْرى السنويةِ لوعد بلفور، لأُشيرَ إلى أن فَشلََ الحكوماتِ الشَّرْقِيةِ في التعاطي مع القضيةِ الفلسطينيةِ حتى اللحظةِ سببه تناولهم للملف من منطلق دينيٍ عاطفيٍ بحت. إن كان من قِبَل الإعلام الذي يتحاشى ذِكر إسرائيل شعباً ليذكُرها كسياسةٍ فقط فيستعين بصور الدماء لاِسْتِنْطَاقِ الجانب العاطفي، أو عن طريقِ تصريحاتِ المسؤولين التي -في بعض الأحيان- تكون أقرب لخطبةِ جمعةٍ من كونها تصريح سياسي. وحتى اللحظة تعجز كيانات الشَّرْقِ عن استيعاب أن القضية يجب تناولها كملف سياسي فقط، خاصة وأنها متعلقة بوعد بلفور والتدخل البريطاني ورؤوس الأموال اليهوديةِ مثل روتشيلد وشيلدون أدلسون وغيرهما من الذين يتولون الدعم المادي لإسرائيل. وإن كان اليهودُ ظاهرياً يتبنون الجانب الديني من منطلق أنها أرض الميعاد وما عداه من الحجج الواهية، إلا أن القضية باطنياً لا تتعدى كونها ذات طابع سياسيٍ صرف. وكدليل على ذلك استدعي ما حدث قبل وعد بلفور من محاولةٍ بريطانيةٍ لتوطين اليهود في كينيا، رغم إنعدام أدنى إرتباط دينيٍ لليهود بها.

    كلما قامت دولةٌ شَّرْقِيةٌ ما بطرد ِمسؤول إسرائيلي أو رفضِ ما يطلقون عليه “تطبيعاً” مع إسرائيل، كلما بات جلياً أكثر مدى سذاجةِ وقصور الإدراك السياسي لدى قادتها بهذه التصرفات. السياسة في نهاية الأمرِ لعبة تتطلب الكثير من الحُنْكةِ لتخطي مَرَاحلِها. أما أسلوب “كشف الأوراقِ” الذي تتبناه الكيانات الشرقية فلا خير فيه. فما الفائدة التي جنتها هذه الدول من مثل هذه التصرفات “الصبيانية” على مر كل هذه العقود سوى أنها فقط فتحت على نفسها أبواب جهنم لتكتسب غَرِيماً هي ليست أهلاً لمُجَابَهته! ففي النهايةِ يوجد حد فاصل بين الشجاعة ِوالتهور. في المقابل نجد دولة مثل الإمارات التي تحاول بقدر الإمكان التركيز على بناء شعبها داخلياً وكسب الإستثمارات الخارجيةِ والتركيز على شؤونها الداخلية بقدر المستطاع. للدرجةِ التي باتت تتبنى فيها نوعين من السياسات مع إسرائيل؛ سياسة سرية مبنية على التركيز على المصالح المشتركةِ بين البلدين وخطط الإنماء، وأخرى علنية تحاول من خلالها إرضاء بقية الأطراف الشرقيةِ “العاطفيةِ” عن طريق التعامل بطفوليةٍ مع مسؤولي إسرائيل وشعبها، بُغْيَة اكتساب الطرفين، وحتى لا تلاقي نفس مصير سلطنة عمان من امتعاض دوليٍ عقب لقاء قابوس بنتنياهو الأسبوع المنصرم.

    واحدة من الأسباب التي سمحت لدولة الإمارات بالتقدم على بقية دول الشَّرْق، هو أن بريطانيا لم تأخذ بها كمستعمرةٍ كما فعلت مع الكيانات المجاورة، أو كما فعلت فرنسا مع الجزء الآخر من دول الشَّرْق. أي أن السبب الأعظم لتَقهقُر هذه الدول الآن هو الإستعمار الفرنسي والبريطاني الذي عرقل حركة التقدم. ومع ذلك فإن الشَّرْق لا يتعامل معهما بربع المعاملة التي يمنحها لإسرائيل، مما يؤكد مجدداً أن الموضوع يتخطى الشق السياسي. وإن كان العذر بأن هذه الإستعمارات باتت جزءاً من الماضي على عكس التوغل الإسرائيلي الحال، فيكون ردي بأن كل هذه الأنظمة الشرقية لا تزال تعاني من تبعيات ما واجهته من استعمارات وانتدابات غربية. كما أنها الآن لا تزال تعاني من استعمار حالي آخر أدهى وأمر من إسرائيل وبريطانيا وفرنسا مجتمعين؛ ألا وهو الغزو الثقافي والفكري العربي لحضارات شعوب الأمازيغ والعراق ومصر وغيرهم. هذا الغزو الذي إمتد لعشرات العقود، ومع ذلك لا يعد فقط مقبولا لديهم، بل استفحل ليصل إلى مرحلة أكثر خطرا وهي مرحلة التقديس.

    ما يتم هدره من دماء الفلسطينيين لا يعد مقبولا على الإطلاق. لكن ما لا يعد منطقياً أيضا هو تدخل بقية الكيانات والأطراف الشرقية في المسألة رغم أنه يكاد لا يوجد بلد شرقي يخلو من الأقلية الدينيةِ المضطهدة، مثل جمهورية مصر التي شهدت في الآونةِ الأخيرةِ عمليات إرهابية ضد الأقباط تعادل أكثر مما شهده الفلسطينيون من إسرائيل في نفس الفترة. رغم أن الأقباط هم الملاك الأصليون للأراضي المصرية، تماماً كما هو الحال مع الفلسطينيين. فما تعانيه شعوب الدول الشرقية الأخرى من حكامها وقادتها من قمع يعد أسوأ بكثير مما يلاقيه الفلسطينيون من إسرائيل. فعندما تنجح هذه الدول في تَطْبيب شؤونها الداخليةِ وتحقيق العدالة في أراضيها، حينئذ فقط يحق لها التطوع لحل النزاعات الخارجية.

    ما يحدث من قِبَل الدول الشرقيةِ من تطفل على الشؤون الخارجيةِ وإهمال الشأن الداخلي هو عكس ما يحدث في إسرائيل التي يسيرها عقول قادتها لا عاطفتهم. ولا أنكر أن إسرائيل تحاول التدخل في الشؤون الخاصة لدول منطقةِ الشرق بأكملها، لكن الفرق أن ذلك لا يتم على حساب شعبها.

إن المعضلة الأكبر والأخطر في هذا الخلط بين الأوراق السياسية والدينية تنعكس في الخلط بين إسرائيل شعباً وإسرائيل حكومة. وتتجلى أكثر في رفض إستقبال الفرق الرياضية الإسرائيلية، أو معاداة الفن الإسرائيلي، وبشكل عام رفض فكرة التعايش السلمي مع المواطنين -الذين ليس لديهم يد في ما تنتهجه سياسة بلدهم- وما سواه من التصرفات “الصبيانية” التي تؤكد على أن القضية قد تجاوزت شقها السياسي -منذ زمن سحيق- وربما الديني كذلك، لتبلغ مرحلة مرضية أكثر تعقيدا واستفحالاً، ألا وهي مرحلة “الإسرائيلو-فوبيا“.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in لينا صلاح الدين and tagged , , , . Bookmark the permalink.