دوستويفسكي: الروايةُ والاضطهادُ

عبدالله خليفة  

فيدور ميخايلوفيتش دوستويفسكي (1821-1881) من مشاهير الكتاب الروس العالميين، ابنُ فئةٍ متوسطة، تمكنَّ من التحصيل العلمي الجيد، (كانت المنطقة التي يعمل فيها والده الطبيب شديدة الفقر والتأثير على وعيه كصبي: كانت المستشفى مقامة في أحد أسوأ أحياء موسكو. حيث كان يحتوي هذا الحي على مقبرة للمجرمين، ومحمية للمجانين، ودار ايتام للأطفال المتخلى عنهم من قبل أهاليهم)، موسوعة ويكيبيديا.

كان ارتباطهُ بحركةٍ اشتراكية خيالية قفزةً كبيرة في حياته مثلّت أقصى اليسار الذي وصل إليه، وفي هذه الفترة كانت ثوراتُ العمال في أوروبا (1848)، فقامت الشرطةُ القيصرية بإلقاء القبض على المجموعة، وجاءت معاناةُ دوستويفسكي المريرة في السجن والتي تركت بصماتها الساحقة على رؤيته.

لقد تدلى حبلُ المشنقةِ حول رأسه وحُوصر في السجن ومنطقة سيبيريا، وسُمح له بعد سنوات بالاستقرار في المدن. هذه الحياةُ في الزنزانةُ تركت آثارَها العميقةَ على كتاباته وكوت روحَهُ بمطلب الحرية لشعبه.

في بداياتهِ التأليفية توجه إلى الأعمال التاريخية الكبيرة، مقتدياً بشكسبير وشيلر وفيكتور هوجو، واتخذت هذه الأعمالُ غيرُ المنشورةِ طابعاً رومانسياً، معبرةً عن توجهه نحو قضايا كبرى تعيشها شخصياتُ الملوك ورجالُ الدين وغيرهم، متحدثاً في رسائله لأخيه عن أعمال مليئة بالشخصيات العملاقة والتصادمات الكونية، لكن هذه الأعمال تناقضتْ ورؤيته المدفونة تحت اللا وعي، فتحدث عن أهميةِ قراءة الصحف ودورها في إشعال الكتابة، وأهمية التفاصيل والأحداث اليومية، ولهذا حين ظهرت روايةُ غوغول (المعطف) قال كلنا خرجنا من تحت معطف غوغول.

الاتجاه نحو الحياة الواقعية بحسب هذه الرؤية المتشكلة خلال سنوات التجريب التاريخي المسرحي ومعاناة السجن وذكريات الأسرة والحي والوعي الإيديولوجي توجهتْ به نحو كائناتٍ بشرية معينة، فمعطفُ غوغول يشيرُ إلى المسكين العاجز عن شراء المعطف وهو يتخيلُهُ حتى يتقصمه ويلبسه ويحلق به، إن المسكنةَ والفقر والانسحاق هي علاماتُ الشعب الروسي في الحكم القيصري القاسي، وهي المسيحيةُ التقليدية، وإذ يحاول دوستويفسكي الطيرانَ بالفكر الاشتراكي الخيالي ويتحطم تحت صخرة النظام في شتاءات سيبيريا وعزلتها وشظفها وحرمانها من الفرح، وينتزعُ فكرةَ الثورة من نفسه ويعيش ذل الفقراء ويتعمدُ روحياً بالمسيحية تتالى رواياتُهُ في كلِ حياته عن هذه الثيمة المريرة: ذكرياتٌ من بيت الموتى، ومذكراتٌ من أعماق الأرض (الإنسان الصرصار)، ومذلون مهانون، والزوج الأبدي الخ.

العلاقاتُ الرومانسية بينه وبين شكسبير وشيلر وفيكتور هوجو التي تحددُ أفقَهُ العامَ المثالي الواقعي، الجامع بين المحبة المسيحية والاشتراكية العاطفية، ستغدو منحى متوارياً يكشف صراعات عميقة روحية غير محلولة في عالم بلا صراع طبقي، لكن ما هي القسمات الفنية الفكرية الداخلية لعالمه؟

إن روسيا الإقطاعيةَ التي تجرجرُ علاقاتٍ عبوديةً ما تزالُ مثقلةً بالتخلف ولم تزلْ العلاقاتُ الرأسمالية المتغلغلةُ حديثاً لا تمثللا نقيضاً ذا أهمية.

في هذا المحتوى الاجتماعي التاريخي الأساسي حيث التخلف وشكل الانتاجِ الفظ الرثِ ليس ثمة قوة تغيير نضالية مؤثرة، وبين الاشتراكيةِ الخيالية والإرهاب الشعبي صلاتٌ خفية يربطها غيابُ طبقاتٍ مدنية مهمة مؤثرة، فتغدو الأحلامُ وأشكال الإرهاب الفردية أساس المعارضة.

هذا المحتوى الاجتماعي التاريخي تعكسه رواياتُ دوستويفسكي بشكل عام، ففي تحوله عن الجماعاتِ المعارضة العنفية تغدو الثورةُ وتحليلُ الصراع الطبقي فنياً مَنفيين من عالمه، ونقد وتعرية الرأسمالية غير ممكنين، وقد كان عالمه الفلاحي مغيّباً، فانقطع عن صراعاتِ البنية الاجتماعية الأساسية.

لكنه فنانٌ مهتم بنمو الرأسمالية بشكل خاص، فقد كانت علاقته ببلزاك ناقد الرأسمالية الأكبر بذلك المستوى التحليلي الجزئي، وطيدةً، فقد ترجم روايةً له، وغدت أعماله متأثرة بقوة ببلزاك حيث اقتبس العديد من الموتيفات الفنية منه.

 (لقد تم أكثر من مرة، الكشف عن كل الأعمال الأدبية التي استطاع أن يأخذ منها دوستييفسكي خطة عمله. إن بإمكاننا أن نعثر في كتب لـ.كروسمان على تحليل مفصل لهذه المنابع. لقد اعتقد لـ. كروسمان إن رواية بلزاك تستطيع أن تشكل هذا النبع!)، نظرية الأدب، تأليف عدد من الباحثين السوفييت المختصين بنظرية الأدب والأدب العالمي، وزارة الثقافة العراقية، 1980، ص 360.

إن بلزاك المفعم بتحليلِ الرأسمالية لن يعطي دوستويفسكي هنا شيئاً، فالرأسماليةُ الروسيةُ ضئيلة، و الأشكالِ المالية الواسعة كافةُ في فرنسا ليست بذات الحضور في روسيا الإقطاعية- العبودية التي تتحرك حينئذ ببطء في الرأسمالية، ولهذا كانت استفادة دوستويفسكي من بلزاك استفادة اجتماعية شخوصية، ولكن الرأسمالية المبكرة هذه، الصقر الذي يحوم على جثة روسيا الإقطاعية، ستتجلى في أعماله كذلك بحجمها المقّزم، ولهذا سنجد العناوين ذات دلالة أولى: في رواية (الجريمة والعقاب): تدور الحبكةُ حول قتل مرابية، حيث يعني ذلك الاعتداء على رأس المال المُضمَّر، المهاجَّم، وحيث البطل يبحثُ عن رأس المال ليقوم بتغيير اجتماعي ضيق كما يدعي. وفي رواية (المراهق) يحلمُ البطلُ أن يكون روتشيلد المليونير، هذه هي (فكرته) المحورية كما يعيش ويفكر. وفي رواية (المقامر) يبحث البطل عن الثروة من خلال القمار. هذه روايات القمة حيث أخذت العلاقات المالية تلح بقوة على الوعي الفني للمؤلف.

لكن أغلبية الجمهور لا تعيش في علاقات رأسمالية، إنه جمهور ينهار في القمة الارستقراطية وسيكون حشدُ الشخصيات من هذا التحلل العلوي، فيما الطبقاتُ الشعبية تخرج من القنانة، ولم تعش بعد أعماق الرأسمالية، ويصطدم هذان المستويان بأشكال شتى.

ولغياب هذا الصراع الطبقي الحديث، فإن الصراعات تبرز في المستوى الاجتماعي، وخاصةً في بؤرته بؤرة العائلة.

في بؤرة العائلة تتكشف صراعاتُ المجتمع وتحلله، وعجزه عن التقدم المتطور، وهي صراعاتٌ تعبر عن رؤية المؤلف المنسحب من تحليل الطبقات وصراعها، حيث تغدو له هذه المواد العائلية المضطربة في أوار التحول الهائل لروسيا مادةً تحتية لأبنيةٍ فنيةٍ تحليلية روحية ونفسية وفكرية ذات ظلال متوارية بعيدة. ولهذا فإن هذه التحليلات تغدو معلقةً في فضاءٍ مجرد، لا تُرى في سيرورة النظام الإقطاعي المتحلل، ولا تتغلغلُ فيه لرؤية العلاقات الرأسمالية الجديدة النافية له، ولهذا فإن آراء الكاتب الإيديولوجية المضطربة لا تسيطر على التحليلات الاجتماعية الروحية، حيث يتم التغلغل في الشخوص والعلاقات والاضطرابات في مستواها الفردي الجماعي.

إن الماضي والمستقبل لا يظهران، والواقع لا سيرورة تاريخية له، وهناك التحليل المَوضعي للحدث، وللشخصية، والذي يقود إلى شبكةٍ واسعة من الأحداث والشخصيات، تبين ذلك التحلل الإقطاعي، في غياب الأفق المستقبلي، وفي غياب منظومة اجتماعية أخرى صاعدة.

يعيشُ دوستويفسكي في زنزانةٍ بعد أن سُجنَ وتنحى عن الوعي الاشتراكي. إن سردَهُ يتجنبُ التحليلَ الاجتماعي السياسي والتحليل التاريخي، فيغدو خالياً من الجذور الروائية لكنه عوّض عن قراءةِ الجذور الصراعية الطبقية والتاريخية التي تخرجُهُ من الزنزانة التي يعيشُ فيها، أو تدخلهُ إليها مرة أخرى، بأدواتٍ غيرِ مسبوقةٍ في العروض الروائية لأجلِ كشفِ السجن الروسي الكبير.

إن خلق الشخصيات الدرامية المتوترة النارية هي بدايةُ الشكل، وبأن تُوضع هذه الشخصيات في حبكةٍ اصطدامية واسعة، فتتتفجرُ الحواراتُ والشرارات منها، فتتعرى، وتفضحُ نفسَها وتفضحُ الشخصيات الأخرى، في مساراتِ عذابٍ مشتركة، لكي يتجلى ما هو إنساني فيها، في ظلِ أيديولوجيا مسيحية قومية روسية، غارفةٍ من كل ما في التراث الغربي المسيحي الإنساني عبر ومضاتٍ مشعة مسلطة على تلك الصراعات الراهنة.

إن صراعات الشخصيات تُوضعُ في مشهدياتٍ مكانية محددة لأجل تفجر تلك الومضات النفسية الفكرية، ولهذا فمشاهدُ الطرق العامةِ والساحاتِ مشاهدٌ تمهيدية موصلةٌ للداخل، حيث الغرف المنزلية والممرات وشقق الفنادق والصالات البيتية مواقع الصراعات تلك. إن تناقضَ الشخصياتِ الرئيسية التي تشكلُ محور الرواية تتجلى في دهاليز تلك الأمكنة، فهي تقربُها وجهاً لوجه وتتكشف تناقضاتها المشتركة، وتُحدثُ نتائجَ وموجات تأثير متعددة راهنة وتالية.

إن غيابَ الجذورِ الطبقية والتاريخية التحليلية التي يؤدي حضورها للتحليل المواجهِ للنظام القيصري، يُستعاضلا عنها بتلك الفنيةِ التي تكشفُ القشرةَ الشخوصية السائدة الأيديولوجية سواءً لزيفها أم لقصورها، بإعتبارها هي بؤرة التغيير المنتظر.

ولهذا فإن تلك القشرة الشخوصية تُؤخذ من الأنماطِ السائدة، وهي تلك الحاضرة بقوةٍ في الزمن الأيديولوجي الاجتماعي، عبر كشفِ تناقضاتها، وحيث يظهر الممكن النضالي المتراكم القادر على تجاوز البنية الاجتماعية السياسية القيصرية والبشرية السيئة عامة.

الشخصياتُ الأيديولوجية المركزيةُ هي أجنةُ ظرفها التاريخي، فهي عند لحظةٍ معينة من سيرورةِ روسيا والبشرية، تُؤخذ بشكلٍ تجريدي تاريخي عام، فالمؤلفُ يجردُ التاريخَ من تشكيلاته، ومن الصراعات الطبقية الموضوعية، ويجعلها في صراعٍ مجرد عام بين المستغلِّين والناس العاملين، ويُجري الصدامات بينها لكشف المحتوى الأيديولوجي السلبي السيء، المعرقل للتطور.

وهذا الكشف يجري في خطةٍ واسعة، مليئة بالتداخلات، والمفاجآت الميلودرامية والدرامية، وتُستخدم فيها أشكالُ الاعتراف والرسائل والمنولوجات والأحلام والحوارات المباشرة والخطب الدينية والفكرية.

إن دور الهيكل الحدثي الشخوصي هو عَصرُ ما في لحمِ وعظم هذه الشخصيات من مشاعر ووعي مباشر، وتقطيره عبر الفصول.

وهو هيكلٌ ليس مكثفاً مختزلاً إلا في الأعمال الأولى حيث الفكرة لم تتوسع وتتعمقْ بعد، بل هو هيكلٌ يحوطُهُ الكثير من القصص الجانبية وتخترقه مشهدياتٌ كثيرة عابرة.

إن «جرجرة» هذه الشخصيات لمعامل التحليل النفسية الفكرية، تجري داخل تلك الزنزانة الكبرى حيث يجري التعذيبُ العام المتعدد الأشكال والدرجات، من الإلقاءِ الطويل في الزنزانات الحقيقية كما في (ذكريات من بيت الموتى)، إلى المطاردة والتجسس وضرب الأطفال بقسوة وجرائم القتل المُعدّة بتخطيط ماهر في ظل كوابيس، والانتحارات الرهيبة التي تجري كفواصل بين مشاهد العذاب، إلى الاعترافات المذهلة المُعرِّية، التي تنقلُ الأحداثَ والشخصيات لمستوى جديد، إلى الحواراتِ العادية المبتذلة لبعض العامة المعبرة عن مستوى مضاد مستنقعي راكد للوعي أو رمزي، ويظهر ذلك في تضاد مع حرقةِ النخبة وصراعاتها المريرة، إلى انفجارات بعض الشخصيات العامية واحتراقها السريع، إلى هذيانات وأحلام المشوشين والسكارى والمومسات والمرضى الخ..

إن هذه وغيرها من الوسائل التعبيرية لا تُعوضُ عن التحليلات الفنية الطبقية والتاريخية العميقة التي تأتي لدى مؤلفين كبار آخرين مغنية للشخوص والمشاهد عبر تقارير مكثفة وافتتاحيات، لكن دوستويفسكي يعوضُ ذلك أيضاً بحواراتٍ مقتضبة في السياسة والأيديولوجيا تتخللُ تلك المشاهد وعروض الشخوص المسيطرة فيقومُ بربطٍ محدود وامض متروك للقارئ.

إن الشكل يترابط والمضمون، والبنيةُ التعبيريةُ تتطورُ مع الرؤية التي تتعمق لديه، ولهذا فإن حجمَ الروايات يتبدل من الحجم الصغير والمتوسط إلى الحجم الكبير، مثل الانتقال من حجم (الإنسان الصرصار) و(الزوج الأبدي) إلى (الجريمة والعقاب) و(الأخوة كرامازوف).

تطورُ الحجم يعبرُ عن توسع المشاهد وإغناء الشخصيات، ورؤية التعدد في الرؤى والاختلافات في تبصر الواقع والتاريخ.

إن الروايات القصيرة تنتقلُ من العروض الجانبية للواقع الأيديولوجي المركزي، إلى قلبِ هذا الواقع المتخيّل المؤدلج من قبل المؤلف.

إن حشودَ المشهديات والشخوص المتكاثرة تتم السيطرة عليها بتخطيطات مدهشة، تعبرُ عن رؤيةٍ قومية دينية تسامحية، عبر تصعيدِ نموذج البرجوازية الضبابي، الجامع بين رب العمل والكادح في أخوةٍ غير متبلورة في وعي المؤلف فكرياً، وسياسياً، وتتشكلُ من خلال روسنة المسيحية، وعدمِ تكرارِ علمنة الغرب في تلك اللحظة التاريخية من القرن التاسع عشر، عبر هذا الصليب الروائي الكبير الذي يصنعهُ دوستويفسكي. إن هذه الروايات عبارةٌ عن صُلبان إبداعيةٍ تطهيرية يَتملا فيها الجَلدُ والامتاع، الفهمُ والتعذيب، الحفرُ في الجلْدِ والسمو في الروح.

 مع تغييبِ دوستويفسكي للصراع الطبقي كمحركٍ موضوعي للمجتمع ما هو البديل الذي يتشكل من خلال وعيه الإيديولوجي المثالي المسيحي؟

 إن التماثلَ الجوهري بين أقانيم المسيحية؛ الأب والابن والروح القدس في السماء، يستحيلُ صراعاً بين قوى الحياة الجوهرية اللاتاريخية، وهي قوى العائلة على الأرض.

 إن الإيمان بالأب، بالإله، هو شرطُ هذا الوجود من خلال عدسة دوستويفسكي، فبدونه تنفصم عراه، وتنهد أركانه.

 إن هذا يتحول لديه إلى رؤية مثالية غيبية قومية، مؤسسِّةً للطبيعة ووجود الإنسان، وهذا الإسقاطُ غيرُ فلسفي سببي، ولهذا تنقطعُ العلاقاتُ بين الإله والطبيعة من خلال العلوم، وتنقطع حسب وعي دوستويفسكي العلاقةُ بين الطبيعة والمجتمع والإنسان حسب قوانين الصراع الطبقي، وسيطرح داخل هذه الرواية ضرورة الإيمان بالله بشكل فلسفي وهو أمرٌ متطور عن الرؤية التقليدية للدين غير أنه غير كاف، (المراهق الجزء الثاني، ص 349، طبعة دار رادوغا، موسكو).

 سيرورةُ المجتمع الروسي منتفيةٌ، غيرُ مدروسةٍ وغيرُ معروضةٍ في سياقِ جذورِ الشخوص والبُنى الفنية، وتنحصر السيرورةُ في العائلة، حيث الأب من جهة، وكائناته المخلوقة منه من جهة أخرى.

 إن العائلة بشكلها الأبوي السائد روسياً ترتكزُ إيديولوجياً على وعي ديني محافظ، وعلى مذهبية دينية متزمتة معبرة عن قسم من المسيحية لا يزالُ إقطاعياً، ولهذا تظهر السطوةُ بشكليها العلوي والأبوي الأرضي، وهذا الإيمان الذي يكرسُهُ المؤلفُ ينقدهُ ويحلله على مستوى الحياة الأرضية الواقعية عبر وعي تجريبي مثالي، ولا يكشف جذروه في الأرض.

 إن سطوة الآباء تتجسد في الأبناء، وإن مسلسل التعذيب والاضطهاد الاجتماعي العام يتأسسُ في هذه العلاقة الأساسية، بخلاف المصدر العلوي حيث الحب، كما يُفهم ذلك بحسب هذا الوعي المثالي.

 إن عالمَ الزنزانة هو عالمُ الاضطهاد والمضطَهدين، وهو عالم الشعب الروسي في الراهن الروائي، ولهذا فإن كل كائن محكوم منه بثنائية أن يُعذِّب أو يُعذَّب. إن أسواط العذاب تُسمعُ في كل مكان. وأساسُ تكونِها هو في العائلة.

 في الروايات الأولى القصيرة والمتوسطة يظهر موتيف الأب والابن بسيطاً وربما لا يوجد وربما غير شامل ومهيمن كلياً، لكنه يتصاعد في الظهور والسيطرة على البنية الفنية الفكرية.

 ففي رواية (الزوج الأبدي) يجيء البطل (فالتشانينوف) إلى مدينة بطرسبرج من أجل قضيةِ ورثٍ في المحكمة ويتعب في دهاليز المحاكم، ولكن فجأة تنمو أعراضُ مرض نفسي غريب به، بدأ بالارهاق والتعب ثم صار استعادة لذكريات مقبضةٍ مريرة في حياته حتى سيطرت عليه سوداوية حادة!

 تنمو الحبكةُ وهو في هذا المزاج القاتم ثم تتكرسلا من وجود شخص ما يلاحقهُ ويلبس قبعةً سوداء دليل حزنه على ميتٍ ما. وهذا الشخص الذي يدور حوله يظهر بقوة ويقتحم حياته بفظاظة، ويسببلا له قلقا وعذاباً مضنياً، ثم يتسرب إلى منزله ثقيلاً متعباً، ويتعرف فيه على صديق قديم كان التقى معه في سنوات خلت.

 إن تعذيبه الأولي لنفسه عبر الاسترجاع لأعماله السلبية لم يصل الى المحطة الرئيسية فيها حين كان يغوي الزوجات ويهدم البيوت! وهذا الشبح الذي يطاردُهُ ذو القبعة ذات الشريط الأسود هو رجلٌ ليس حزيناً على زوجته المتوفية قبل فترة قصيرة بل هو رجلٌ يريد استثمار هذه الوفاة من أحد عشاق زوجته المتوفاة! وخاصة أنه يحمل ثمرةً آدمية من جراء تلك العلاقة الآثمة!

 إن (فالتشانينوف) لا يعرف ما جرى للزوجة بعد أن هجرها وخاصة ولادة الطفلة، وحين يقتحم الزوجُ الأبدي حياتَهُ لا يذكره بكل ذلك الماضي المشين لهما معاً، فهو يطمع في ابتزازه بدهاء!

 إن هذا التعذيب المتبادل ليس شاملاً، عاصفاً، فأبوةُ (فالتشانينوف) لم تكن موجودة، فهي أبوةٌ مضمرة، والبطل رجل ذاتي أناني كرس نفسه للملذات، وإذا عاش لحظة سوداوية الآن لم تصل للكوابيس المروعة، إلا في جزء ضئيل حين قام الزوج الأبدي بتعذيب الطفلة ومحاولة استغلالها تجاه أبيها المفترض، لكن الأب لم يكن أباً، ولهذا فإن العلاقةَ بين الأب والابن لم تتشكل هنا بقوة وعمق.

 تتبدى هذه السيرورةُ الروائيةُ على هيئةِ مفاجآت، وهي تتحول لرحلات عذاب متعددة، للزوج الأبدي المتذكر علاقته بزوجته الميتة، ورحلة عذاب للابنة الصغيرة المريضة المضطَهدة، وللسارد المركزي الذي يُطارد وتُقتحمُ حياته ويَكتشف ان له ابنة متأخراً لكنها تُعذب وتموت!

 مجموعة من المفاجآت الميلودرامية تتغلغلُ في السرد تتبادل فيها الشخصيتان الذكوريتان استغلالَ النساء واضطهادهن، وتنهيان القصة عند نفس الموقعين البرجوازيين الصغيرين، أحدهما يبحثُ عن نساء ليكون زوجاً أبدياً لهن، والآخر يعيش حياته الخاصة المرفهة.

 فبعد أن حصل البطلُ الساردُ على تركته التي كان قد جاء من أجلها في المدينة والتقى فيها ببافل الزوج الأبدي هدأت أعصابه واستقر: فيقول «لا مانع أن ينهار نظامهم الاجتماعي، ولا مانع أن ينفخوا في آذاننا مايشاءون» «أما أنا فسأظل واثقاً من هذا الطعام اللذيذ» ص 155، طبعة دار الهلال، مصر.

 الشخصية الذليلة تقوم بإذلال غيرها، والعقد النفسية المتراكمة تتحول إلى اضطهاد آخرين ضعفاء، والشخصيات المأزومة تعجز عن تغيير الواقع، فتعيش في شبكة من العقد، أو تنسحب إلى قوقعتها المرفهة.

 إضافة إلى محدودية رمزية الأب هنا فإن الابنةَ لا تقيمُ علاقةً عميقة معه، فهي لا تتطور نفسياً وروائياً، كما يظل الأب في عيش جسدي تلذذي محدود سطحي، ولا تؤدي به هذه الفاجعة المستجدة بموت الطفلة على هذا الشكل إلى أي انتفاضةٍ في نفسه، ولهذا تتجمدُ الروايةُ ولا تستطيع أن تتمدد في الروحية الأبوية والعلاقة الأرضية الصراعية العميقة.

حين يكونُ الأبُ موجوداً تتشكلُ علاقةٌ خيرة أو شريرة مع العائلة والواقع، فالأبُ انعكاسٌ للإلهِ على الأرض، وأولاده هم (الرعية)، وكثيراً ما يكون الراعي غائباً، والولد الحساس مُلقى في ميتم أو مشرد!

هذا هو حالُ الابنِ في رواية (المراهق)، فالأب الغني يمخر الريفَ الفقير ويقتطفُ امرأةَ فلاح جميلة، ويدخل عليها، ويحوزها دون الزوج الحقيقي، ويدفعُ له بدلاً مالياً، ولا يستطيع الفلاح الفقير الكهل أن يصمد للغني المتحكم، وهو رجلٌ عملي وجد أن الفتاة قبلت بالمالك فيتركها له، ويأخذُ تعويضاً يصمد به في الحياة ويقوي عائلته الباقية، وهو رجلٌ جواب آفاق يترحل ويكتسب خبرةً وثقافةً شعبيةً متنورة دينية مبهرة، كما سوف يظهرُ مرة أخرى في الجزء الثاني من الرواية، وهو في حالةِ مرض وشيخوخة ويستقبله نفسُ النبيل و(زوجته) السابقة، مع الأولاد الذين ظهروا من هذه العلاقة الزوجية غير الشرعية، لكنهم بعد المشكلات والأعاصير يقتربون من بعض، وحين يموت الفلاحُ تظهر إمكانية الزواج وانصهار العائلة.

ذلك الاضطهادُ المزدوج نتاجُ غيابِ الريف عن الإصلاح، وعن المجتمع ويغدو البطل (المراهق) الذي وُلد في هذه الفوضى، يسمعُ عن أبيه وأمه المسَافرين عبر الأخبار، وحين يبدأ البطل الشاب بروي قصته يبدأها بالتعريف بنفسه باعتباره (ابن زنا)! فهو مزودوجُ الوجود بين أب حقيقي ينكره، وأب زائف تخلى عنه لكنه يحملُ اسمَه، وبينما اسم الأب الحقيقي نبيل، اسم الآخر وضيع فلاح! ولهذا كان دائم التعريف بنفسه بهذا الشكل المخزي المضحك، طريقةً لنفسيةٍ عصبية مراهقة.

هذا التكوين المشكل من خلال رواية الابن العدو اللدود للأب يصورُ الأبَ شريراً، منتقلاً في أنحاء أوروبا متابعاً لملذاته، وإذا جاء إلى روسيا لم يسأل عنه وواصل غزواته الغرامية!

هذه الفوضى العائلية الاجتماعية حيث الابن منفي في الوجود والأب مشبع في غواياته ولهوه، تصورُ ما هو عام سلبي، حيث القوى العليا السياسية والاجتماعية لاهية والأبناءُ سوادُ الناس في ضنكٍ وعذاب.

لكن هذه الصورة العامة ليست صحيحةً تجاه هذه الحالة الخاصة، فالعائلة أجتمع شملها أخيراً وهي مفتتة، بعد أن كبر الابنُ وصار مراهقاً جاوز الثانوية، وامتلأ بنثار العلوم، فأصطخب، وهاجم الأب الشرير الأناني، الذي تركه في عهدة الغرباء، واستغل أمه وحولها لجارية تجري وراءه من بلد إلى آخر، وهذه الهجماتُ العاصفةُ التي يقوم بها الابنُ ضد أبيه، كثيرة تفصيلية مقامة على حجج قطعية لديه، لكن الأب يتكشف بشكل آخر مناقض تماماً!

تحوي ثيمةُ الأبِ هنا فكرةَ التنوير والتقدمية، فالرجل كان من دعاة التجديد، وإذ بدا من خلال خطاباتِ الابن ملعوناً، لكنه حين يتقدم للمسرح ويتكلم يظهر كشخص ذي عقلانيةٍ ودماثة ويقوم بتضحيات في حين تُصور هذه كمؤامراتٍ خسيسة من قبل الابن! لكنه لا يعني ذلك إنه اكتمل فهو يعجُ بالتناقضات لا يزال!

وحين يكتشف المراهق طبيعةَ أبيه، نقرأ فكرةً قومية روسية تحديثية فيه يحاول أن يزرعها حوله، ورؤية تجريدية لتقدم روسيا المنتظر، تعكسُ فهماً معيناً عند المؤلف لعمليات التحول التاريخية لروسيا.

إن الأب المتنور يصف نفسه بأنه جزء من ثلة صغيرة تقوم بقيادة روسيا روحياً، يقول في نهاية الجزء الثاني، بعد المعاناة والتجارب مقارناً بين مصير روسيا وأوروبا، حين تتقدم أوروبا الغربية على خريطة الصراع الطبقي الدامي، ويُحرق قصرٌ في باريس أبان كومونة باريس، فإن روسيا لها طريق آخر، طريق مسيحي خلاصي! يقول: (إن روسيا منذ قرابة قرن لا تحيا من أجل نفسها بل من أجل أوروبا فقط! أما هم، فقد قُدرت لهم آلام رهيبة قبل أن يصلوا إلى ملكوت الرب)، ج 2، ص  345 .

ورغم أن الأب يتصور أن الدين سوف يتغير وأن فكرة الإله القديمة سوف تزول فإنه يتنبأ بمستقبل رومانسي تجريدي: (سوف يستيقظون فيسارع بعضهم إلى بعض وسيُعطي كلٌ منهم كل شيء لكل الناس)، السابق، ص 348 .

إن تغلغل الرأسمالية في روسيا بهذا الشكل التجريدي الرومانسي يتضمن عدم حدوث الصراعات الطبقية الرهيبة، وإن المسيح سيظهر (إنني لم أستطع إلا أن أراه أخيراً بين البشر الذين أصبحوا يتامى، يجيء إليهم، ويمد ذراعيه ويقول (كيف نسيتموني؟)، ص 349 .

لعدم التغلغل التحليلي في ظاهرات الصراع الاجتماعي، وبروز ذلك عبر العائلة، فإن العائلةَ تأخذُ طابعاً رمزياً قومياً، فالعائلة التي عاشت متغربة مفككة، كالمجتمع، ونخرتها الأنانية والصراعات المادية الوضيعة، تعود للم الشمل، وهذه التجريدية تتيح للمؤلف أن يعطي التطور القومي طابع التآلف والوحدة رغم وجود الأشرار، فلعدم رؤيته للسكان كقوى اجتماعية طبقية متصارعة بحدة، وبدون إمكانية تلاق رومانسية، فإنه يُضفي عليها إمكانية القبول بالمشروع المسيحي الإنساني الذي سوف يتغلب على الصراع الاجتماعي (العابر).

هذا يؤدي فنياً إلى صراع الأخيار الطيبين المرضى المعقدين المتحولين للخير مع الأشرار المعبرين عن قوى الأرض الوضيعة عبرَ حملِ الصلبان، فيما التحالف بين الفلاح الشعبي المتنور والنبيل سينمو ويصل للذروة، كما جرى لشخصية الفلاح المتغرب المترحل، وزوجته، ومثلما جرى للنبيل الذي رأى مصيرَ أوروبا المخيف، وراح يتغير ويكشطُ الجوانبَ غير الإنسانية من شخصيته بالسكين، وهذه العلاقاتُ الإيديولوجية الفنية المترابطة والمتناقضة ستظل معبرة عن رؤية دوستويفسكي بظروفِ وعيه وشخصيته وحدود أسلوبه! 

ثمة علاقاتٌ متداخلة خفية بين مستوى التطور الاجتماعي والرواية، تلعبُ فيها إيديولوجيةُ الكاتبِ دوراً محورياً، فهي الفكرةُ المعتنقة في عملية الانصهار الاجتماعي الشخصي في زمن التحول الموضوعي. إن دوستويفسكي في فقرات من رواياته يستشهد بشكسبير وغوته وشيلر وبوشكين حيث قارب هؤلاء المبدعون الواقع بأشكال عامة، فظهرتْ له قضايا الانسانية في تجريد تاريخي، له أسسٌ مشتركة، من المعاناة العائلية والعواطف البشرية (الخالدة) التي رصدها الكتاب السابقون.

روايته عامة، ورواية (المراهق) خاصة تعيش في زمنية بدء ظهور البرجوازية الصناعية وهيمنة النبلاء، والرواية تعطينا حيثيات ملموسة عن تلك البرجوازية، ومساحات كبيرة جداً عن النبلاء. عن بذخ هذه الطبقة الأخيرة والديون التي تتراكم على بعض أفرادها وكيف أن رأس المال الاجتماعي يضيع، فيما أن نموذج الرأسمالي الصناعي هو شخصٌ أبله إن لم يكن مجنوناً!

إن الأب الاسمي لبطل رواية (المراهق) ذلك الذي سلم زوجته للنبيل يظل محتفظاً بشهامة وثقافة بحث تجعل الراوي المراهق يستمع إليه ويسمع أحاديثه، فيروي بشكل شعبي عن تاجر تحول لصاحب مصنع ولكن كان سكيراً ذا تصرفات عدوانية وبخل شديد، أدت تصرفاته لموت صبي بريء ثم موت أبناء الأم الأربعة، فيتحول الصبي إلى ملاك ضائع في السماء لا يصل لسكينة، ويأتي للأم وللصناعي في أحلامهما، فيقوم الصناعي بأعمال عديدة من أجل أن تسكن هذه الروح! فيتغير ويقوم بأعمال طيبة مما يهدئ الملاك، ولكن الصناعي يعود لسكره وتبذيره وتضييعه للمال!

أمثولة الرأسمالي الفاشل مثل أمثولة الراوي المراهق الذي حدثنا في بدء الرواية عن فكرته بأن يصبح مثل روتشيلد، فيما ظل في الرواية في صدامات عصبية لا تتوقف، يحاول أن يغير النبلاء المتذبذبين بين البخل والإسراف، بين الصراعات الزوجية والعاطفية والبحث عن أفق أخلاقي، بين قضايا الفساد والجريمة وبين احترام القانون إلخ.

إن الطبقة الوسطى غير المتشكلة، المتناثرة في فئات مرتبطة بمستوى متخلف من تطور أسلوب الانتاج، ليس لديها مشروع فكري سياسي، وعلى مستوى الرواية هي تطرحُ حلمَ هذه الفئات الوسطى في تكوين مجتمع الحداثة الديمقراطي غير الموجود.

على مستوى تشكيل رأس المال تبدو في الرواية صور البرجوازية كفتاتٍ ضائع، وليس ثمة بالتالي حتى فئات وسطى قوية صاعدة. ولهذا على مستوى الرواية لن نقرأ (الرواية كملحمةٍ برجوازية). بل كحرقة شخصية معذبة متناثرة بين الإقطاعيين الديني والسياسي، وفيما يتوارى الإقطاع السياسي غير المُحلل، يتعالى الإقطاع الديني بصفة إنسانية مجردة مثالية.

لهذا فإن رواية دوستويفسكي هنا في (المراهق) تظلُ على مستوى الأحداث الشخصية الصراعية المتوترة عبر الحيل الفنية: ابنٌ يبحثُ عن أبيه كارهاً إياه وهو يعبدُهُ، ومجموعةٌ من الشخصيات النبيلة المتصارعة على الثروة وتلجأ لأساليب شريرة، مثلما تفعل (كاترينا نيقولايفنا) تجاه أبيها المبذر فتكتبُ رسالةً تدعو أحداً من أقربائها إلى الحجر على أبيها ووضعه في مستشفى المجانين، وتقع هذه الرسالة العجيبة المتنقلة أخيراً في يد الراوي المراهق، الذي يخيطها في جيبه، وتلعب (الرسالة) دوراً فنياً إشكالياً مليودرامياً في تنامي الصراعات وتحولها لمغامرات تنتهي بضرب وإطلاق نار!

الصداماتُ وتحولاتُ الأبوة والأبناء، واصطدام السادة والبرجوازيين الصغار بالحثالة الصاعدة بقوة بسبب هذا التفسخ الاجتماعي من خلال شروخ الصراع بين النبلاء والفئات الصغيرة تلك، تعبرُ عن مجتمع إقطاعي في حالةِ انهيار ولم يظهر جنينُهُ البرجوازي البديل بعد.

إن هذا كله يجعلُ الصراعَ الاجتماعي في مستوى التجريد، وتغيبُ عنه الارتباطاتُ والوشائج بصراعات القوى الحقيقية على الأرض، نظراً لأن الصراع بين النبلاء والبرجوازية كان خافتاً مضمراً، مع رفض المؤلف للاستعانة بالمستوى العالمي الذي وصل إليه هذا الصراع في الغرب بل هو يرفضه، ولهذا فإن المؤلف في زمنية عصره يدعو إلى العمل الصبور الشاق لأنه أفضل (إن التعطش إلى «المأثرة السريع ) والمعادي للكد الطويل من أجل الاستعداد لهو محفوف بالمخاطر.. بل بمخاطر ارتكاب الجرائم)، فقرةٌ منقولةٌ من المراهق، ص .513 وعلى المستوى الفكري الأخلاقي يدعو للمسيحية والتسامح.

إن الراوي في (المراهق) لم يُوضع في تجربة المعمل والانتاج والسوق، هنا كنا سنعرفُ بعضَ آفاق التطور الاجتماعي، لكن طريقة المؤلف تضعُ الشخصيةَ في الصراعات المنزلية، وهذه تؤدي لأساليب معينة لا تغوص في صراع الطبقات. وهكذا فحين يظهر جوركي تكون هذه القضية قد وُضعت في عوالمها الاجتماعية التاريخية لكن دون خصب دوستويفسكي النفسي الفني، وقد بلغت روسيا حينئذٍ مرحلة مهمة من تطور الصراع بين النبالة والبرجوازية، كما أن سياقات الإيديولوجيات غدت مختلفة. إنه زمنُ الخروج من الزنزانةِ وتحول الرحالة الشعبي الأمي الاسطوري إلى مثقف إجتماعي، وتبدل ثقافة العذاب والصليب إلى ثقافة النقد الاجتماعي السياسي.

يغدو الأسلوب الروائي الفني لمرحلة (المراهق) عبر شخصية مؤلف ذي حساسية خاصة مثرياً لأدوات الحفر النفسي الداخلي، ولخلق التناقضات الشخصية الفكرية والاصطدامات الروحية في عالم المُثُل والتاريخ المجرد، متحسِّساً الآفاق البعيدة مُطلقاً شعارات عامة عن البناء الروحي الأخلاقي الداخلي الرصين، وتمجيد العمل الخلاق.

على المستويين الروائي والفكري تتداخل بنيةُ الرواية التجريدية الأخلاقية لدى دوستويفسكي بهيمنةِ الخطاب الديني بغياب البرجوازية الحديثة في روسيا وقتذاك.

حين يقتل راسكولينكوف المرابيةَ العجوز في الجريمة والعقاب، لا يأتي ذلك لغياب الأب، لغياب السلطة الأخلاقية الروحية فقط، بل لغيابِ الطبقة الوسطى القائدة للتحول الحديث، فيدهسُ البطلُ العجوزَ مثلما يدهسُ قملةً، مؤكداً علوّ إرادته الفردية المطلقة، خارج الدين الإنساني الذي هو المسيحية هنا، فتعيدُهُ الأحداثُ الروائية والانقلابات الروحيةُ إلى الكنيسة، إلى الأب الروحي الشخصي المفقود هنا، والذي يتجسدُ بالانجيل.

هكذا تغدو البرجوازيةُ والقوى الشعبية كائناتٍ هامشيةً، أو طفيلية، وخارج التاريخ الروائي، وهي كائناتُ المجتمع الضروري الحتمي الموضوعي. وخارج هذا المسار يغدو العالمُ الروائي أيديولوجياً وفضفاضاً متجهاً للتضخم الذاتي.

الإرادة الفردية في تشكلها الإجرامي تغدو غير منتجة، ولكونها إرادة مسيحية فإن ضميرَها ينمو روائياً، وهي عمليةٌ متعددة كثيرة لدى المؤلف، لنتذكر بشكل هنا مدونة التسامح الكبيرة عند الأب زوسيما في رواية (الأخوة كرامازوف)، وهي الرافعة الأساسية لديه للتجديد الروحي الاجتماعي، وهي في المطلق مهمةٌ لكن في التاريخ النسبي غير متحققة والعكس هو الذي يجري، لكن العكس غير المرصود فنياً، فالكراهيةُ بين الطبقات هي التي تسود.

إن التراكم المالي التحولي غير مرئي وغير معروض، فيصور المؤلفُ حدث القتل بلا سببيات مرتبطة بالصراع الاجتماعي، وفيما بعد سيطبقُ ستالين هذا التراكمَ المالي الرأسمالي الحكومي الموسّع، عبر الدهس لـ (القمل الريفي).

يعرض دوستويفسكي النماذج المتوازية، فالسكير (مارميلادوف) يقوم بسرقة خزانةَ سيدةٍ لكي يواصل سكره وعربدته، فيما عائلته تشقى، وتقوم ابنته (سونيا) ببيع نفسها لكي تُطعم الصغار.

هذه سونيا الساقطة تمثل الانبعاث الروحي، وهي تقيمُ علاقةً مع البطل راسكولنيكوف، وتجذبه للاعتراف بجريمته في قتل المرابية العجوز وبالتالي في تطهره.

مثلما تقوم أخت راسكولنيكوف بالقبول بالزواج من شخصية رديئة من أجل أن تُنقذ العائلة.

وقد استقطبت الروايةُ أبحاثاً واهتمامات بشرية كبيرة، وخاصة لهذا البطل القاتل الإشكالي.

لقد كتبَ دوستويفسكي نفسه عن البطل قائلاً:

 (إن القاتل يجد نفسه أمام مسائل لا يمكن حلها، وأن أحاسيس ومشاعر مفاجئة لا يمكن الشك بوجودها تعذب قلبه. إن الإحساس بالانفتاح على البشرية أو الانفصال عنها، هذا الاحساس الذي شعر به في الحال بمجرد اقتراف الجريمة، كان يعذبه)، نظرية الأدب تأليف عددٌ من الباحثين السوفييت، مرجع سابق، ص 332 .

إن المسائل التي لا يمكن حلها هي مسائل التطور الاجتماعي السياسي لروسيا، وإن هذه الجريمة الفردية لا علاقة لها مباشرة بهذه التحولات، فالطالبُ الفقير والمرابيةُ على السواء لم يرمزا لقوة اجتماعية ما، والطالب فرضية فكرية يشكلها المؤلفُ للابتعاد عن طريق العنف، وعن الأنانية وبضرورة سلوك سبيل التضحية، ولا تدعو الأفكار الحديثة المجلوبة من الغرب لهذا الطريق، خاصة النزعة العدمية المنتشرة حينذاك، التي تطرحُ نماذجَ الأبطال المفارقين والذين يدوسون عقائدَ الشعوب،

 وبهذا فإن فرضيةَ المؤلف لمواجهة العنف واعتماد المسيحية والتسامح تعبيرٌ عن نزعةٍ برجوازية دينية متداخلة، في هذا الزمن الذي تتحول فيه روسيا من الإقطاع للرأسمالية، فالبطلُ حين يضع قدميه في العدمية وسحق الآخرِ يعبرُ عن نزعةٍ فردية متطرفة لم تتشكل في مجتمع طبقة وسطى حضارية، ولم تقم علاقة ديمقراطية مع العاملين، ويتملا طرحُ مشروعاتِ التحول بالخيال الحاد والمغامرة، ولكن المؤلف من جهةٍ أخرى لا يقوم بالتحليل للعلاقات الطبقية الصراعية واكتشاف مساراتها من خلال الواقع، بل يعبرُ عن تجريديها وعموميتها وضبابيتها من خلال النماذج المفعمة بالحدة والتطرف: سكيرٌ ضد زوجة مجنونة، طالبٌ مثقف قاتل ضد مومس طيبة، ابنة مضحية ضد خطيب سافل، فهذه النماذج تقع على ضفاف الواقع، بين البياض الشديد والعتمة الحادة، وفي حالات تعذيب الذات والآخر، وانقلاب هذه الحالات النفسية المروعة، بين أساليب واقعية وميلودرامية فاقعة، بين شاعرية تحليلية عميقة وبين تجريد عام.

المسار الروسي والأيديولوجية الفنية لدستويفسكي يحددان هذه النماذج، والمسار نجده موجوداً كذلك لدى تولستوي فهو تعبيرٌ عن فئة، ولكن من خلال رؤية فنية مختلفة، فالفئاتُ المثقفةُ الإنسانية في ذلك الزمن الموضوعي حيث بعد لم تنتشر وتتعمق العلاقات الرأسمالية لم تجد حلولاً لأفق التطور التاريخي سوى بالابتعاد عن النموذج الغربي الرأسمالي الديمقراطي، عبر الروح القومية المتقوقعة في نفسها وتاريخها، والتي تريدُ تقديمَ الأصيل المختلف، وتجدُهُ عبر الدين، وهذا هو مسار العديد من الأمم الشرقية الأخرى التالية، ولهذا بدلاً من قراءة الواقع تأتي النماذج المستوحاة من التضادات المطلقة التي تتيح للوعي المثالي الديني أن يسرب أخلاقيته المبدئية عبر تناقضات من الواقع الحقيقي، وتبقى هذه النماذج رمزية قومية دينية لوعي أمة لم تتبلور في الصراع الاجتماعي.

المسيحيةُ حسب وعي دوستويفسكي هي الأبوة، أبوةُ الإلهِ الحاني للعالم، لكن الأبوةَ الأرضية الحسية الأنانية هي شكلٌ مضاد.

وليس في رواية أخرى كما في رواية (الأخوة كرامازوف) يتفجر التضاد بين هذين النمطين من الأبوة، إن أب أسرة كرامازوف (فيدور فيدروفتش) هو النقيض للأب الراهب زوسيما. ومن هذين الخطين تنبعُ التضاداتُ الشخصية الروحية في مجمل الرواية.

إن الأب فيدور فيدروفتش، رجلٌ فقدَ كل معاني الأبوة الإنسانية، فهو شبق وأناني وبخيل وثرثار ومهرج. كونَّ عائلته بخداعِ امرأتين سرق ثروتيهما، وأعتصرهما عصراً، حتى انهارت الزوجتان، ورحلتا واحدةً بعد الأخرى. وتشكل من هاتين الزوجتين أولادٌ نبتوا هنا وهناك بالصدفة والفوضى، في المرافق الدنيا الحقيرة للمنزل، وتربوا في حضانات مختلفة، أنقذتهم بمعجزة.

وفي غمرة تتويج حالاته الزوجية الحيوانية، فإنه يغتصب امرأةً معتوهةً، بسبب رهان مجنون جنسي بشع لاغتصاب تلك المرأة، وينتجُ منها الخاتمة النهائية لأبوته الشريرة (سمردياكوف)، (وإيحاءات الكلمة بالروسية تعني النتن، النتانة! مثلما تعني الفقرة الأولى من اسم العائلة كراما (مازوف): الأسود!).

إن حالاته الشبقية والتهريجية السابقة تقودُ إلى ذروة أعماله وهي عشق المرأة الجميلة (جروشنكا) والتي هو مستعدٌ لإعطائها كلَ ثروته، حسب ما زعم أبطالٌ آخرون، في نظير أن تقبل بالزواج منه، وهو العجوز الدميم الآن، وهي قمةُ الفتنة في المدينة.

إن الأب هو المحور، هو المرتكز الأساسي للحدث وللعائلة ولتكوين هذا العالم الاجتماعي المريض. حيث الأب هنا، خلافاً لفكرة العالم الأبوي المسيحي المثالي، هو أساسُ الخراب والعذاب في العائلة، أي في المجتمع، لا مؤسس الحب والعدل فيه.

ويعطي دوستويفسكي تمثلات تجسدية حادة، ملموسة، مطلقة، للأب الأرضي الدنس، فهو كريه في شكله، في وجهه الشهواني العنيف، وبغيض في لغته التهريجية التي يتصنعُ فيها ويغدو مهرجاً يحتقر ذاته، ويسخر من مشاعره وأفكاره، لينقلب إلى ساخر من الآخرين، كاره لهم، عدواني. ولا يكاد أن يوجد جانبٌ جميلٌ في هذا الإنسان.

فهو من الجهة الحسية-الجسدية-العاطفية، حيوانٌ كامل. إنه يجسدُ كل نظام الملكية الخاصة ؟ الإنانية، وذروته المعاصرة، ورمز السلطة الأبوية الاستغلالية: والصاعد بالتجارة عبر الربا والاحتيال، فهو ليس إلا الحيوان القديم، الشرس، الأناني، الذي يلبس لباساً حديثاً، وهو قد فصل حيوانيته هذه ببدلةٍ فكرية أيضاً، هي الأفكار الغربية العصرية (حينذاك) مثل إنكار الإله والخلود. فإلحادُ الأب هو الإيمان الكامل بعالم الغابة، حيث الذات هي الوحيدةُ في الكون، ولا يوجد أمامها سوى اللذة والمنفعة.

إن الإيمان بالإله والخلود حسب دوستويفسكي يعني عبر ثيمات الرواية – الرؤية، أن يتأنسن الحيوان في الأب، أن يتراجع عن إباحيته ولا أخلاقيته، أن يخاف من عقاب الإله، وأن يحب الناس.

إن الإيمان في اللغة الدوستويفسكية هو معادلٌ للأخلاقية، وللتضحية، وللنقاء. أما الفكر العدمي فهو على الضد، استباحة كل شيء، وعدم الخوف من الآخرة، وبالتالي إعطاء (الحيوان) فرصةَ البروز الكامل والمطلق. فالخيرُ قادم من المطلق الديني وليس متشكلاً حسب صراع القوى الاجتماعية.

إن الإله هو الذي يحملُ الأنسنةَ للإنسان، والنبل، والطهر، ولكنه حملها مرةً واحدة، وضحى بذاته، حسب الرؤية المسيحية الأرذوكسية، فإذن مطلوب من الإنسان، هنا الصعود نحو الإله والتماثل به، وصناعة هذه التضحية، وهذا الكف للحيوان الشرس الكامل.

لكن الأب فيدور فيدروفتش هو الممثل الكامل، الحي، البسيط، المتجوهر فردانياً، لإنكار الإلوهية، للعدمية الروحية، للإلحاد على الطريقة المشكلة دستوويفسكياً، أي لإطلاق الحيوان البهيمي الذي يبيح كلَ شيء لنفسه.

يُقال أن دوستويفسكي من الرجعيين المتزمتين استناداً إلى مشاعره لقتل أبيه. يقول فرويد:

(وإن هذه المشاعر قد قامت أيضاً بتحديد اتجاهه في مجالين آخرين كانت فيهما العلاقة بالوالد واضحة، هي سلطة الدولة وأيضاً اتجاهه نحو الاعتقاد في الله. وبالنسبة للاتجاه الأول فقد انتهى به الأمرُ إلى الخضوع التام لأبيه الصغير: القيصر..)، راجع مجلة (إبداع)، دستويفسكي وجريمة قتل الأب، سيجموند فرويد، ص 31 . 46.

لكن دوستويفسكي ليس خاضعاً لسلطة الدولة الرجعية بل هو يخاف التعبير عن نقده بعد سنوات السجن والنفي المريعة لمجردِ دعوته لبعض الأفكار النضالية، ولهذا تغدو المسيحية هي فكرته التي يشكل عبرها نقده، فيجسد قوى الأب الأرضي الشرير والأب السماوي الخير، فيدور فيدروتش من جهة والراهب زوسيما من جهة أخرى. الرواية تغدو ذروة أعماله حيث وصل الصراع بين الأب الفاسد والخلاق، المسيح والعدمي، أمثولةً لكل الحياة، وهذا ما يجعل قراءته الدينية تجريدية لم تتغلغل في الصراع الاجتماعي واحتمالاته.

لم يقم دوستويفسكي بربط اجتماعي ترميزي بين الأب الشهواني الأناني والنظام الاجتماعي، فالأب هنا لا يمثل القيصر، مثلما أن الأب زويما ليس هو المسيح، بل مؤمن به وتلميذه المخلص.

إن الأب الدكتاتور الشهواني المهمل فيدور، والذي بعثر أولاده وشتتهم، والذي هو في قرارة نفسه (ملحد)، أي أنه ألغى اليوم الآخر حيث الحساب. إن هذا الدكتاتور الشهواني الأناني، ألغى البشر: أولاده، وألغى حساب الله حسب رؤية المؤلف.

وهذا الحساب هو السلطة الأخيرة العادلة عند المؤمنين، حيث السلطات الدنيوية غير حاسمة في تحديد الثواب والعقاب.

وفي مقابل هذا الأب الشرير، يشكلُ دوستويفسكي، أباً آخر، هو زوسيما الراهب. حيث تقود زوسيما المعاناةُ إلى أن يكون معلماً مضحياً للبشر، إن كونه عسكرياً اعتاد على العنف يصطدم بحادثة تغير مجرى حياته، حيث ضرب بقسوة مرافقه العسكري فاشتعلت الحادثة في نفسه وقادته إلى أن يرفض المبارزة مع خصم له، تاركاً الخصم يطلقُ عليه النار وهو يتوقف عن إطلاق النار ملقياً المسدس على الأرض.

إن زوسيما إنسان بلا معجزات، سوى أعماله الإنسانية التي تحرك مشاعر الخير في قاصديه. إنه يشكل أبوته بالامتداد الروحي في ألكسي كرامازوف، أصغر الأبناء، والذي تقمص هذه الأبوة حناناً وحباً ومساعدةً للغير.

ولكن هذه الأبوة لا تخلو من المشكلات، فهي تعيشُ في عزلة عن الناس، فلا تقود عملياتهم الروحية والتغييرية. لهذا فإن زوسيما يدعو ألكسي للابتعاد عن الرهبنة والانطلاق نحو المجتمع والمشاركة في تغييره الأخلاقي. إن جثته تتعفن في الساعات الأولى من موته، وهو أمر معاكس لما كان ينتظره الناس من معجزات من وفاته! لكن أعمال زوسيما هي أعمال واقعية وحدس ذكي بالبشر وتوجيه لأعمال الخير، ورغم ضخامة الخلفية الغيبية التي يرتكز عليها فإنها تنقطع مع ملامستها الواقع.

إن ألكسي كرامازوف نبت هكذا فجأة في عالم أخلاقي باهر، رغم بيئته المضادة، وإحاطته بالشر من كل جانب، وهي عملية بدت ميتافزيقية، فيغدو هو الخيط الممتد من زوسيما إلى المجتمع، هي رسالةُ المؤلف المسيحية التي تنزل من الأب إلى الابن إلى البشر. هي قراءةٌ وتجسيد للروح القدس.

إن الأبوة الرهبانية تعطي مساحة كبيرة في الرواية حيث قصة حياة زوسيا وخطاباته تشكل تتويجاً مجسداً لرؤية المؤلف في تضاد المسيحية مع الشر وكونها البديل عن الآراء العصرية العنيفة، حيث يطرح التسامح كشكلٍ أخلاقي واسع لإنهاء تناقضات المجتمع.

ويحمل ألكسي مشعل هذه المحبة ويغمر الشخصيات الأخرى بها، فتتكشف جوانبُهم الخيرة. ويحس حتى الشرير كالأب فيدور بنسمة رقيقة تمر عليه.

وسنجد هذه الأبوة الإنسانية تتشكلُ في محورٍ آخر من محاور الرواية، هو قصة (النقيب سينجريف) وابنه الصغير. فقد جرّ ديمتري كرامازوف، أخو ألكسي هذا النقيبَ من لحيتهِ وأهانه في الخمارة، فما كان من ابنه الصغير سوى أن اندفع نحو ديمتري يرجوه أن (لا يهين أباه).

إن قصة هذا الصغير هي المعادل للقصة المحورية، قصة قتل الأب. إنها قصة التضحية بالنفس في سبيل الأب. فهذا الصغير يعضلا يدَ ألكسي أخي ديمتري ويدافع عن أبيه بالحصى والضرب إلى أن يمرض ويموت ويشكلُ له الصغارُ جنازةً هي من المراثي المؤلمة جداً في الرواية، ورغم المأساة تتحرك علاقاتٌ وعلامات روحية طيبة في هؤلاء الأولاد.

إنه معمارٌ كبيرٌ وخاص لمسألة الأب، يُــدمج فيها بين الفلسفي الديني، والسياسي والشخصي، وتتشكلُ ثنائياتٌ متضادةٌ، منسقة، تخلق أبنيتها التعبيرية الأخاذة.

التناقض الأبرز كما هو في رواية (الجريمة والعقاب)، هو التناقض بين المسيحي المضحي والمثقف العدمي، الذي يرتكز على مصلحته ويعتبر كل شيء مباحاً ما دام فيها منفعته بما في ذلك القتل.

هذا التناقض يعبر عن مُثُل العصور الوسطى الدينية كما تتجلى في المسيحية الخيرة، والعدمية التي هي بداية الأفكار الحديثة التي جاءت من الغرب لروسيا.

يخلق دوستويفسكي تناقضاً مطلقاً مجرداً بين الاتجاهين باعتباره يمثل وضع روسيا الثقافي ومستقبلها، فيما أن الاتجاهات التحديثية الغربية أعمق وأوسع من ذلك. لكن هذا التكوين للتناقض المطلق هو بسبب غياب مشرط التحليل الاجتماعي الفكري للصراع الطبقي لديه.

ولهذا فإن رمزَ العدمية في الرواية وهو إيفان ابن فيدور يحرضُ على قتل أبيه مع الخادم سفردياكوف. وهو لم يدعُ مباشرة للقتل، لكنه لمحّ لذلك عبر أفكاره الفلسفية، ومن هنا نجد تداخل شخصيته مع شخصية الشيطان الرمزية، الذي يزوره ويعيش داخله بشكل كابوسي.

وهو بأحاديثه مع سفردياكوف الأخ والخادم المُلقى في العدم الاجتماعي، والذي وصل للعدمية بتلك الحوارات، يرفضُ جريمةَ قتل الأب ويعتبر نفسه غير محرض عليها. إن العامةَ بتقلبهم الأفكار العدمية العُنفية من قبل المثقفين الأنانيين يغدون أكبر خطراً منهم! وفيما يقبع المثقفون في مصالحهم وقواقعهم يدفع العامةُ ثمناً فادحاً لهذا التأثير.

يلاحظُ هنا إرهاف دوستويفسكي التاريخي لمسألة العنف وتسويقه من قبل الإيديولوجيات الشمولية، معتبراً إياه الخطر الأكبر على مستقبل روسيا، ولم يكن مخطئاً في هذا. ولكن لم يكن بإمكانه حسب وعيه الديني المثالي وزمنيته أن يقرأ العنف كظاهرات متبادلة بين الطبقات في عالم مصالح ضيقة عنيفة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, عبدالله خليفة and tagged , , , . Bookmark the permalink.