مرحاض ماركس

 عمار عزيز  

كان ( العقاد ) رجلا يمتلك كبرياء مفرطة، و حينما عانى شبح الإفلاس، لجأ إلى زجاجة يحتفظ بها ليتجرعها و يموت حينما تضطره الظروف لحياء الاقتراض، خصوصا و أن الرجل بلا معارف وثيقي الصلة ليقترض منهم، له قراء كثر، لكنه قضى أغلب حياته وحيدا، خارج أي دائرة اجتماعية مؤثرة، باستثناء جلسات الصالون التي كان يضيق بها لأنها تضطره للثرثرة مع اخرين، وبينما (العقاد) يلفه الشرود و الزجاجة على الطاولة متأهبة للقضاء عليه، طرق الباب أحد الناشرين مطالبا إياه بمسودة كتاب لديه مع دفعة مالية، ثم عاد العقاد للحياة، و زجاجة الكبرياء قابعة على رف بالمطبخ تحت تصرفه لو لم يعاود أحد الناشرين الطرق على بابه في الوقت المناسب.

قضى ( العقاد ) معظم حياته بعيد عن سلك الوظائف، معتمدا بشكل كامل على العائدات الهزيلة لكتبه، و بنفس القدر من الحياء كان يكسو عزوبته بمسحة فلسفية لو لزم الأمر و اضطره أحدهم للإفصاح عن سر عدم زواجه، حتى تفاقم الأمر إلى اتهامه بضعف القدرة الجنسية، لم يكن سهلا على مجتمع لا يعرف للكبرياء الشخصية سبيلا أن يتفهم ( العقاد ) و أنه بالفعل لا يملك نفقات الزواج و لا السعة المالية ليعول زوجة، لكنه لن يقولها ببساطة لأنه ( العقاد ) و لا يملك ترف التسول و التنطع على الدولة كسائر المواطنين المطالبين بإعانات زواج و إسكان اجتماعي تدعمه الدولة، لم و لن يفعلها و ليتهمه الكوكب بأكمله بالضعف الجنسي سيظل محتجبا في داره، عاكفا على كتبه و زجاجة السم تراوده من حين لاخر، و كان يقول عن الوظيفة بأنها رق القرن العشرين.

قبل أن نشهق بانبهار أمام التراكم المعرفي والتكنولوجي في ظل الرأسمالية، فلنغرس في أعماقنا أنها كريهة، و أن التاريخ الإنساني ضيق علينا الخناق لنتجرعها، أبسط التعريفات المعاصرة للعبد هي أنه الإنسان الذي لا يملك تحديد وقت فراغه في اليوم، يعمل كثيرون في العالم ضمن وظائف لا يكفي عائدها اليومي نفقات اليوم، لو كان مسار التاريخ منحازا للعدالة و لرخاء الإنسان منذ بدايته لتحقق للمرء أن يعمل يوما واحدا فقط ليغطي نفقات عشرة أيام تالية من عطلة مستحقة، لربما الجمع و الالتقاط و الصيد أكثر كرامة مما هي عليه الحياة اليوم، وقعت العقول تحت أسر استساغة الكدح، و أن ثمانية ساعات أو أكثر خارج المنزل و إما الموت جوعا هي فكرة عادلة و سهلة التقبل و ليست رقا أو استغلالا، في حين أن الوقت الذي نحتسبه كحياة حقيقية هو الوقت الذي نسند فيه ساقينا على الحوائط بحرية، نسير بمحاذاة الشواطىء، نحتفل أو نبتهج مع العائلة لو كان لكل منا عائلة، ننصت للموسيقى، نمضي في الطرقات بخطوات حرة،أما الوقت الذي نبيع فيه جهدنا لأي منشأة مهما كان السمو الوظيفي داخلها لا يمكن النظر إليه إلا كإكراه و رذيلة و نتيجة لإخفاق مسارنا عبر التاريخ، كان من الممكن أن يكون لكل منا نصيبه العادل من ساعات العمل مع وقت فراغ هانىء و متسع، لكن ظل الاستغلال في تصميم الإنسان و أهم امتيازاته التطورية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عمار عزيز and tagged , . Bookmark the permalink.