السر وراء بقاء نظام الأسد فى سوريا حتى الآن

 د.رياض حسن محرم  

من النظريات العلمية ” التى ثبت صحتها دائما” هى أن العوامل الذاتية تعتبر الأساس فى الظاهرة، وتبقى العوامل الخارجية فى إطار العامل المساعد، و هذا صحيح فى الأزمة السورية أيضا، بمعنى أن التدخل الإيرانى وبعده التدخل الروسى لمساندة النظام السورى، رغم دوره الكبير فى تثبيت النظام ودعمه، الاّ أن ذلك لا يعدو كونه عاملا خارجيا مساعدا.

إن ماحدث فى سوريا يحتاج الى تفسير، خاصة فيما بعد الربيع العربى فى 2011 حيث سقط سريعا نظامى مبارك فى مصر وزين العابدين فى تونس، بينما قاوم النظام السورى، بعد أن واجه بشراسة معارضة داخلية عنيفة وقوية تحالفت معها معظم تيارات الإسلام السياسى الوافدة من مختلف أصقاع الأرض، بدئا من الجارة العراق “القاعدة وداعش”، وليس إنتهاءا بإيجور الصين “الحزب الإسلامى التركستانى”، نحن إذن أمام ثورة سلمية تحولت الى إنتفاضة مسلحة ثم الى حرب أهلية، وها هى تشرف على نهايتها لمصلحة النظام فى مفارقة مذهلة.

بعد أن دشن النظام فى سوريا للإنقلابات العسكرية بمجرد إنتهاء الإنتداب الفرنسى (إنقلاب الشيشكلى والزعيم)، ليشّكل نمطا من النظم التى يمكن تسميتها بالفاشستية الشعبوية، التى بدأ ظهورها بعد إنتهاء الحرب الثانية فى عدد من الدول، وذلك بعد أن إنقسم العالم الى معسكرين، الأول رأسمالى بقيادة الولايات المتحدة ويتبنى نظم تعرف بالديموقراطية الليبرالية، والثانى معسكر إشتراكى يتبنى نظام ديكتاتورية البروليتاريا، بينما إنتشرت وتوسعت حركات التحرر الوطنى فى دول العالم الثالث بأفق إشتراكى.

لاشك أن فكرة القومية العربية ظهرت إبتداءا فى المشرق العربى فى بدايات القرن العشرين، وتحديدا فى سوريا الكبرى على يد روّاد قوميين من أهمهم ساطع الحصرى وقسطنطين زريق وغيرهم، تلك الفكرة التى حملها وتبناها جمال عبد الناصر فى مصر فى مواجهة أفكار الأمة المصرية والإتجاه الإسلامى المنادى بعودة الخلافة، ولكن الأفكار القومية كانت أشد تغلغلا فى المشرق، وأدّى ذلك الغليان القومى الى ضغط هائل على القيادة السورية والنظام فى مصر حتى تمت الوحدة المصرية – السورية فى فبراير 1958.

كانت الوحدة هى حبل النجاة للبرجوازية الحاكمة فى سوريا، حيث قام عبد الناصر بحل جميع الأحزاب السياسية وعلى الأخص منها “الحزب الشيوعى السورى” ذو الشعبية الكبيرة والمتغلغل فى أوساط الجماهير، ولكنه تعدى الخطوط الحمراء من خلال التأميم واجراء الإصلاح الزراعى، تلك القوانين التى آلمت بشدة الطبقة الرأسمالية وجعلها تسرع بتدبير إنقلاب الإنفصال فى 1962.

وبوصول حزب البعث العربى الإشتركى الى الحكم فى سوريا عام 1963، بدأ بعدها فى تطبيق نظام إقتصادى ذا طبعة إشتراكية بأكثر مما طبقه نظام عبد الناصر، وتصاعد التطبيق الإشتراكى حتى بلغ ذروته بين أعوام 1966 -1970″ سنوات حكم صلاح جديد”، ذلك الوضع الذى لم تستطع البرجوازية السورية تحمله فدفعت بحافظ الأسد لإحداث إنقلاب على النطام الحاكم (من خلال الجناح اليمينى فى الحزب) باسم ثورة التصحيح، ليخفف بعضا من الإتجاه اليسارى الحاكم، وليحكم بأظفاره على السلطة، وهو المعروف بحنكته ودهائه.

حكم نظام البعث بقيادة الأسد الأب سوريا تحت شعار وحدة -حرية -إشتراكية، باعتبار الحزب أنه حزب العمال والفلاحين ونصير المقاومة العربية ضد العدو الصهيونى وغيرها من الشعارات الرديكالية، ورافضا بشدة للأفكار الرجعية والطائفية، واستغل التحالف مع الأحزاب القومية واليسارية والعمل معها فى إطار جبهة وطنية تقدمية، حيث كان يهدف إلى ضمان ولاء هذه التيارات، ليضمن بقاؤه فى السلطة، ومن هو خارجها فمكانه الطبيعى هو السجن، وقدّم نفسه بصفته المدافع الأشرس ضد الإستعمار والصهيونية والداعم الأول لحركة حماس وحزب الله، هى معادلة جديدة تقوم على استيلاد طبقة بوراجوازية لا تتدخل في السياسة مع احتكار السوق ضمن إطار الاشتراكية أو ما سمته أدبيات حزب البعث القطاع المشترك، مع إبقاء الأولوية للقطاع العام الذي سيبقى مهيمناً ومسيطراً على الحياة الاقتصادية السورية.

حافظ نظام البعث على عدم توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل ووصف كل من تفاوض معها بالخيانة، وفى الوقت الذى كان يبدو الأشد حرصا على محاربة الطائفية فإن أجهزته كانت تعمل على بناء شكل متوازن، و الرفع من شأن رؤساء القبائل وزعمائها، وربطهم بالسلطة عبر لعبة تضمن ولاءهم مقابل محافظته على مصالحهم، وإبقائهم ورقة قابلة للتوظيف ضد الطوائف والأقوام الأخرى حين يحتاج إليها، وبهذا حافظ النظام على المجتمع في مرحلة “تجاور طائفي”.

قد يكون النظام السورى غير متعجلا إستعادة الجولان، وقد ذكرت القيادة يوما عن الأسد الأب أنه كان وطنيا بحق، بدليل أنه رفض توقيع إتفاق سلام مع العدو، بمعنى آخرإثبات لخيانة السادات بتوقيعه، ولكن حافظ الأسد لم يكن في وقت من الأوقات يريد التوقيع على اتفاق سلام مع إسرائيل وظل يتعلل بما أطلق عليه “وديعة رابين”، لإدراكه أن نهاية نظامه ستبدأ في اللحظة التي يوقع فيها السلام، لأن الأصوات الداخلية التي تسكت على قمع نظامه بحجة الحرب ضد إسرائيل وهي راضية بذلك ومقتنعة، لن تسكت بعد ذلك. ومن جهة إسرائيل فإن حاجتها إلى العدو تبقى قائمة ما دام المناخ العربي بعمومه غير راضٍ ببقائها بعد، وغير معترف بمشروعيتها.

منذ العام 1980 كانت إجراءات الأسد الأب قد استنفدت اقتصادياً فتراجعت معدلات النمو، بفعل عوامل عدة، منها تنامي الفساد داخل أبناء الطبقة الحاكمة وتضخم مؤسسة الأمن والجيش وضغط التوترات السياسية والأمنية التي أصابت البلد (حرب الثمانينات ضد الإخوان والحرب الأهلية اللبنانية التي أصبح الجيش السوري طرفاً فاعلاً فيها)، ما اضطر النظام إلى اتخاذ بعض الإجراءات الاقتصادية نحو قليل من الانفتاح عبر مراسيم اقتصادية تنتهج التحرير الاقتصادي الجزئي، من دون أن يتمكن النظام من حل أزمته الاقتصادية، ما دفعه نحو مزيد من التحرير في تسعينات القرن الماضي عبر ما عرف بقانون الاستثمار رقم 10، وهو القانون الذي سن لأجل مصالح الطبقة الحاكمة التي اغتنت خلال عقود من نهب القطاع العام، فأصبحت بحاجة إلى توظيف أموالها المسروقة من خير الشعب بشكل شرعي.

ساعد ذلك بشدة فى النمو المتواصل للشريحة العليا من البرجوازية وشهد المجتمع السورى وجود أعداد متزايدة من المليارديرات على حساب الفقر والإنسحاق والبطالة للأغلبية الساحقة من المواطنين، وعرفت سوريا مقولة “المئة الكبار”، هذا إلى جانب عوامل أخرى مضافة منها تدفق الاستثمارات الخارجية من دون حماية الاقتصاد الوطني والحرف الصغيرة والزراعة والصناعة الوطنية، فكان أن انضم آلاف العاطلين عن العمل إلى آلاف قبلهم، وأغلقت آلاف الورشات والمصانع الصغيرة، ما زاد من حدّة الإحتقان الإجتماعى وعجّل ذلك من قيام ثورة مارس 2011.

هذا المسار الاقتصادي ترافق مع انهيار الطبقة الوسطى التي كان يجب أن تحمل مطالب التغيير خلال الانتفاضة، ما يعني أن الانتفاضة حين انفجرت لم يكن هناك طبقة وسطى قادرة على حمل مطالب التنوير، مقابل وجود جيش من العاطلين والناقمين والجاهلين، إضافة إلى السلفية الجديدة التي بدأت تتغذى من هذا الانهيار بإشراف السلطة.

إن انهيار المشروعات القومية واليسارية والليبرالية الممثلة فى رأسمالية الدولة ذات الطابع الإجتماعى وانهيار الطبقة الوسطى وسقوط الاتحاد السوفياتي كلها معطيات وأحداث أدت إلى انتعاش التيار الديني الذي بات يجد في أوساط المفقرين والمهمشين أرضاً خصبة للعمل، لقد أدت أحداث الثمانينات الى إشعال حرب منظمة ضد الإخوان المسلمين بالإضافة الى القانون الذى يعاقب بالإعدام كل من يثبت إنتماؤه اليهم، ولكنه بالمقابل عمد النظام إلى صناعة “إسلام أليف” وعلى صبغ االمجتمع بالأفكار المتشددة، وتديين المجتمع من جهة ثانية، وذلك بإغراقه في مسائل الحلال والحرام والطاعة “والرزق على الله”، ما يعني وجود أرضية قابلة للاستخدام من قبل المنظمات السلفية الجهادية وأفكار التكفير والإرهاب.

شكلّت القوى والتيارات المدنية والديموقراطية قوام انتفاضة 2011 فى بداياتها السلمية، ومع تنامى الإتجاه الى العسكرة، بدئا من إنشقاقات بعض العسكريين مشكلين ما عرف ب”الجيش السورى الحر” الذى عمد الى بعض المواجهات العسكرية للنظام، التى واجهتها السلطة بردود شديدة العنف مستخدمة نوع من القنابل البدائية عرفت باسم البراميل المتفجرة، مما سبب فى الإرتفاع الهائل فى عدد القتلى والجرحى والنزوح الجماعى للخارج والداخل، وتسبب ذلك بتدخل عشرات المنظمات ذات الطابع السنى التكفيرى الى جانب المعارضة وإستعانة النظام بتنظيمات وقوى ذات طابع شيعى، ما أدى الى أن يتحول الصراع الى شكل مذهبى- طائفى، ونظرة الى القوى المتصارعة على الأرض يبيّن لنا الى أى مدى هذا الطابع الطائفى:

أولا: (القوات التى تحارب الى جانب النظام): 

–        القوات المسلحة السورية

–        قوات العشائر

–        لواء الباقر

–        حزب الله

–        حركة الموحدين

–        لواء القدس

–        قوات الجليل

–        لواء أبو الفضل العباس

–        لواء فاطميون

–        سرايا المختار

–        الفيلق السلاقى

–        لواء الإمام المهدى

–        قوات الإمام الرضا

–        مجموعات تابعة للحشد الشعبى العراقى

  • قوات الحرس الثورى الإيرانى
  • القوات الجوية الروسية

(ثانيا) القوات التى تحارب فى جانب المعارضة:

*الجيش السورى الحر المدعوم من ايران، ويتبعه:

–        جيش الإسلام

–        فيلق الرحمن

–        جبهة تحرير الشام

*جبهة تحرير سوريا:

– أحرار الشام

– جيش نور الدين الزنكى

* فيلق الشام

*لواء شهداء الإسلام

*جيش إدلب الحر

* جيش النخبة

*الجبهة الجنوبية

*ألوية الفرقان

*حراس الدين

*أجناد القوقاز

*الإتحاد الإسلامى التركستانى “إيغور”

*جيش على بن أبى طالب

* دروع الثورة “تابعة للإخوان المسلمين”

– قوات عسكرية أمريكية وتركية وفرنسية

* جيش الدولة الإسلامية -داعش

– جيش خالد بن الوليد

-لواء شهداء اليرموك

-حركة المثنى الإسلامية

-جيش الجهاد

  • قوات سوريا الديموقراطية.

ذلك ملخص للجبهات المتصارعة على الأرض السورية، وتبين عمق الصراع الطائفى بين السنة والشيعة، ولولا دخول الجانب الروسى الذى إستطاع تخفيف حدة القتال الطائفى لغرقت سوريا فى أتونه الذى لا ينضب ولا يشبع، كما أن عدم تمكن المعارضة السورية من التوحد وإيجاد استراتيجية مشتركة واحتواء الشارع وبناء برنامج سياسي قابل للتطبيق وجذبه نحوها ومخاطبة الخارج بأحقية مطالبها، إضافة إلى قدرتها على مواجهة أجندته، هذه كلها عوامل بيّنت ضعف المعارضة وعدم قدرتها على إدارة الأمور، ما بيّن للمجتمع الدولي أن المعارضة عاجزة عن تشكيل بديل عن النظام يحمي المصالح ويدير الدولة، وبخاصة أنّ أطيافاً كثيرة من المعارضة أيّدت جبهة النصرة وجعلت منها شريكاً في الانتفاضة، الأمر الذي صب أيضاً في خدمة النظام وساعد في بقائه.

وقد وظف نظام الأسد أدواته وخبرته وحنكته ضد الانتفاضة التي لم تكن مدركة لهذه الأبعاد كلها فوقعت ضحية جهلها بطبيعة النظام وإمكاناته من جهة، وغدر القوى الإقليمية والدولية لها من جهة ثانية، وضعف إمكاناتها وقدرتها على الاستشراف من جهة أخرى، إذ أصبحت الحلقة الأضعف في الصراع السوري اليوم.

أن النظام السوري لا يستعد للاحتفال بانتصاره فحسب، بل يعمل على إعادة ترميم نفسه واستعادة أدواته، بالسعي لإرضاء ما تبقى من السنة السوريين، لإضفاء شرعية شكلية على نظامه، أي يسعى اليوم لإعادة إنتاج “إسلام سني” أليف مرة أخرى، وفى ظنى أنه قادر على ذلك.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in International Affairs شؤون دولية, World History دول وشعوب, د.رياض محرم and tagged . Bookmark the permalink.