[أساطير نوبيّة: الأسطورة الأولى[1

لميس فايد  

“وفي الحُب شيء من عظمة الله، وأنفاسُ الشياطين، وعذابات الأنبياء، وغموضُ الآلهةً” مولانا جلال الدين الروميّ البلخي..

في أحد الشتاءات بعد أن انهيت عملي مع وفد سياحي فرنسي في أبو سمبل وأوصلتهم لمحطة القطار، لم يكن لدي ما أعمله، فانتهى يومي معهم كمرشد سياحي، وجدتها فرصة سانحة للعودة والبقاء في النوبة (أسوان)، من حيث يمتد الشلال الأول في أسوان تبدأ أرض النوبة ، أرض الذهب كما سماها المصريون قديماً من (نوب) وتعني الذهب أو مناجم الذهب، تمتد أرض النوبة إلى ما يقرب من ألف كيلو جنوبا، وهنا تبدأ اللغة والثقافة النوبيّة.

أردت العودة إلى جزيرة بجّة بالقرب من جزيرة فيلة التي تحمل آخر معابد الآلهة المصرية إيزيس. أنتظرت القارب الذي سيقلني إلى هناك استأجرت أحد الفلوكات الصغيرة ووعد المراكبي أن يردني بعد ما يقرب من ساعتين إلى البر الرئيسي. كانت الشمس آخذة في المغيب، وبدأت تخف الحركة في المعابد والجزر الصغيرة، كان المراكبي هادئ جداً كعادة أهل النوبة، قليل الكلام من باب الأدب، أحب أهل النوبة كثيراً لأكثر من سبب لامجال لذكره هنا. أقتربنا من الجزيرة وأرسى المراكبي الفلوكة وأخذنبي بيدي حتى نزلت وأدرت ظهري له ملوّحة على موعدنا بعد ساعتين. كانت الجو مهيب جداً في الجزيرة الصغيرة الهادئة، لم يتبق إلا نقوش معبد “أوزيريس” أو “حرم أوزيريس ” الذي سماه الإعريق بالأباطون (يعني الحرم حيث الصمت لا مجال للكلام، إحتراماً للآله). تجولت قليلاً، واتخذت متكاً على حجر، وارتعدت عندما سمعت صوتاً خشناً لكنه حنوناً يقول ” أنت جيتي متأخر أوي”

ألتفت لأرى عجوز نوبيّة مستندة على عصا، تخاطبني. كان موقفي عسيراً لم أكن سوى وحدي، هل هي سويّة أم مجذوبة أم ماذا؟ إلى أين سأفر منها لو هاجمتني؟ أقتربت بهدوء وقالت لي ” اجلسي، أنا عرفت بقدومك من أمس” كانت عربيتها واضحة رغم لكنتها النوبيّة وثيابها معقولة وإن كانت متسخة بعض الشيئ، كم كانت عجوز وخطوط العمر عميقة في وجهها المريح. بدأت أغيّر نظرتي وشعرت بسكينة في وجودها، بادرت بالسلام وسؤالها عن من تكون وكيف عرفت بقدومي .

تقدمت وجلست بجواري ووضعت يدها على كتفي وقالت : ” انا دهيبة، دهيبة حارس المعبد !، أنا عارفة أنك جاية اليوم”. تعالي أفرجك على المعبد والجزيرة، ” يالله يا ودود” أخذت ترددها ونحن نسير، كانت خطواتها سريعة رغم عمرها، كانت أشبه بالسارية تحت ثوبها الطويل، وعصاها التي لا حاجة لها بها أصلاً مع مشيتها السريعة. توقعت أنها ستسرد شيئا عن أوزيريس والمعبد ربما، فلقد كوّنت المعابد بمرور القرون الثقافة المحلية لكل من يقطن بجانب الآثار، أذكر معبد أبيدوس في العرابة في سوهاج ومدفن الإله أوزير، الذي تحج إليه السيدات التي يئسن في الولد والإنجاب وتلف به سيع اللفات ومنهم من نحت من حجر المعبد وأخذ حفنة منه للتبرك وإنجاب الولد. لا عجب فكل ديانة المصريين كانت تجل الخصوبة والأنوثة والذكورة. أصل الدنيا وروح الحياة.

لكن “دهبية” كانت لها حكاية أخرى عن المعبد والجزيرة، جلست وتنفست طويلاً ,اخذت تردد ” يا الله يا ودود” ياودود” أحكي لك أنت حكاية ” ونجة”[2] اللي انحبست هنا في المعبد زمان[3].

“مرة زمان راجل ومرة اتجوزوا وربنا رزقهم ببنت حلوة مثلك، سموها “ونجة”، أبو “ونجة” كان رحّأل، رحل وترك “ونجة” وأمها. راحت أمها عند النهر تجيب شربة ماي، طلع لها “الدوغير” (الدوغير: عفريت أو روح ساكنة النيل ممكن تاخد شكل التمساح وشكل البني آدم)، أم ونجة كانت قليلة الحيلة وخافت منه وطلبت منه يساعدها في حمل الجرّة، ساعدني وأزوجك بنتي “ونجة”

سألها “الدوغير”: يعني ما تخلفي وعدك في جوازي من ونجة؟ 

اتسرعت أم “ونجة” وقالت له: ما تخاف أزوجك بنتي ونجة. وطلع “الدوغير من المياه” في هيئة التمساح، ومشي ورا أم ونجة وفي الطريق، قلع العشب وعمله تياب زي تياب الناس، وصار بني آدم مثله مثل أهل جزيرة “بجه” لما وصل على باب بيت “ونجة”. وأتجوز “الدوجير ” ب”ونجة”وأخدها بعيد في أرضه، ولما وصلوا هناك، وتركها “الدوغير” وقال لها حرجع لك، فضلت تلف في أرض “الدوغير” وهناك يا ويلي يابنتي على اللي شافته !

كانت عظام البشر أكوام في أرض “الدوغير”، خافت “ونجة وارتعبت رعبة كبيرة وهربت. هربت بهدومها في النيل وعامت لين ما وصلت جزيرة في النيل عند أقاربها، طلعت بتصرخ وتجري “الحقوني يا خلق” جري عليها أهل الجزيرة : مالك يا “ونجة”؟

” يا ويلي يا أما، ياويلي يا أما، ياويلي منك يا أما، أمي جوزتني “الدوغير”، وفضلت تلطم وتحط التراب على راسها ياويلي يا أما جوزتني الدوغير، الدوغير شكله بني آدم عندنا وفي أرضه بيرجع تمساح، ياويلي من ” الدوغير ” واللي شوفته في بلده، العظم أكوام، ياويلي أتجوزت “الدوغير” التمساح ، أمي جوزتني روح النيل الشريرة، ياويلي يا أماه” خبوني من قدري ونصيبي..

طلع الشيخ “بكر” وقالها : ماتخافي يا بنتي نخبيك في البيت جوه، ونفضل مراقبين الجزيرة. وإذا جا “الدوغير” نضربوه بالعصايا. ولما الليل خيم، وصل ” الدوغير” الجزيرة وصاح “يا ونجة” أطلعي يا “ونجة” روحتي فين مني ياونجة؟ تهربي من قدرك ومصيرك يا “ونجة”؟ تهربي تروحي فين ؟

ماتوا قرايب “ونجة” من الخوف ونادوا عليها، ياونجة تعالي لجوزك..

طلعت “ونجة” شاحبة من الخوف وتلف رجليها على بعض من “الدوغير” وخدها على أرضه ، أرض “الدوغير” وهناك تركها وراح يشوف أكله.. فضلت تصرخ ثلاث ليالي بطولها حد يطلعها من عند “الدوغير” وأرضه اللي كلها موت وحجاره وعظام.. كانت عايزة تهرب من “بجة” من أرض “الدوغير” هنا.. وسكتت “دهيبة” ودمعت عينها لما أفتكرت اللي كان، انتظرت ادباً لها، مستفهمة عما كان، لولا “المجذوب” ما كانت “ونجة” فهمت المكتوب وفهمت الكنز اللي ربنا بعته لها. . في الليلة الرابعة  وهي بتصرخ، كان المجذوب هنا في الجزيرة، كحاله يجوب بين جزر النيل وفت ما يحلا له.. فتح لها باب البيت ، خرجت مكسورة متبعترة وعيون حمرا من البكاء والصراخ كل اللي على لسانها ” الدوغير” وارضه اللي مليانة موت وأحجار.. الدوغير يكون “أنسي ” أدام الأغيار، و”دوغير تمساح” في أرضه هنا في “بجه”، غيثني يا شيخ غينثني يا المجذوب

قالها وايه يعني “الدوغير” يابنتي، ربنا بعت لك قدر جميل، أنت اللي بصيرتك مغمية!

ألدوغير ” شر يا شيخ، شر وعدو، شر ويأكل الناس، شوف العظام شوف الشر، الدوغير عدو!

“الدوغير عدو، الدوغير عدو كلامك صح ، ولكن العدو ما يفضل عدو”

نزل المجذوب وناولها كوب من النيل وقالها “سمي بالله وقولي يا دودود واشربي الكوب ”

شربت وهديت ، وكفكفت الدمع. استنها المجذوب الشيخ لما هديت وطلّع من بهجته “كتاب” وقلها خدي كتابك بقوة وفتحي الورقة الأولى، بيد شاحبة من البكا والصراخ خدت الكتاب وفتحته

قالها أقري المكتوب ، وبصوت مرتعش، بحه البكا والنواح من الخوف قرأت

“وأنه بسم الله الرحمن الرحيم …

فإذا الّذِي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم” ( سورة فصلت آية 34)

قرأت الاية وتشبثت بالكتاب وهي مرتعشة كورقة وتكرر ” كأنه ولي حميم” “:انه ولي حميم” كأنه ولي حميم” حتى غلبها النعاس بعد صراخ ثلاث ليالي

يتبع الأسطورة الثانية ..

لميس فايد  

[1] Nubische Maerchen: Andreas und Waltraud kronenberg, Koeln 1978.

[2] ونجة: اسم نوبي للفتيات يعني النجمة

[3] الأسطورة النوبية وردت في تجميع لمؤلفين ألمان، في أسطورة ” التمساح الذي تزوج الفتاة الأنسية”

Nubische  Maerchen, Andreas und Waltraud Kronenberg, Eugen Dietrisch Verlag , Koeln, 1978

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in لميس فايد and tagged , , . Bookmark the permalink.