عندما تحجبت مصر بعد النصر

احمد الحصري  

بعد مرور 45 عاما على حرب اكتوبر, جرت فيها تحت الجسر مياها كثيرة، من اهمها، اعلان الرئيس المؤمن انور السادات فور الحرب القانون 73 لسنة 47 المعروف باسم قانون الانفتاح الاقتصادى، والذى كان بمثابة عملية نهب منظمة وبالقانون، وصاحب اطلاق صفة “المؤمن” على الرئيس، ظاهرة اشد خطورة “حرب تحجيب مصر”، حتى ان قيادات كانوا يتفاخرون بأن اهم انجازاتهم فى فى السبعينيات هو تحجيب طالبات الجامعة، ولما لا وقد فتح لهم الرئيس “المؤمن” كل ابواب العمل بما فيه السيطرة على الاتحادات الطلابية.

وتصف مجلة «إيكونوميست» البريطانية فى تقرير لها – عن انتشار ارتداء الحجاب فى مصر بأنه «أكثر تعقيداً» مقارنة بباقى الدول، خاصة أن مصر فى مرحلة الاشتراكية لم تكن تشهد إلا قليلاً من المحجبات، وذلك قبل فترتى السبعينيات والثمانينيات اللتين فرض فيهما الإسلام السياسى نفسه على الواقع المصرى.

يوما ما من عام 1899 أصدر قاسم أمين كتابه الشهير «تحرير المرأة»، الذى تضمن دعواته لتعليم المرأة وتحريرها من القيود المجتمعية الظالمة، داعيا الى «خلع الحجاب»، بعد ذلك جاءت المناضلة النسوية هدى شعراوى، التى خلعت الحجاب فى ميدان التحرير، داعية بنات جنسها للتحرر منه، وفى فترة الخمسينيات والستينيات مع زيادة المد الاشتراكى وظهور الأفكار التقدمية المعاصرة فالحجاب لم يكن من ضمن الزى النسوى المصرى، والجامعة المصرية لم تكن بها أى فتاة ترتدى الحجاب.

 ووفقاً لما يؤكده الدكتور جلال أمين فى كتابه «ماذا حدث للمصريين؟» فإن الظاهرة تعود لعودة المصريين العاملين من الخليج العربى، وحسب قوله «ظن المصريون العائدون من الخليج بأمواله ونفطه، أن التدين الشكلى الوهابى، أسرع طريق للثراء، فما بين الإعجاب بالنمط السعودى فى التدين، وهو النمط الذى يعنى بالنقاب واللحية أكثر من جوهر الإسلام نفسه، وما بين انتشار مظاهر الانفتاح فى عصر السادات من ذيوع تجارة المخدرات وانتشار الدعارة بشكل أكثر مما قبل، وجد الحجاب بيئة مناسبة لانتشاره، فهو من ناحية رد فعل معاكس وواق من آثار الانفتاح وتشبه بالخليج الثرى المتدين من ناحية أخرى».

وفى تحقيق كتبته  سارة علام باليوم السابع (نوفمبر 2014) فان ظاهرة الحجاب قد تزايدت مع فترات المد الدينى، وعودة جماعة الإخوان والجماعات الإسلامية للظهور بقوة فى المجتمع المصرى، والتى استخدمت الخطاب الإسلامى من قرآن وسنة، داعية على المنابر وشرائط الكاسيت لترسيخ فرضية الحجاب، والعقاب الذى يترتب على خلع المرأة له أو عدم ارتدائه والتهديدات التى كان يلقيها شيوخ الجماعات فى ذلك الوقت، وهو ما كان يجد مقاومة من المثقفين والناشطات فى مجال المرأة.

وفى بداية الألفية الثالثة، ومع تنامى ظاهرة الدعاة الجدد، انتشر الحجاب بين فئة المراهقات بعد أن كان مقتصراً على السيدات وتحديداً المتزوجات منهن، فكانت بنات جيل الثمانينيات يتداولن أشرطة عمرو خالد حول الحجاب فى المدارس، لحث زميلاتهن على ارتدائه فى هذا العمر المبكر، وكان لعمرو خالد فى بداية ظهوره كأول الدعاة الجدد نجومية، وطرح عن الحجاب وحده سلسلة من شرائط الكاسيت مع الوقت تحول الاعتقاد فى الحجاب من فرض دينى إلى فرض اجتماعى بصبغة دينية، وأصبح السؤال الشائع جداً فى المجتمع «هى أختك ليه مش محجبة؟ أو انتى ليه مش محجبة؟».

وفى عام 2008 ظهر مطرب شاب يسمى حسام حاج فى أغنية جديدة بعنوان «اتحجبتى برافو عليك»، وأظهر الكليب المطرب فى دور الخاطب الذى فوجئ بارتداء خطيبته الحجاب، فور عودته من السفر، فانهال عليها بالهدايا والإيشاربات، وهو يردد «أيوه كدا ربنا يهديكى حجابك أجمل حاجة موجودة فيكى أجمل هدية من عند الله».

الأغنية التى لاقت رواجًا كبيرًا آنذاك، حين ظهرت بالتوازى مع تنامى دور الدعاة الجدد ونشاط عمرو خالد ورواج أشرطته حول الحجاب، صارت بعد ذلك وسيلة يستخدمها الرجال لدفع زوجاتهم أو حبيباتهم نحو ارتدائه.

وأظهر الكليب صورا تليفزيونية ولقطات، لمحجبات يعانين بعد ظاهرة منع الحجاب فى فرنسا، وهى نفس الفكرة التى استند إليها كليب آخر لحسين الجسمى، ظهرت فيه محجبة تواجه صعوبة فى إيجاد عمل بسبب تمسكها بحجابها بعد قرار الحظر القانونى لأى شكل من أشكال التمييز الدينى فى فرنسا الدولة التى تتمسك بعلمانيتها.

وخرج علينا مغنٍّ آخر يسمى هيثم سعيد، بأغنية أخرى بعنوان «هما مالهم بينا يا ليل»، ورغم ابتعاد موضوع الأغنية عن الحجاب كمفهوم دينى، فإنه ظهر بصحبة موديل محجبة لأول مرة يتراقص معها على كوبرى قصر النيل ليلاً، بينما تلاحقه نظرات المارة والعابرين، وهو يتساءل «ليه شاغلهم شوقنا اللى واخدنا يحسدونا وماله ياليل اللى غيران منا يقلدنا»، ما أكد أن الحجاب صار من ضمن ملابس الفتاة المصرية ولا بد من التعامل مع المحجبة تماما كغير المحجبة دون أى تمييز.

بعد ظهوره فى الكليبات انتقل الحجاب، من مرحلة الرغبة فى الانتشار، إلى مرحلة اعتباره نمطاً عاماً للفتاة المصرية، بل ملبساً رسمياً لها، حتى دخل الحجاب أوج عصره باستحداث ملابس خاصة بالمحجبات تناسب الطبقات الأرقى من الفتيات اللواتى تسابقن على ارتدائه، وصولاً إلى مرحلة شواطئ المحجبات والمطالبة بتخصيص أماكن لهن فى الشواطئ والنوادى والصالات الرياضية.

حتى جاءت انتفاضة يناير 2011 لتعيد تشكيل المجتمع وفقاً لرؤيتها الخاصة، فبعدما كسر الشباب حاجز التقاليد بمشاركة فتيات كُنَّ صفًّا إلى صف مع الشباب فى الثورة، صار التمرد الأنثوى على تقاليد المجتمع فرض عين، وأصبحت المرأة تعيد النظر إلى أوضاعها فى ظل المجتمع الجديد المتمرد على السلطتين الأبوية والذكورية، وبدأت أسطورة الحجاب فى الانهيار تدريجيا، حتى إن البنات اللاتى كن يؤكدن أنهن ارتدين الحجاب بمحض إرادتهن، أصبحن الآن يتحدثن عن أنهن كن ضحية لخطاب عاطفى ودينى تبناه عمرو خالد وغيره من الدعاة الجدد، فلا تستغرب إن سمعت إحداهن تقول «كان مضحوك علينا»، وأصبحت ظاهرة خلع الحجاب عادية جدًا بعدما كانت من الموبقات وتساوى الردة عن الإسلام فى بداية ظهور الحجاب.

ولكن النار مازالت تحت الرماد مع انتشار مشايخ الفتة والمصالح فى كل ارجاء مصر المحروسة، وتحول حكاية تجديد الخطاب الدينى الى نكتة سخيفة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Hijab الحجاب, احمد الحصري and tagged , , . Bookmark the permalink.