التعليم في عالم الرمال

حبيب محمد / موريتانيا 

 يتميز ساكنة الرمال عموما بثقافة سمعية ومناهج تقليدية جدا، حيث أن موريتانيا أو يطلق عليه “بلاد شنقيط سابقا”، اعتمدت على مايسمونه المحظرة  “المدرسة التقليدية”، التي تستخدم من التلقين والحفظ أدوات لفرض رؤيتها، وما انبثق عن ذلك التيار من تصورات ومفاهيم ضيقة زادت من تحجر الفكر وانغلاقه وابتعاده عن الساحة العلمية “المنعدمة نوعا ما في ذلك الوقت” نتيجة شح في الموارد الاقتصادية وقلة المهتمين بالتحصيل المعرفي النوعي، ورغم أن المحظرة كانت جيدة في بداياتها إذ كانت تدرس النحو والبلاغة والشعر إضافة للقرآن لكن للأسف حين تم مزجها بالموروث الفقهي الذي في غالبه سلبي بل يقف حاجزا ضد أي نقد أو تمحيص، بل يعمل على إشعال الفتن ونسج الصراعات من محض الخيال ، لاشيئ سوى ليبث سمومه وجراثيمه بين أطياف الشعب الواحد

فشرع العبودية التي ظلت تمارس بشكل واضح إلى أن تم إلغائها بشكل رسمي  في بداية ثمانينات القرن الماضي،  كما أنه ضالع في الحروب العبثية التي كانت تجري في هذه الأرض، حيث كانت موريتانيا عبارة عن إمارات صغيرة وكل إمارة تعتبر نفسها دولة ولها سلطة مستقلة وحكم ذاتي، ومع دخول المستعمر الفرنسي وأصبح الإنفتاح على الآخر أمر ضروري جدا، انقسمت الناس إلى مجموعات، هناك من رحبوا بالتعليم الفرنسي الحديث والنهج الحداثي “المدرسة العصرية” فعلموا أبنائهم وبهذا كان ذلك جزء لايتجزء من المقاومة الثقافية للمستعمر وهي أن تكون دبلوماسي وتتبنى الطرح السلمي حفاظا على الكادر البشري وتقليصا للخسائر

وهناك من هم متعصبون جدا وتتغلب عليهم النزعة القبلية ويرو أن التعليم العصري هو شريعة الكفار وبالتالي هو أمر مرفوض ولا جدال في ذلك ، ولكي نكون صريحين موجة التجهييل ونشر الغباء بدأت في تلك المرحلة من عمر  موريتانيا  حيث كان قادة التخلف والاقطاعيين المنافقين في صفقة مع المستعمر إذ يرسلوا أطفالهم للمدارس الحداثية،  ويدفعوا بأبناء بعض الشرائح الأخرى إلى مدارس من نوع آخر وهي الأعمال الشاقة كحمل الأثقال ورعي الأبل والغنم والطبخ في الشمس الحارقة إذن العبودية في جمهورية الرمال أخذت طابعا ثقافيا إضافة أنها تصفية جلية ضد العرق الآخر من منطلق معروف

وهكذا تم حقن عقاقير الفشل والأمية في نواة المجتمع بغية إقصاء  طبقات واسعة من المجتمع الموريتاني وحتى بعد الأستقلال “الرمزي”  للبلاد عام 1960، ظلت مخلفات الانتحار المعرفي مستشرية في نسيج المجتمع ومازاد من تكاثر هذا المنطق المخرب هو الترويج لخرافة الغزو الفكري لمجتمعاتنا وكأنها مهمة لهذه الدرجة..

إذن أزمة التعليم في مجتمعاتنا أزمة بنيوية لأنك لايمكن أن تعلم من ليس مقتنع بأن العلم هو الحل، وبعد تأسيس موريتانيا الحديثة ظل التعليم باللغة الفرنسية “طبعا مع وجود مادة اللغة العربية كمادة ثابة في جميع المراحل كونها اللغة الرسمية للبلد “، وفي هذه المرحلة نشأت أجيال وقامات علمية وفكرية في موريتانيا معروفة إلى الآن، لأن التعليم كان جيد ويتسم بالطرق المبسطة واحترام الطالب والأستاذ، وبعد هذه الخطوة النيرة والتي تمثل العقل الحر من التاريخ الموريتاني الحديث،

وحين تمت الإطاحة بالنظام الذي وضع قيم الجمهورية  انذاك، دخل العسكر على الخط وتم جلب مناهج أخرى لاتستطيع أن تفهم ماهيتها بالضبط لأنها مرتجلة وبالتالي غير مدروسة وإنما هي فقط عنوان لسد التخبط الحضاري والنفسي والسياسي للبلد، الذي لم يتوقف يوما من أزمة لأزمة إلى أن تم الاتفاق على تعريب التعليم أي صياغة طريقة موازية مع الملاحظة ان التعليم تقريبا ظل فرنسيا وعربيا في نفس الوقت أي أصبحت هناك شعبتان، لأن موريتانيا في داخلها ومن خصوصيتها كمجتمع متنوع الثقافة والعرق والفئات فلن تطرح له اللغة مشكلة لكن كما أسلفت هو فقط نوع من الأدلجة والتلاعب بمصير الأجيال حيث تصبح القرارات مزاجية وليست لخدمة الشأن العام، وظل الحال مستمر، وبرزت بشكل رسمي مع بداية تسعينيات القرن الماضي “منظومة التعليم الحر” متمثلة في المدارس الخاصة، التي لم يذع صيتها بالشكل المطلوب في ذلك الوقت لأنها كانت تلقى تضييقا من طرف الدولة إضافة أن التمدرس ظل نسبيا إلى نهاية التسعينيات،وبعدها  جاءت ضربة مفاجئة وكأنها حرب ضد العضو، حيث أعلنت الحكومة في مرسوم رئاسي للعام الدراسي “1998_1999″ بأن التعليم أصبح مزدوج أي ممزوج في نفس الشعبة، أتذكر وقتها حين كنت في الابتدائية ” سمعت بذلك القرار، وهو نفس النهج الحالي ويرى كثير من الخبراء انه لم ضيف أي نتيجة اجابية للحقل التربوي بل العكس هو ساهم في تكريس الجهل والتسرب المدرسي

أما من ناحية أداء الطواقم التعليمية فهو مقبول حين تتم مقارنته مع وضع هذه النخبة المحتقرة من طرف الشعب “البدوي ” والدولة “المستبدة “، فلم يدركوا بل لم يحترموا بالقدر الكافي من وضعوا الحجر الأساس “للأنسان”، فالمعلم ليس شخصا عاديا كما يتصور الشعبويين،  وغيرهم من مرتادي المنطق الغوغائي الجدلي،  فكل مجتمع يرتقي حين يحترم من علموه مايفيد مايستطيع من خلاله أن يرتقي ببلده في عدة مجالات فبدون معلم لا تعليم وبدون تعليم لاصحة ولا عمران ولا نمو ولا حياة..

إذن التعليم هو سلاح المجتمعات الراقية، وما أعني هنا التعليم الذي يفيد وليس تكرار أسماء القشريات ونفايات الماضي المبهم

وحين نرجع للواقع اليوم نجد أننا لم نقطع أي شوط يذكر من أجل تحسين وضع التعليم، فالرئيس الحالي قال بأن سنة كذا هي سنة تعليم وفي نفس السنة تم تصنيف موريتانيا في المرتبة 137 من اصل 140 دولة، لأن الجهد والوقت والمال لم يصرفوا من أجل الشعب بل من أجل زمرة من المفسدين واللصوص تعمل على تلميع صورتها أمام الرأي العام وتستدعي الإعلام ليروج للأصلاحات الوهمية، وأيضا لم ترتكب أي من الأنظمة السابقة أخطاء تصل إلى حد التلاعب بمستقبل الأجيال والبلد مثلما مايفعل النظام الحالي وهذا لايجب أن نتفاجئ منه فمن لم يجد الفرصة للتعليم والحصول على شهادات معتبرة سيكون بالمرصاد لكل من يتفوق عليه معرفيا، وهكذا هو في تصرفاته هذه كأنه ينتقم من الآخر الذي لم يعرفه إلا في الشاشات فعلا شيئ مؤسف ومخجل أن تجد رئيس دولة يحدد عمرا معينا للبكالوريا ، وكأن التعليم له عمر معين، طبعا  في البداية ظلت إشاعة إلا أن أصبحت حقيقة ولم يتحرك أي صوت حر أو تيار معارض لهدم البنية التربوية للبلد، وهكذا تمادت سلطة التجهييل في ملفاتها الملوثة بالاجرام والاحتقار والظلم والنهب وتشريع ابشع أنواع الموت البطيئ

فأصبحت الغالبية أمام احتمالان كل منهما صعب وقاسي فقط اما ان تلجأ بأطفالها للتعليم الحر الذي أصبح هو الآخر نوع من التجارة الرائجة في هذه الرمال المليئة بالحقد والغبن والتمصلح على حساب الآخر، رغم ضعف المستوى المادي وهشاشة البنية الاقتصادية للبلد التي لم تعرف رخاء منذ الأزل، أو الاحتمال الثاني  أن ترمي بأبنائها إلى التعليم العام الذي هو بمثابة مجزرة مؤقتة للطموح والمستقبل بشكل عام، وطبعا نتائج ذلك واضحة حين نرجع لنتائج المسابقات الوطنية مثل الباكالوريا حيث النسب المتدنية تتصدر المشهد وكان آخر تصنيف لنا هذا العام هو أننا خارج التصنيف بعد أن كنا في المؤخرة إذن هذه إنجازات الفاشلين ومن لافكرة لديهم سوى جمع المال وزرع الفتن وتأزيم الوضع وخلق المشاكل لتغييب الشعب عن حقيقة مايجري من تخبط في هذه البقعة السوداء من الكون، وكانت آخر فاجعة  في هذا الصدد هو أن هناك محاصرة ممنهجة لطلاب الباكالوريا واقصائهم من حقهم في إكمال تعليمهم العالي حيث اتخذ وزير التجهييل العالي قرارا باقصاء كل من تزيد أعمارهم على 25 سنة من ولوج الجامعات الحكومية  كل هذه القرارات التعسفية تثبت أننا فعلا في الذيل وان البلد بين كفي عفريت أما أن ننقذه بالحكمة والحوار ووضع استراتيجيات استعجالية لحل جميع المعضلات بشكل متسلسل خاصة مشكلة التعليم لأنه في كل الدول المتقدمة، المعلم هو كل شيئ،  أذكر مثلا انه في ألمانيا المعلمون هم الأعلى دخلا في البلاد وتمت هناك مظاهرات للأطباء والمهندسين والقضاة وذلك من أجل رفع رواتبهم لكي يصبحوا مثل المعلميين ردت عليهم المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل ” كيف اساوييكم بمن علموكم..

وأيضا سئل أحد الساسة اليابانيين عن سر تقدم اليابان فقال:

منحنا المعلم سمة إمبراطور وحصانة دبلوماسي وراتب وزير، إذن متى نأخذ العبرة من الدول المتقدمة كي نلتحق بهم!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in حبيب محمد and tagged , . Bookmark the permalink.