تداعيات النص 40 من سورة التوبة

 آية الله الشيخ إياد الركابي  

 قوله تعالى:-(( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها…-التوبة 40 :

يكثُر الكلام في كل سنة عن-هجرة النبي-من مكة إلى المدينة، وتُحاك من حولها الكثير من القصص والكثير من الحكايا والطرائف التي ما أنزل الله بها، وتأتينا دائماً بصيغة أهروجه للتقول والتندر والمماحكة، وقد حاول البعض جعلها جزءاً من أدبيات الكتاب المجيد ونصوصه، مستندين في ذلك على النص رقم 40 من سورة التوبة، ومن أجل تصحيح ذلك يلزمنا ضبط حركة النبي والرسول داخل نصوص الكتاب لتكون موافقةً ودالةً على المعنى المقصود، وفي ذلك يجب التنويه إلى إن عامة الأخبار والروايات التاريخية والتراثية في هذا المجال، لا يعتد بها ولا يعتمد عليها كدليل في إثبات ذلك والتدليل عليه، والربط المزعوم بين هجرة النبي والنص رقم 40 من سورة التوبة ربط غريب لا تدل عليه لغة الكتاب ولا معناها، وأصل الغرابة هو في المغايرة التي نقرئها بين هذا النص والحكاية التاريخية في هذا المجال، وبحدود علمنا إن الكتاب المجيد لم يبين لنا على نحو واضح وجلي شكل الهجرة ولا طبيعتها ولا كيفيتها، ولم يكن الكلام فيه إلاَّ على نحو عام في معنى الهجرة والمهاجرين [ وهذه غير تلك بكل تأكيد ].

 وفي هذا نقول:-لا دلالة في الكتاب المجيد على ان-هجرة النبي-هي نفسها التي نقرئها في كتب التاريخ والأخبار-، إذ:-[ إن-هجرة النبي-بلسان الأخبار والروايات ما هي إلاَّ وهم و خيال صاغه وضاعون أمتهنوا حرفة التلفيق والكذب ]-، كما إن النص رقم 40 لم يتعرض إلى الهجرة لا في سياق التعريف بها و لا في سياق الإشارة إليها، بل ولم نجد في الكتاب المجيد نص أخر يتحدث عن كيفية الهجرة وعن طبيعتها، وما بين أيدينا من شروحات في هذا الشأن، إنما جاءت وفقاً للحكاية التاريخية التي جعلوا منها الدليل الدال على هذا النص وشأنية نزوله، ذلك أن:-[ نصوص الكتاب لم تنزل بسبب ما أو لسبب ما ]-، وشأنية النزول المُدعاة إنما جيء بها للتغطية عن مفاهيم مبتكرة و مصاديق معينة بذاتها.

لكن كيف تم الخلط بين المادة التاريخية والنص الديني؟، وفي الجواب نقول: عادةً ما يتحكم بالنص الديني وفي تطويعه وفي عمله-أهل السياسة-التي بيدهم تُصاغ المادة التاريخية وهي التي تجعل منها نصاً دينياً، ولنتذكر هنا قول الإمام الحسين:-[ الدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ‏ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ ] وهذه حقيقة تثبت تطويع الدين لخدمة مصالح أهل السياسة ومن بيدهم السلطة، و تاريخ الإسلام القديم والجديد حافل بذلك والشواهد أكثر مما تُعد، ولهذا تتم كتابة النصوص الدينية وفقاً لرغبة السلطان ومن بيده الحكم، ثم تكون هذه النصوص هي نفسها المادة التاريخية بعدما يضعون لها الأسانيد المتصلة إلى النبي، وهذا النوع من الخلط يؤدي إلى التحريف والتزييف، مما يفقد الحس الجمعي قدرته على الرد والمناورة، وبالتالي تصبح المادة والفكر الذي يُشاع ويسود هو ذلك الذي يريده السلطان، حسب مقاساته ومسوغاته ومايؤمن به ويرتضيه.

ويعني هذا إن النصوص الدينية قد تعرضت إلى سرقة معرفية، وإلى تدليس سرى أثره في الفكر وفي الثقافة وحتى في المُخيلة العامة وذهنية الإيمان، مما ولد لديناً مُركباً هجيناً لا نعرفه في لغة الكتاب ولا في القواعد العقلية، ومع إن الوهم والخرافة لا يشكلان جُل الحقيقة الدينية لكنهما يتحكمان بها وفقاً لرغبة أهل السياسة وأرادتهم، ولعلكم سمعتم عن-جماعة الوضاعين-الذين يمتهنون وضع الأخبار وتلفيق القصص، وهذه الجماعة نمت وكبرت في ظل نهايات الدولة الأموية والعباسية-ولقد أفرد الشيخ الأميني رحمه الله في كتابه الغدير للوضاعين وأحاديثهم كتاباً بالأسماء والصفات-، وهؤلاء هم أنفسهم الذين سخروا هذا النص من سورة التوبة لمهمة ومعنى-هجرة النبي-، وجميعنا يعلم إن تلكم الأخبار فاقدة للشرعية من جهة الدلالة والمعنى وجهة السند.

ولكن ما الربط بين النص 40 من سورة التوبة وهجرة النبي؟، من حيث المبدأ لا ربط بينهما في الأصل، ذلك إن مادة النص شيء والهجرة شيء أخر، ولغة النص ومادته تتحدثان بطريقة الإستدراك والإحالة إلى الماضي وإلى أمر ما قد حدث، ودلالة النص هنا في بيان صحة النبوة وصدقها، وتسلسل النص وتراتبيته، ليس فيه مايدل من جهة اللفظ أو المعنى على ما نُشر في كتب الأخبار والروايات، وبحسب منطوق النص و الشرح الأبتدائي عليه، إنما هو تعريف: ( بحكاية النصر الإلهي الذي حصل للنبي حين داهمه الكفار وأخرجوه من الغار )، ويُفهم من تحليل النص إن لغته تتضمن معنى التقريع والتوبيخ، هكذا هو خطاب النص المطلق عن الزمان والمكان الذي تحقق بهما النصر.

ولنتأمل ذلك في قوله تعالى:-( إلاَّ تنصروه فقد نصره الله )-، حرف-إلاَّ-على رأي أبن هشام في المُغني وأبن مالك في الألفيه وأبن منظورفي اللسان، إنما:-[ هو حرف مركب من جزئين، هما ( إن الشرطية ) و ( لا الناهية ) أو ( لم النافية ) ]، ومعناها-إن لم-أو-إن لا-وجملة [ إلاَّ تنصروه فقد نصره الله ] هي جملة مركبة من الشرط وجوابه، و بيان ذلك في الأين-المكانية-، حين قال:-إذ أخرجه الذين كفروا ثاني أثنين إذ هما في الغار-، وحرف-إذ-المكرر الذي يفيد التوكيد في لغة العرب يأتي بمعنى ( لما أو حين )، ومعنى ذلك:-إن الله نصره-لما-أخرجه الذين كفروا من الغار-، وليس كما توهم عامة المفسرين بقولهم:-[ إن الله نصره حين فر هارباً من مكة يريد المدينة ]، مع إن الكلام في النص واضح ودلالته على المحل الذي نصر الله به نبيه كذلك واضح، قال:-إذ هما في الغار-، وطبعاً لم يكن وجود النبي في الغار بسبب خروجه مهاجراً إلى المدينة كما توهم البعض، إنما الكلام في النص كان عن الكيفية التي نصر الله بها النبي من بطش الكفار حينما أخرجوه عنوة من الغار، [ والذي كان فيه مصادفة وليس للعبادة ولا للهجرة ]، بدليل وجود هذا-الصاحب-المجهول الهوية والحال.

 وتعريف صاحب من الصحبة وهي الرفقة المجردة، والتي تحصل في السوق وفي العمل وفي وسائل النقل وفي الشارع وفي السجن وفي غيرها من الأماكن، ولا دليل يفيد بإن يتبع الصاحب صاحبه في الفكر وفي الإعتقاد، والنص مورد البحث إنما يتحدث عن هذا بصيغة مطلقة مجردة، و بحسب منطوق النص إنها جاءت مُصادفة وليست عن ترتيب مسبق، و ذلك واضح و لم يُشر النص على خلافه، بل تركه مجرداً في معناه الذهني واللغوي، وفي الحالة هذه لا يمكننا تلبيس المعنى أكثر مما يحتمل هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يصح الإدعاء أو القول: ( إن الصاحب هنا هو فلان من الناس )، وإلى ذلك دلت إستخدامات لغة العرب في:-إن معنى الصاحب لا يدل على الصديق أو الأخ أو الحميم-، إنما هو ذلك الشخص الذي يكون بمعية أخر في سفر أو في غيره، وجاء لفظ-الصاحب-مفرداً وجمعاً منكراً ومعرفاً في الكتاب المجيد نحو خمساً وعشرين نصاً ذُكر فيها اللفظ، كما في قوله تعالى: [ يا صاحبي السجن أَأَرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ] 39 يوسف، ولفظ صاحبي هنا دال على مجرد التواجد في ذلك المكان، جاء وصفاً لحالهم وتواجدهم مع يوسف النبي في السجن، وفي الكتاب المجيد هناك نوعين من المعاني::

[ أولهما: ورد بمعنى-المالك-الدال التملك والملكيَّة، كما في قوله-أصحاب النار، واًصحاب الجنة وهكذا-، وأصل الدلالة هنا هو الملازمة [ بين اللفظ ومعناه ]، وعلى ما يصح معه إطلاق معنى الملكية-.

وثانيهما: ورد بمعنى عام دال على-مطلق العلاقة بين الناس-، كما هو ظاهر في قوله تعالى من سورة يوسف 39 المتقدمة، وهذا النوع من الإستعمال للفظ يأتي في صيغة وصف حال، وفي الكتاب المجيد أمثلة على ذلك متنوعة، تُبين أو تذكر مجرد العلاقة بين طرفين أو أكثر ولا يربطهم رابط ديني أو فكري، ولا ملازمة عقلية في هذا النوع توجب أو تدل على أن يكون الصاحب على فكر صاحبه أو على إيمانه، إنما الشرط في صحة إطلاق اللفظ على معناه المجرد.

. وأما قولهم: بأن المُراد من معنى-الصاحب-في النص رقم 40 من سورة التوبة هو الخليفة أبي بكر، فهذا قول مردود ولا دليل عليه سوى الظن، وتغليب الفعل السياسي اللاحق على المعنى الديني، ولم يكن الغار المُشار إليه في هذا النص هو نفسه غار حراء في جبل ثور، كما لم يكن معنى الإخراج في النص هنا دليل على هجرة النبي من مكة إلى المدينة، والقول في مجمله قول عام لا يحتمل أكثر من ذلك، كما إن النص ليس في معرض الكلام عن مزايا حسنة لمن صاحب النبي في الغار، ولهذا لا يمكن الأستفادة منه في مجال الأحقية السياسية في الزعامة والخلافة، ذلك إن شأنية الخلافة وإستحقاقاتها شيء أخر مختلف عن معنى الصحبة المجردة، الخلافة كما نفهمها تقوم على أساس الشورى والإختيار العام. 

 من أجل هذا ندعوا لإسقاط الجملة التراثية الرائجة والتي تقول-أصحابي كالنجوم بمن أقتديم أهتديم-التي يترنم بها غير واحد من المُتبارين في سوق الأحقيات السياسية المزيفة، كما يجب إسقاط فرضية ( عدالة الصحابة ) من البين لأنها وظفت في سياقات من التناكف والتنطاح الفرقي السيء، وإعتبارها مجرد أخبار كاذبة توظف من أجل تحقيق أهداف ومصالح سياسية، وهذا فعل ممنوع و باطل شرعاً، بل إنه نوع من أنواع الدجل والتدليس المخالف لنصوص الكتاب ومعناه، والتي قالت وتبنت معنى:-( إنما المؤمنون أخوة )، ولم يصدر عنها القول:-( إنما المؤمنون أصحاب )-، والكتاب حين أستخدم لفظ-الأخوة-أستخدمة في معناه الحقيقي الدال على العلاقة الصالحة والصادقة بين المؤمنين، ولم يتبن الكتاب لفظ الصحابة كدليل على ذلك..

ونعود لنقول:-أن لا دلالة في النص 40 على كون معنى الإخراج المقصود هو من مكة إلى المدينة ولا من بيته إلى المدينة-، بل ظاهر اللفظ وعمومه يعني الإخراج من الغار: ( الذي كانوا فيه هو وصاحبه )، وعملية الإخراج من الغار إنما تمت بواسطة الفرق الجوالة التي داهمت الغار وأخرجت النبي ومن معه، و هذا بحسب منطوق النص-[ أي إستخدام العنف والتهديد بالسلاح في ذلك ]، من أجل هذا الوضع إنتابت صاحب النبي حالة من الخوف والحزن، وهي حالة مبررة إن نظرنا إليها في سياقها الموضوعي الطبيعي، من رجل عادي وضعه القدر في لحظة بصحبة النبي حين تمت مداهمة الغار.

وهذا البيان يدعونا:-لرد فكرة المُعجزة المادية والحسيَّة المُدعاة في هذا الشأن-، ونفي فكرة المعجزة الحسية على كل نحو مع بعثة النبي محمد-بالقرآن-، والنفي أساسه وجود المانع وفقدان المقتضي، ومعنى ذلك إن بعثة النبي مانعة لحدوث معجزات حسية ومادية، بدليل وجود-القرآن-الذي أعتمد على العقل في التعاطي مع الأشياء في الحياة والكون، ونمت معه ما نطلق عليه-بالمعجزة التجريدية-، والتي تعتمد العقل والعلم والبرهان أساساً لها، أي إنه ومع نزول القرآن أنتفت الحاجة للمعجزات الحسية، وبدأ دور العقل والعلم في تبيان الأشياء وتوضيحها، كما في كل المسائل ذات الصلة بالحياة والكون من حق وباطل أو من خير و شر.

 نعم حين تحدثت نصوص الكتاب المجيد عن الماضي وعن الأنبياء الذين سبقوا نبينا محمد، ذُكرت بعض المعجزات المادية التي حصلت كوسيلة إيضاح في الإيمان وفي المحاججة لغرض ما ولعلة معينة ما كانت في وقتها، ولكن هذا النوع من المعجزات أنتهى أوآنه بعدما أكتمل تطور العقل مع نبوة محمد، ومعها سيكون الدور للعقل والعلم في موضوعة التحليل والشرح والتدبر والإكتشاف والإختراع، و فسح المجال لهما في تفسير الظواهر الكونية والحياتية، والفكرة هذه صحيحة تماماً فجميع الإبداعات والقفزات العلمية تمت حين تجرد العقل من ضواغط الحسابات الميكانيكية.

أقول هذا: ولازال الكثير من مفسري الكتاب المجيد يعتمدون على ماهو مادي وحسي من قبيل فرضية شأن النزول والناسخ والمنسوخ وغيرهما، ولازال البعض غير مبال بما يحدث من طفرات علمية هائلة، ولازال البعض يحاول تعطيل حركة العقل والعلم، متكأين على الوهم والخرافة ووسائل الإيضاح البدائية، ولازالت حمامة أبوجهل وعنكبوت أمية بن صفوان هي التي تشكل وعيهم ومفهومهم عن الهجرة وتداعياتها، مع العلم: إن العقل الطبيعي يقول بإستحالة أن تعيش حمامة في الصحراء، لكن هذه الصيغة من أخبار ساسة قريش وظفت في الفكر والثقافة والروايات والتاريخ وأعتمدها عامة المفسرين كدليل على نصر الله وحمايته للنبي، مع إنها مجرد قصة خيالية وكذبة أتى بها قصاص محترف، وأظنه كان يعلم إنه في ذلك يخالف قوله تعالى: ( فأنزل الله سكينته عليه،وأيده بجنود لم تروا )، ومعنى-أنزل-أي جعل السكينة على النبي في مواجهة خطر المداهمين، ولكن كيف كان ذلك؟ قال إنما السكينة كانت من خلال تلك الجنود التي أيدت النبي ودعمته وساندته،-وأيده بجنود لم تروها-، وهي نفسها التي حققت للنبي النصرة والعون، إذن النصر والعون والدعم من الله كان بهذه الجنود التي لم يرها أحد، وليس بالحمامة أو العنكبوت وهذه الأخبار المزيفة..

وخلاصة القول: إن هذا النص لا علاقة له بهجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة، كما إن المُراد بصاحبه في الغار ليس أبي بكر على نحو التعيين واليقين، إنما هو مجرد صاحب كان في لحظة معينة وفي مكان معين، ومعنى أخرجه الذين كفروا ليس من مكة بل من الغار، ولولا تأييد الله بجنوده له لما كان يمكنه الخلاص والنصر الذي تحدث عنه النص، وفي المجمل لم يكن النص إلاَّ تذكير لمن حول النبي وغيرهم بأنه سينتصر حتماً بتأييد الله ولو لم ينصروه، تلك هي سنة الله وثقة النبي وإيمانه…

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات and tagged , , . Bookmark the permalink.