زنزانة» ليلة الدخلة»

نُهى البدوي   

   ليس العرس الأول ولا الأخير الذي أقيم في صنعاء «همدان» الأسبوع الماضي، وتسال فيه الدماء وتزهق الأرواح البريئة بسبب إطلاق النار، عندما فقد أحد الحاضرين سيطرته على سلاحه وهو يطلق الرصاص متسبباً في قتل شخص وإصابة آخرين، ليتحوّل العرس إلى مأتم، وليست هذه هي المرة الأولى التي تتحول الفرحة في عرس إلى حزن، إنما يتكرر حدوث هذه المأساة في بقية المدن، والمحافظات اليمنية، وسيستمر وقوعها باستمرار عدم وجود رادع عقابي وإجراءات أمنية صارمة ضد العريس «صاحب العرس» تمنع وقوع ضحايا في الاعراس، في ظل وضع يتصور فيه بعض الشباب أن إطلاقهم للرصاص سيكمل النقص في رجولتهم، وسيداوي العقدة النفسية في سلوكهم الفوضوي.

   لن يجزم أحد بإن ظاهرة حمل السلاح وإطلاق النار في الاعراس، لم تكُن موجودة سابقاً في بعض المدن الرئيسية قبل اندلاع الحرب، لكن لا يجرؤ أحد على إطلاق النار، وأن حدثت حالات، فهي نادرة، ذلك لوجود إجراءات أمنية وحتى وأن كانت هشة، ويشوب تنفيذها الفساد، والتغاضي عن البعض، ومعاقبة البعض الآخر، لكنها حالات لا تخلف ضحايا كما يحدث الآن.

   يتناسى من يحاول تقليد، ما يحصل في اعراس القرى، كمبرر لإسكات أصواتنا المطالبة بمنع إطلاق النار بشكل عام سوى في القرية أو المدينة، أن هناك اختلاف بينهما من حيث الواقع، والعادات والتقاليد القبلية، وحتى إذا سُمحت لإطلاق النار، ففي حوادث كثيرة يخلف استخدام السلاح ضحايا ومأسي لا تنسى، كما حصل مؤخراً في مديرية «همدان» ويرجع لاختلاف مستخدمي السلاح، رغم أن شباب القرى أكثر حرصاً على حياة ضيوفهم، مقارنة بالمدينة.

   لقد جعلت الحرب اللعينة الشباب يتمنطق بالرصاص، وبلغة السلاح، مما أحدثت هذه الظاهرة مشاكل كبيرة في المجتمع، وزادت تعقيد السلوك غير السوي لدى الشباب الذين لا يرون اكتمال شخصياتهم إلا بالتباهي بحمل السلاح وإطلاق الرصاص، في أبسط الظروف والخلافات، وغالباً بدون أسباب، ومضايقة الركاب في الدباب بحمله حتى صار كل شيء أنتجته الحرب، في نظرهم «موضة»، كثقافة جديدة يتسلح بها الشباب، ليجد اليمنيين أنفسهم ضحايا صمتهم، ليس في الحرب! إنما أيضاً في الاعراس، والطرقات، والأسواق، وفي باحات منازلهم بسبب الرصاص الراجع، وبأعداد متزايدة، لم نكُن نسمع عليها بهذه الفظاعة قبل الحرب، كل هذا من نفاياتها حتى صار اليمني يقتل اليمني في الحرب وفي الاعراس وفي أي مكان، ألا يكفينا من يسقطون ضحايا الألغام والحرب التي تحوم حولها علامات الاستفهام!

   عدم وجود رادع عقابي وإجراءات أمنية وقائية صارمة، أتاح للظواهر الخطيرة المدمرة للمجتمع، سرعة انتشار ممارستها في العلن دون خوف أو تردد، ومنها حمل السلاح، وإطلاق الرصاص في الاعراس ليزيد من تعقيد الوضع الأمني، مما يستدعي وقوف المجتمع، والمؤسسات الأمنية في صنعاء وبقية المحافظات والمدن اليمنية يداً واحدة لوضع ضوابط رادعة تحد من انتشار هذه الظاهرة، والاستفادة من تجربة الإجراءات الأمنية التي اتخذتها إدارة أمن عدن بإيداع العريس في السجن والمبيت فيه، وتطوير هذا الإجراء بوضع ضوابط أكثر إلزاماً وضبطاً تلزم قاعات الافراح، والعريس شخصياً، بعدم إطلاق من يشاركه أفراحه الرصاص، وتجهيز زنزانة مخصصة في السجون المركزية، ليقضي العريس فيها ليلة الدخلة، حتى يكون عبرة لمنع إزهاق الأرواح في الاعراس، وهذا الرادع الوقائي، سيضع العريس في اختبار عاطفي أمام العروس لمعرفة مدى تقديره واحترامه لها، وحرصه على عدم إفساد فرحتها، فهل سيقضي ليلة الدخلة معها في العش الزوجي الجديد أم وحيداً في زنزانة ليلة الدخلة؟

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in نُهى البدوي and tagged , . Bookmark the permalink.