حرافيش فى حرب اكتوبر

احمد الحصرى  

يوما ما، فى احدى مقابلاته التليفزيونية الكثيرة، سألته المذيعة: اين كنت وقت بدء حرب اكتوبر وكيف عرفت الخبر، اجاب الفقيه الاخوانجى “صبحى صالح” دون ان يطرف له رمش: سمعت الخبر من الراديو وكنت قاعد اشرب شاى مع صديق على المقهى !!!!

وبينما كان الفقيه الاهطل مثل رئيسه يستمتع بشرب الشاى فى نهار العاشر من رمضان، كان هناك على الجبهة شباب يكتبون بدمائهم تاريخ جديد.

كان هناك البطل جندى مجند محمد عبدالعاطى الحائز على نجمة سيناء،صائد الدبابات (23 دبابة و3 عربات مصفحة)، وكان هناك البطل جندى مجند ابراهيم عبدالعال الحائز على وسام الجمهورية من الطبقة الاولى (18 دبابة و2 عربة مصفحة).

وكان هناك الحرفوش “مصرى” الذى اسر دبابة اسرائيلية بكل طاقمها دون الاستعانة بأى سلاح.

الحكاية كما يرويها الدكتور ابراهيم السايح استاذ التاريخ فى مذكرات غير منشورة، وكان وقتها طالبا بكلية الاداب ضمن فريق المقاومة الشعبية السكندرى على جبهة القتال:

فى فترات الراحة من النوبتجيات التى كنا نشارك فيها قبل وبعد وقف اطلاق النار، كنا نذهب الى المقاهى الشعبية داخل مدينة الاسماعيلية لقضاء اوقات الفراغ، وكنا نستخدم الدبابات فى الوصول الى هذه المناطق نظرا لعدم وجود وسائل مواصلات اخرى، وفى احدى هذه الرحلات رافقنا فى الجلوس على المقهى احد الضباط من طاقم الدبابة، واثناء تواجدنا هناك اشار لنا الى جندى يلعب طاولة مع جندى اخر، ويمدد قدميه على اريكة امام المقعد الذى يجلس عليه، ثم روى لنا قصة هذا الجندى قائلا انه تمكن من اسر دبابة اسرائيلية بكل طاقمها،وانه انجز هذه المهمة دون الاستعانة بأى سلاح، حيث استخدم علبة عصير فارغة وأوهم طاقم الدبابة بأنها قنبلة يدوية وأنه سوف يفجرها داخل الدبابة بعد ان اعتلى البرج اعلى الدبابة، ولما استسلم الطاقم له قام بالاتصال بوحدته من خلال اللاسلكى وطلب من القائد استدعاء الفريق الشاذلى شخصيا لاستلام الدبابة “السنتوريون” الاسيرة !

بعد رواية هذه القصة قام الضابط باستدعاء الجندى ليروى بنفسه هذه الاحداث، ونهض الجندى متأففا وقال للضابط انه زهق من استدعائه بين الحين والاخر لاعادة رواية القصة على اسماع “طوب الارض”، وانه لم يفعل شيئا بجانب بطولات زملائه الاخرين، واستأذن فى الانصراف عنا لاستكمال لعب الطاولة مع زميله !!

حرفوش اخر اسكندرانى من حارة اليهود، اعتبره زملائه أحد المعجزات الالهية، كان مجندا ومكلفا بقيادة سيارة “فنطاس” ضخمة من سيارات نقل الوقود، واثناء سيره بالسيارة الضخمة شن العدو غارة طيران ومدفعية عنيفة على مواقع الجيش الثانى، واضطر لايقاف السيارة والاختباء تحتها وفق التعليمات، وتعرض هذا الموقع الذى توقفت فيه سيارة الوقود الى كمية قذائف تكفى لابادة مدينة كاملة وفق رواية زملاء هذا الجندى، واستشهد كثيرون خلال القصف دون ان تصاب سيارة الوقود بشظية واحدة كانت كفيلة بانجارها وتدمير كل ماتبقى فى هذه المنطقة، وخرج الجندى عقب انتهاء القصف المزدوج دون ان يصاب بخدش واحد، واعتبره زملاؤه عقب هذه الواقعة شخصا من اصحاب واهل الخطوة، وتنافسوا فى التقرب اليه عساه ينقل لهم شيئا من البركة التى اختصه الله بها !!

كان يرافق الفريق السكندرى للمقاومة الشعبية فريق اخر من المقاومة الشعبية القادمة من السويس، وفى اوقات الراحة قبل وبعد وقف اطلاق النار، كان الفريقان ينظمان مباريات كرة قدم فى ملاعب او مساحات صالحة للعب بالقرب من معبر رقم (6)، ولثناء احدى هذه المباريات انطلق عدد من من طائرات العدو من الشرق الى الغرب، ووصل الى المكان الذى تقام فيه المباراة، واستمرت المباراة رغم ذلك الى ان حضر احد كبار الضباط ومعه آخرون، واعتقد الزملاء ان اللعب فى هذه المواقع خروج عن الانضباط فى جبهة قتال، ولكن الضابط الكبير ابتسم وطلب اسئناف اللعب لان هذه الطائرات تقوم باستطلاع احوال الجيش المصرى فى جبهة القتال، ومسألة اداء مباريات كرة قدم على الجبهة امر فى صالح التقييم الايجابى للجيش النظامى والقوات الشعبية فضلا عن المواطنين الذين كانوا موجودين آنذاك فى المدينة بحكم اعمالهم فى المطاعم والمقاهى وسائر الخدمات المدنية الاخرى، وتحولت بعدها هذه الظاهرة الى سلسلة مباريات منتظمة تشبه الدورى وان كانت قاصرة على الاسكندرية والسويس بصفة عامة، وبعض لاعبى الاسماعيلية احيانا.

عند وصول فريق المقاومة الشعبية السكندري (180 من شباب جامعة الاسكندرية معظمهم من طلاب السنوات الاولى )، تم توزيعهم على مجموعة من الكمائن داخل مدينة الاسماعيلية، ولم تكن ثمة عقبات فى السكن والاقامة اللهم عدم وجود تسليح حقيقى مع احد من افراد الفريق، وامام هذا الوضع المحبط قرر بعض طلاب التربية الرياضية اصطحاب عدد من الطلاب الغاضبين وذهبوا فى شكل مظاهرة الى مكتب العميد المسئول عن المقاومة الشعبية، وقال الرجل لهم ان تسليحهم بالذخيرة الحية ليس من اختصاصه، لأن احدا من القيادة العامة لم يبلغه بوصول مقاومة شعبية من الاسكندرية، وان الأمر كله تم من خلال مسئولى الاتحاد الاشتراكى بالمحافظة دون تنسيق حقيقى مع قيادات الجيش فى الجبهة، واستمر اعتراض اعضاء الفريق السكندرى رغم كلام الرجل، واحتد بعضهم عليه واشتعل غضب الجميع بعد شعورهم بالاحباط الشديد لعدم امكانية مشاركتهم فعليا فى الدفاع عن المدينة،وامام هذه الثورة فوجئ الجميع بالعميد يكاد يبكى تأثرا، وقرر صرف السلاح والذخيرة الحية لكل فرد من الفريق السكندري دون انتظار أوامر من الجهات الاعلى قائلا “حتى لو فيها محكمة عسكرية.

كان الحد الشمالى لقوات الثغرة الاسرائيلية فى قرية سرابيوم جنوب الاسماعيلية، وكانت اخر نقطة قبلها شمال هى قرية أبو عطوة، وكان رجال الصاعقة يذهبون كل ليلة الى سرابيوم وغيرها من مواقع الثغرة ويقومون باغارات بالسلاح الابيض على قوات الاحتلال ويتقاضى كل منهم مكافأة فورية عند عودته عن كل قتيل من جنود العدو بعد ان يقدم للقيادة دليلا على قيامه بالمهمة.

بعد وقف اطلاق النار وقبل قليل من انتهاء مباحثات فض الاشتباك،قم احد الضباط باصطحاب بعضا من الفريق السكندري من ابو عطوة الى سرابيوم بعد ان وضع منديلا ابيض على سونكى البندقية.

فى سرابيوم فوجئ اعضاء الفريق بأن قوات العدو عبارة عن شباب من طلاب الجامعات، اصلهم يمنى، ويتحدثون اللغة العربية، وقاموا بتقديم وجبة فخمة من الطيور واللحوم والفواكه لاعضاء الفريق، وقالوا انهم كارهون البقاء فى هذه المنطقة اكثر من اصحابها، وطلبوا فى شكل رجاء من الضابط المصرى المسئول ان يقنع زملاءه بالكف عن الاغارات اليومية على مواقعهم لانهم مجبرون على البقاء فى الغرب الى حين، ودون ان تكون لأى منهم قناعة شخصية بتلك الثغرة الحمقاء التى اخترعها شارون.

كان الجنود اليهود صادقين فى الكلام، فبعد عدة ايام انتهت محادثات فض الاشتباك التى كانت مصر تطلب فيها مجرد عودة قوات اسرائيل الى حدود 22 اكتوبر, بينما قررت اسرائيل الانسحاب من كل مواقعها غرب القناة، وفى ليلة اعلان هذا القرار كانت سرابيوم تشبه ساحات الافراح حيث احتفل حتى الصباح جنود الاحتلال بموجة عارمة من الرقص والاغانى ابتهاجا بخروجهم من المصيدة التى وضعتهم فيها قيادة الجيش الاسرائيلى.

وجاء موعد العودة، بعد شهرين على الجبهة، قررت الحكومة استئناف الدراسة بالجامعات، وعاد الفريق السكندرى للمقاومة الشعبية، وفى القاهرة قبل السفر للاسكندرية، استقبلهم ابن الاسكندرية وزير الداخلية ممدوح سالم نائب رئيس مجلس الوزراء وقتها، الذى اشاد خلال اللقاء ببطولات المقاومة الشعبية ووطنية كل من شارك فيها.

عاد ابطال المقاومة الشعبية السكندرية، بينما كان الفقيه الاخوانجى (الصول السابق) صبحى صالح، مازال مع اخوانه على المقهى يحتسون الشاى بالياسمين.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, احمد الحصري and tagged . Bookmark the permalink.