فشل مشروع الحداثة

مازن كم الماز  

بعد سقوط بغداد و القدس تمكن الأيوبيون و المماليك أخيرا من صد الصليبيين و المغول و بنوا سلطتهم التي استمرت لأكثر من قرنين و نصف رغم تهافتها و غلبة طابع السلب عليها حتى سقطت أخيرا على يد قوة عسكرية مشابهة هم العثمانيون.. كانت ثورات الفلاحين الشرسة في أوروبا الشرقية و الوسطى قد أنهكت الأرستقراطيات الحاكمة و فتحت المجال أمام العثمانيين للتقدم هناك دون مقاومة جدية لكن الخطر المغولي العثماني عجل في ظهور دول أوروبية مركزية ذات حكم ملكي مطلق تمكنت من إيقاف تقدم العثمانيين و مع الاكتشافات البحرية خاصة رأس الرجاء الصالح و نمو قوة البرتغاليين و الإسبان ( ثم الهولنديين فالانكليز ) في المحيط الهندي و بحر العرب و صعود قوة روسيا، و الأهم مع ثورة الغرب الصناعية و التكنولوجية، بدأت فترة انحطاط طويلة للدولة العثمانية.. أدت هزيمة العثمانيين أمام آل هابسبورغ في 1697 إلى تثبيت حدودهم الغربية لقرن قبل أن تبدأ بالتراجع السريع مع ثورات شعوب البلقان.. على الجبهة الأخرى كانت هزيمة العثمانيين أمام القوة الروسية الصاعدة في حرب 1768 – 1774 كارثية و لولا التدخل الانكليزي لما تمكنت القوات العثمانية من طرد قوات نابليون من مصر أو الصمود في وجه محمد علي الذي حاول تأسيس أول دولة مركزية “حديثة” في الشرق… انكشف ضعف جيش الانكشاريين ( الذين كانوا استمرارا لظاهرة الجنود العبيد أو المماليك ) أمام جيوش أوروبا ما اضطر السلطان إلى التخلص منهم في 1826 ليستعيض عنهم بجيش “معاصر” على النمط الأوروبي..

هكذا كان الطريق إلى قانون التنظيمات أو الخط الشريف عام 1839.. كانت التنظيمات العثمانية جزءا من محاولة “عصرنة” السلطنة العثمانية و معالجة عوامل تراجعها و انهيارها.. عمدت التنظيمات إلى المساواة بين أتباع الأديان المختلفة في محاولة لكسب ولاء رعايا السلطان المسيحيين خاصة و الحد من صعود الوعي القومي “لشعوب” السلطنة.. في ظل النظام الملي السابق على التنظيمات تمتع غير المسلمين خاصة المسيحيين و اليهود بدرجة من الاستقلال الذاتي و حرية ممارسات عباداتهم داخل دور العبادة الخاصة بهم مستفيدين من وضعية أهل الذمة في القانون الإسلامي رغم دفعهم الجزية و معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية على عكس الطوائف أو الفرق الإسلامية غير السنية التي تعرضت في العموم للاضطهاد بهدف تسنينها.. تمتع “النبلاء” العرب ( الأرستقراطية العربية ) بمكانة رفيعة ضمن البيروقراطية العثمانية الحاكمة و لم يتأثر وضعهم المتميز هذا بالإصلاحات حتى اعتماد حكومة الاتحاد و الترقي لسياسة تتريك البيروقراطية الحاكمة بعد عام 1909، مع ذلك رأت الأرستقراطية العربية في الإصلاحات تهديدا لامتيازاتها خاصة مع صعود طبقة وسطى مسيحية مدينية مرتبطة بظهور المانيفاكتورات الأولى و تطور العلاقات التجارية مع أوروبا بشكل غير متكافئ لصالح الأخيرة، الأكثر تطورا..

فقط مع وصول الاتحاد و الترقي للسلطة ستنتقل الأرستقراطية العربية العشائرية و المدينية إلى معارضة الحكم العثماني في مؤتمر باريس 1913 ثم ثورة الحجاز 1916.. لكن معارضة الإصلاحات لم تقتصر على النبلاء و رجال الدين المتشددين.. كان غير المسلمين يدفعون ضريبة عن كل رأس ( فرد ) : الجزية، بخلاف الضرائب الأقل التي كان المسلمون يدفعونها بشكل جماعي عن طريق الجمعيات الحرفية أو وجهاء الأحياء أو ملتزمي الأقاليم..

فرضت الضريبة الفردية على الجميع أو على المسلمين لأول مرة في عهد محمد علي باشا و كانت هذه الضريبة مع التجنيد الإجباري * أهم أسباب الثورات المتتالية ضد حكمه في سوريا و لبنان كثورة العلويين 1834 و الدروز 1838 و ثورة فلسطين عام 1834 التي كانت أكبر ثورة في تاريخ فلسطين المعاصر حتى الانتداب البريطاني.. لقد ووجهت محاولات بناء الدولة المركزية “الحديثة” بمقاومة هائلة خاصة ضد فرضها الضرائب العامة و التجنيد الإلزامي و المساواة بين رعاياها أمام القانون.. فر الكثير من الفلاحين المصريين من قراهم و قام آخرون بقطع أحد أصابع اليد اليمنى أو إعطاب أحد العينين هربا من التجنيد الإلزامي.. أما الضرائب الجديدة فقد أثقلت كاهل المسلمين السنة الذين رأوا أنهم يعاملون فجأة بنفس معاملة جيرانهم المسيحيين، بينما كانت أحوالهم تسوء جراء أزمات اقتصادية مزمنة بسبب تخلف اقتصاد السلطنة و فساد و بذخ السلاطين و الولاة و أحوال جيرانهم المسيحيين تتحسن نتيجة تطور التجارة مع الغرب…

في حلب كان الكساد الذي ضرب تجارة الحبوب هو السبب المباشر وراء قومة (مجزرة) المسحييين عام 1850 رغم أن التاريخ يسجل أن استعراض البطرك ماكسيموس الثالث في شوارع حلب احتفالا بتعيينه بطركا كان السبب المباشر للمجرزة.. ما بدأ في 17 أكتوبر تشرين الأول 1850 كمظاهرة إلى مقر والي حلب احتجاجا على التجنيد الإجباري تحول بسرعة إلى أعمال نهب للأحياء المسيحية و خاصة الكنائس.. كان النهب هو الحافز الأهم للمشاغبين لذلك لم يقتل أكثر من 20 مسيحيا، أيضا لأن الكثير من المسيحيين وجد الحماية عند جيرانهم المسلمين.. في اليوم التالي وافق الوالي على مطالب “المشاغبين” في إلغاء التجنيد الإجباري و الضريبة الفردية و منع المسيحيين من بناء كنائس جديدة و من استعراض الصلبان في الشوارع و قرع أجراس الكنائس و امتلاك العبيد و على تعيين نقيب الانكشارية عبد الله حاكما فعليا للمدينة، لكن موافقة الوالي كانت مجرد محاولة لشراء الوقت بانتظار وصول المزيد من القوات النظامية.. عندما علم نقيب الانكشارية بقدوم الدعم العسكري و قرار الوالي استبداله بمنافسه نقيب الأشراف و التراجع عن تعهداته للأهالي قرر المقاومة فقصفت القوات العثمانية المدينة بالمدفعية ما أدى إلى مقتل حوالي 5000 شخص و رغم ذلك استمرت المقاومة من بيت إلى بيت حتى القضاء تماما على المقاومة ليبدأ بعدها التنكيل بالمدينة رغم أن الأهالي ألقوا باللوم على البدو و الأكراد في أعمال الشغب.. اعتقل 600 شخص من “المشاغبين” نفي منهم 200 إلى جزيرة كريت.. إثر المجزرة غادر قسم كبير من المسيحيين حلب إلى بيروت و ازمير و نقلت بطريركية السريان الكاثوليك إلى ماردين بعد موت البطرك في العام التالي نتيجة إصابته بجروح مميتة في المجزرة.. في العام التالي أيضا بدأ تطبيق التجنيد الإجباري على ألف شاب حلبي لأول مرة.. بعد هذه المجزرة المضاعفة لم يعد المسلمون لمهاجمة جيرانهم المسيحيين في عام 1860 رغم تشجيع السلطات و رجال الدين على المشاركة في المجزرة الأكبر للمسيحيين في الشرق في ذلك العام.. هكذا بدأت الدولة المركزية الحديثة بالتشكل و الظهور في الشرق.. كانت محاولات “التحديث” تأتي من الأعلى، من البيروقراطية الحاكمة تعبيرا عن ضرورة دولتية أكثر منها ضرورة مجتمعية.. ليس فقط الطبقات صاحبة الامتيازات في الماضي هي التي حاولت عرقلة “الإصلاحات” و قاومتها، بل أيضا الطبقات الشعبية من الأكثرية المسلمة تحديدا.. 

ربطت “الإصلاحات” و محاولات “تحديث” الدولة بتقدم قوة الغرب و مشاريعه الاستعمارية و محاولته فرض ثقافته “العلمية و العلمانية” و سياسته الداعية إلى “حماية الأقليات” في الشرق و إصراره على “مساواة المسلمين بغير المسلمين” الخ الخ.. إذا قارنا هذا بموقف الرجال البيض الذي كانوا وراء انتخاب ترامب إلى البيت الأبيض، يمكن القول بأن وراء هذه المقاومة : السني سوبريماست أو المسلم سوبريماست، و السيكسيست، المعارض بقوة لتحرير المرأة ( تحدث فرانز فانون عن أهمية الحجاب في مقاومة الجزائريين لفرنستهم ) و الهوموفوبيك و الكسينوفوبيك الخ.. لسنا وحيدين في هذا الفشل المتكرر في إقامة دول حديثة مركزية.. قاتل الأفارقة لعقود لنيل استقلالهم لكن لم تمر سنوات عدة على هذا الاستقلال حتى بدأوا بركوب زوارق الهجرة المميتة نحو مستعمريهم السابقين.. لقد فشلنا جميعا في إنجاز ما يسمى بالحداثة.. لسبب بسيط : أننا لم نسعى إليها فعلا.. و لا يمكننا أن نحكم : هل نحن قادرون على إنجازها أم لا.. بعد نيل الاستقلال عدنا إلى أنفسنا، إلى دول المماليك و الانكشارية، إلى الصراع القديم الجديد بين رجل الدين و السلطان، إلى حروب داحس و الغبراء العشائرية و الطائفية : الصراع على الامتيازات المفترضة من وجود الدولة، هذا الصراع القائم على صراع العصبيات، تماما حسب تشخيص ابن خلدون الصحيح جدا حتى يومنا كما يبدو.. يتجلى هذا العجز جليا اليوم في غياب أية مشاريع أو حتى خطابات نهضوية موجهة لشعوبنا و مجتمعاتنا..

يسود خطابان اليوم على مستوى النخبة السياسية و المثقفة، و أيضا على مستوى الجماهير : خطاب يعتقد أن رمي المثليين من فوق الأبنية الشاهقة و رجم الزاني و الزانية و تشتيم العاطس و حف الشوارب و إطالة الذقون، و طبعا الجهاد الاستئصالي ضد الكفار و المرتدين، سيعيداننا إلى عصور الإمبراطورية العربية الإسلامية الذهبية، و خطاب آخر، لا يتوجه إلى مجتمعاتنا بل إلى الغرب فحواه بسيطة جدا بل و ساذجة : على الغرب أن يساعدنا في حل مشاكلنا، أو : على الغرب أن يحل مشاكلنا..

ينشغل هذا الخطاب فقط بتبرير ذاته، بتحميل الغرب المسؤولية الكاملة عما نعيشه اليوم، عن كل مصائبنا و عن عجزنا، و يحاول بكل الوسائل استجداء الاستعمار من جديد، بما في ذلك الإقرار ضمنا أو صراحة بالمهمة التاريخية الاستثنائية للرجل الأبيض.. أما على مستوى الجماهير لا يرغب الشباب رغم جاذبية العودة إلى الماضي و الحنين الذي ورثوه عن آبائهم تجاه عصر الامبراطورية الإسلامية الغابر بالحياة على الهامش في بلادهم أو مجتمعاتهم المأزومة، من يرغب في عام 2018 بالعيش خارج أسوار الإمبراطورية الغربية، ألا يكون من رعايا الامبراطورية الأكثر جبروتا و ثراءا في التاريخ.. لا يريد الأفريقي أو التركي أو العربي الشاب اليوم أن يكون فقط أفريقيا أو تركيا أو عربيا كما حلم آبائه، إنه يحلم أن يكون أمريكيا – أفريقيا أو ألمانيا – تركيا ( على طريقة مسعود أوزيل ) أو عربيا – ألمانيا أو سويديا.. على الطرف الآخر تراجعت همجية جيوش الإمبراطورية و أصبحت الحرب أشبه بألعاب كومبيوتر و الطائرات من دون طيار و الصواريخ الموجهة بدقة تسمح للإمبراطورية أن تزعم أنها قادرة على قتل خصومها دون إصابة المدنيين أو تعريض أيا من جنودها للخطر، و أصبح رأس المال افتراضيا هو الآخر و بدلا من مساكن العمال المزرية في إيست لندن أو ذوي السراويل الطويلة الباريسيين ( البروليتاريا الفرنسية ) تستقبل مدن الصفيح البرازيلية و معسكرات العمل العبودي الحديثة في الصين و بنغلاديش عبيد العمل الجدد، سمح كل ذلك لليبراليين بمهاجمة كل القيود و إضعافها إن لم يتمكنوا من تحطيمها، حتى أعتى المتشددين في أقصى زوايا العالم يجد نفسه اليوم مضطرا للحديث عن زواج المثليين و قبول الآخر، لكن هذا ليس أكثر من نكتة سخيفة، شو إعلامي.. مع ذلك و رغم كل علاته و نفاقه يرتبط أي كلام عن حقوق الإنسان اليوم بهيمنة الإمبراطورية و إذا سقطت كما هو متوقع أو ضعفت عن إطعام و علاج ضحايا حروب و صراعات العالم الثالث سيتوقف فجأة كل هذا الهراء عن حقوق بشر يكرهون بعضهم البعض لدرجة الاستئصال..

أما ترامب رمز الوايت سوبريماست و سليل هتلر كما يوصف، فإنه لا يلام اليوم لا على معسكرات اعتقال أو موت جماعية مثل هتلر و لا على غزوه غرينادا أو بنما كما فعل ريغان و لا العراق أو أفغانستان مثل سلفه بوش بل على منعه المسلمين من دخول الولايات المتحدة، كم تغير العالم!! إلا نحن!!

و للحديث بقية 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مازن كم الماز and tagged , , . Bookmark the permalink.