من هو القمني؟

عبدالله خليفة  

 استضاف مركز الشيخ إبراهيم آل خليفة الأستاذ الباحث سيد محمود القمني، الذي يعتبر تتويجاً لمسيرة البحث الفكري المصري والعربي في تاريخ الأديان والفكر الديني عموماً.

وهو تتويج شجاعٌ لأنه يقتحم ميداناً هو في منتهى الخطورة، ولأنه ينطلق من موقف فاحص نقدي للظاهرات المقدسة والمسيجة بسياج سياسي ولاهوتي وحربي.

إن سيد القمني قد انبثق من سيرورة خاصة للفكر النقدي المصري الخاص بتحليل الإسلام، فقد ظهر تياران أساسيان نقديان في هذا الفكر، بدأ الأول لدى طه حسين حين تخلى عن الهجوم على عمومية الإسلام بعد كتابه في الشعر الجاهلي، وراح ينتمي لقوى المضطهدين والمتنورين في هذا التراث، كما في « الفتنة الكبرى » وتابعه في هذه الخطى مفكرون مثل عبدالرحمن الشرقاوي ومحمود إسماعيل في كتابه « سوسيولوجيا الفكر الإسلامي » وبأدوات تحليلية مختلفة.

أما الخط الثاني فقد نبع من المفكر لويس عوض الذي رأى في الإسلام بنية عامة يمكن تجاوزها .

أما الباحث والمفكر سيد القمني فقد اشتغل بصورة مركبةٍ وناقدة، فهو قد انطلق من فحص الفكر الديني القديم، المصري والرافدي كاشفاً تطوره في الجوانب العبادية خاصة، وذلك فى كتابه « الأسطورة والتراث» وهذا كان بداية احتكاكه النقدي بالإسلام، إلا أن مسائل الفكر الديني القديم كانت هي بؤرة عمله فى هذه المرحلة.

وينتمي لهذه الفترة كتابه « أوزيريس وعقيدة الخلود »، وهو كتيب يغوص فيه بشكل مدهش في كيفية تحول عقيدة الخلود المصرية من شكل نخبوي مقتصر على الحكام إلى أن يكون شعبياً فحدثت ثورة عبر هذا المفهوم.

واتسعت المشارط التحليلية للباحث نحو البؤر الأكثر قداسة والمحفوفة بالمخاطر عبر كتابه « النبي إبراهيم والتاريخ المجهول »، وفي هذا الكتاب متابعة لفكرة لويس عوض في كتابه « فقه اللغة »، بكون العبريين والغرب من جنس قادم من خارج المنطقة .

لكن هذه التلميحات تحولت إلى قراءات نقدية قوية للإرث الديني الإسلامي الذي أخذ يتحول إلى بؤرة ثانية بعد بؤرة الفكر المصري الديني القديم، فظهر كتابه المثير « الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية »، الذي نظر فيه إلى الإسلام كمشروع سياسي متكامل للأسرة الهاشمية القرشية بدأ من الآباء المؤسسين لهذا الفخذ القرشي المتعبد والسياسي، وحيث كانت تتكامل كذلك الظروف الموضوعية والذاتية التوحيدية في الجزيرة العربية لكي يظهر الإسلام ويتحول إلى تلك الدولة الهاشمية

في هذا الكتاب جهدٌ كبيرٌ عبر الرجوع إلى المصادر القديمة الكثيرة وخلق حفريات دقيقة حول ظروف العرب قبل الإسلام ووجود الثقافة الدينية التوحيدية بقوة وتشكل مكة وأسرة قريش وتطوراتها وكون الإسلام هو مشروع أسرة، رغم أن العديد من النقاد كانوا يتمنون أن ينظر الباحث إلى كون الإسلام كذلك تعبيرا عن نهضة حضارية وثورة اجتماعية ، فليس ثمة ثورة تاريخية بدون حيثيات أسرية وقبلية خاصة مع تلك المرحلة البدوية. وبطبيعة الحال فقد أحدث هذا الكتاب هزة كبيرة في الأوساط المحافظة الدينية .

ويستمر هذا التحليل النقدي الصدامي المتقصي لمشروع بني هاشم السياسي في كتابين التاليين هما « حروب دولة الرسول جزء أول وثانٍ »، حيث ركز هنا على انتقال المشروع إلى الأعمال الحربية والغزوات ودورها في تغيير الحياة السياسية وانتصار الإسلام عبر تلك الرؤية الفكرية السابقة الذكر .

ومن أهم الكتب التي اشتغل عليها المؤلف طويلاً وظهرت بشكل موسوعة تاريخية غنية، هو كتابه المكون من أربعة أجزاء والمسمى « النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة »، فهذا الكتاب ليس هو تقصٍ جديدٍ للديانة اليهودية فحسب، بل هو أيضاً رحلةٌ بالغة الخصب والإثارة في التاريخ المصري القديم، عبر دراسة شخصية إخناتون، المؤسس للتوحيد المصري والعالمى، والكتاب كذلك دراسةَ للظواهرَ الدينية والتاريخية للمنطقة كافة سواء كان ذلك عن بلقيس سبأ أم النبي سليمان، أم عن المدن التي تكونت على البحر الأحمر وعجائب اللون الأحمر وتاريخ ذلك كله. وبهذا الجهد الكبير يطرح المؤلفُ فرضية خطيرة ويقدم الكثير من أدلته حولها، وهي أن إخناتون هو النبي موسى نفسه .

وغير هذه الجهود الكبيرة في التاريخ المقدس والمعقد فإن للمؤلف كتابات سياسية ومقالات يبحث فيها ظاهرات القعصب والصهيونية ويدافع فيها عن الفكر الحر والنضال من أجل تغيير الحياة العربية نحو الحداثة والعلمانية والتقدم.

وقد أثار كتاب رب الزمان الكثير من العواصف ولكن أنيس منصور كتب للباحث سيد القمني ما يلى: وطبيعى أن يختلف الناسُ حولك.. فليكن! ولكنك قلتَ وأثرتَ وأثريتَ وفتحتَ النوافذَ وأدخلتَ العواصفَ وأطلقت الصواعقَ..

ومن قبلك قال كيركجور « مهمتي أن أقضَ مضاجعَ العقول التي نامت والقلوبَ التي ماتت .. وإلا فلا أملٌ في نهضةٍ روحية »!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Essays مقالات علمانية, عبدالله خليفة and tagged , . Bookmark the permalink.