وهَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ

د. السيد نصر الدين السيد 

(ألفبائية علوم ما بعد الحداثة)

في مطلع عام 2005 أدلت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس بحديث صحفي لجريدة واشنطن بوست الأميركية، أذاعت فيه عن نية الولايات المتحدة نشر الديمقراطية بالعالم العربي والبدء بتشكيل ما يُعرف ب “الشرق الأوسط الجديد” وذلك عبر نشر “الفوضى الخلاقة” في الشرق الأوسط.

وقامت الدنيا ولم تقعد وكُتبت مئات المقالات حول ما يعنيه هذا الوافد الجديد الى عالم مصطلحات العلوم السياسية. ألا أن أحدا لم يتعرض لأصله وفصله المتمثل فيما يمكن تسميته “علوم ما بعد الحداثة”، مثل “نظرية الكِيوس” Chaos Theory و”نظرية التعقد” Complexity Theory ونظرية “المنظومات المعقدة المتكيفة” Complex Adaptive Systems.

وهي العلوم التي تشكل مجتمعة نظرة علمية جديدة لأحوال كلا من الواقع الطبيعي والواقع الاجتماعي. نظرة تتبنى “رؤية عملياتية” Process View للمنظومات فتهتم بأحوالها وهي في حالة الغليان والفوران والتغير والتبدل، أي بأحوالها وهي “بعيدة عن وضع الاتزان (أو الاستقرار)”. نظرة تأخذ في اعتبارها خاصية “اللاخطية” Nonlinear التي تميز العلاقات بين مكونات هذه المنظومات فتسفر عن تنوع وثراء في السلوك. وأخيرا نظرة تقدر الدور الهام الذي تلعبه “الفوضى” في إنتاج “الانتظام”. وسنحاول في هذا المقال القاء أضواء خاطفة على بعض مفاهيمها وعلى تداعيات تطبيق هذه المفاهيم علي ارض الواقع.

تقوم منظومة العلم التقليدية، بنظمها العلمية المختلفة، على مجموعة من المبادئ من أهمها:

  1. السببية) أو العليّة Causality): وراء كل ما يحدث امامنا من تغيرات “أسباب طبيعية” يمكن للإنسان اكتشافها. أو بعبارة أخري تتسبب ظاهرة ما (السبب، العلة) في حدوث ظاهرة أخرى (النتيجة، المعلول) فـ “لكل حادثة علة” أو ” لكل معلول علة أدت إلى حدوثه”. فحركة طبقات قشرة الأرض تسبب الزلازل وسقوط الاجسام سببه الجاذبية. ولا مكان للمعجزات او الخوارق.
  2. الانتظام هو القاعدة والفوضى هي الاستثناء”: وهو الانتظام الذي تتعدد مظاهره بدءا من تتالى الليل والنهار وتعاقب فصول السنة وإنتهاءا بالحركة الدورية لأجرام السماء. وهي الإنتظامات التي تحكمها قوانين طبيعية تربط بين الأسباب والنتائج ويمكن اكتشافها واستخدامها في التنبؤ بسلوك الكيانات والكائنات.
  3. الاختزالية” Reductionism: يمكن فهم سلوك أي ظاهرة أو كيان بدراسة خصائص وسلوك مكوناته كل على حدة. ويقوم هذا المبدأ على فرضين. الفرض الأول هو أن خصائص الشيء ككل يمكن اشتقاقها من خصائص مكوناته كل على حدة. فأداء السيارة، على سبيل المثال، هو محصلة لأداء مكوناتها من منظومات ميكانيكية وكهربائية. أما الفرض الثاني فيؤكد على أن خصائص مكونات الشيء كل على حدة لا تختلف عن خصائصها باعتبارها أجزاء لكل واحد. فخصائص المنظومة الميكانيكية للسيارة واحدة سواء تم تشغيلها كجزء من أجزاء السيارة او تم تشغيلها ككيان مستقل.

وعلى الرغم من نجاح تطبيق المبدأ الثالث، “الاختزالية”، في تفسير بعض الظواهر الا انه فشل في الكثير منها. ومن أبرز حالات فشل هذا المبدأ هو عجزه عن تفسير ظهور “الخصائص المستجَدة” Emergent Properties. و”الخصائص المستجَدة” هي تلك الصفات التي يتمتع بها الشيء ككل ولا تتمتع بها مكوناته. فخصائص الماء على سبيل المثال لا يمكن اشتقاقها من خصائص مكوناته من هيدروجين واكسيجين. وخصائص جسم الإنسان كظاهرة بيولوجية لا يمكن فهمها باعتباره مكونا من 65% ماء و20% بروتين و12% دهون 3% مواد أخرى.

وهنا ظهرت “المنظوماتية” System Approach بما جاءت به من مفاهيم ومناهج جديدة للنظر فى أحوال الواقع وعلى رأسها مفهوم “المنظومة” System، أو “المنظومة” System فعرفتها بأنها هذا “الكل، أو الكيان، الذى تميزه خصائصه المستجدة والقادر على التكيف مع أحوال بيئته المتغيرة والذى تشكله مجموعة من المكونات، المادية أو المعنوية، المترابطة سويا لتحقيق غاية بعينها وذلك بفعالية تفوق فعالية مكوناتها المستقلة” (#). إنها هذا الشيء، أي شيء وبغض النظر عن طبيعة مكوناته، الذي يحقق المعادلة: “واحد زائد واحد أكبر من إثنين”. 

كما فشل نفس المبدأ في تفسير عملية “الانتظام الذاتي” Self-organization التي يعرفها العلماء بأنها “العملية التي تزيد انتظام أي منظومة وذلك بدون تدخل أي كيان من خارجه”. ويأخذ “الانتظام” أشكال متنوعة، فهو قد يتبدى على هيئة ترتيب معين لمكونات المنظومة كذلك الذي نراه ففي بلورات الثلج وتكوينات السحب أو في النظم والمؤسسات الاجتماعية التي تنشأ في مجتمع ما. وهو قد يظهر على هيئة سلوك متسق تبديه مكونات المنظومة كذلك الذي نشهده في حالة أسراب الطيور المهاجرة أو النمل في سعيه وراء الغذاء.

ويتعامل المبدأ الثاني مع “الفوضى” بوصفها كشيء غير مرحب به وينبغي تجنبه. الا ان نظرية الكيوس Chaos Theory ردت اعتبارها. وطبقا لها يتطلب وجود أي منظومة مزيجا متوازنا من “النظام” و”الفوضى”. فـ “النظام”، بما ينطوي عليه من قواعد وقوانين واجبة الاتباع، يعد أمرا ضروريا لوجود أي منظومة ولضمان استمرارها. أما وجود “الفوضى” فهو أيضا أمر ضروري لكلا من عمليتي “التكيف” و “التطور” اللازمتان للحفاظ على وجود الكيان. ومن الجدير ذكره ان كلمة الفوضى هنا تحمل معاني متعددة فهي قد تكون خروج عن المألوف وقد تكون تحدي لما هو مستقر من عادات وتقاليد او تجاوز للقواعد المتعارف عليها. أي ان الفوضى هنا يمكن النظر اليها بوصفها القوة المحركة لإنتاج الجديد.

وأخيرا نصل الى المبدأ الأول، السببية، او العلاقة بين السبب ونتيجته، وهي علاقة ليست بسيطة ويصفها المتخصصون بأنها علاقة “لا خطية” Nonlinear. وقد لا يعلم الكثيرون أنهم عندما يرددون عبارتهم الاستنكارية “إن الزيادة في المرتبات لا تتناسب مع الزيادة في الأسعار” إنما يتحدثون عن “علاقة لا خطية” بين المرتبات والأسعار. فالارتفاع الطفيف في المرتبات يعقبه في العادة ارتفاع مهول في أسعار السلع والخدمات. وفى حقيقة الأمر يكمن السر في “لا خطية” المنظومات ذاتية التنظيم في كلمة واحدة هي “الرجيع“(*) Feedback. ويذكر لنا المعجم الوسيط عن كلمة الرجيع أنها تعنى “كل مردود من قول أو فعل”. “الرجيع” بتأكيدها أن هذا المردود ليس مردودا خاملا من أقوال وأفعال بل هو مردود نشط وفعال يؤدى إلى تغيير السلوك وتصحيح المسار. أي أن الرجيع، في حقيقة أمره، هو استخدام نتيجة عمل ما في تعديل أسلوب إنجازه. أي أنه ببساطة “عود على بدء” … من النهاية الى البداية (#).

ويصنف المتخصصون الرجيع إلى صنفين: صنف سالب وصنف موجب. و”الرجيع السالب” Negative Feedback هو الرجيع الذي يستخدم نتائج فعل المنظومة في الحفاظ على حالة “استقرارها” Stability بحيث لا تتعدى الحدود أو الخطوط المقررة سلفا. ولتوضيح مفهوم الرجيع سنأخذ منظومة “السيارة + السائق” كمثال. فلنفترض أنك تقود سيارتك متجها نحو الإسكندرية عبر طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي. ونظرا لحالة السيارة غير المضمونة قررت السير في الحارة اليمنى للطريق لا تحيد عنها قيد أنملة. لذا إن لاحظت انحرافها نحو الحارة اليسرى يكون رد فعلك الطبيعي هو لف عجلة القيادة نحو اليمين. أما إن لاحظت انحرافها نحو اليمين يكون رد فعلك الطبيعي هو لف عجلة القيادة لليسار. ونتيجة ردود أفعالك هذه هي للحفاظ على حركة سيارتك على خط مستقيم.

أما “الرجيع الموجب” Positive Feedback فهو الرجيع الذي يضخم من نتائج فعل المنظومة. فعلى سبيل المثال سنلقي نظرة على منظومة “المطربة والجمهور” فنجد المطربة وهى تبدأ وصلتها الغنائية بـ “ليالى” تهز قفلاتها مشاعر جمهور السميعة فيطلق آهات الطرب والاستحسان ويطلب المزيد. وهنا تنتشي صاحبتنا فينطلق صوتها مدا وترجيعا إلى أعلى درجات السلم الموسيقى فيزداد حماس الجمهور فيملأ فضاء القاعة تهليلا ويستعيد. فـ “تتجلى” مطربتنا ويصول صوتها ويجول عبر المقامات. وتمضى الدورة حتى توقفها محدودية الوقت وقدرة الانسان.

مفاهيم في الميدان

تقدم لنا علوم ما بعد الحداثة مجموعة من المفاهيم التي تساعدنا على فهم واقعنا المعاصر الذي يتميز بتعقده المتزايد ومن ثم على ادارته لصالحنا. فعلى سبيل المثال في مجال إدارة الكيانات الاقتصادية، الساعية للربح، وفي عصر أصبحت “الابتكارات” فيه مصدرا لثروة الأمم وتسارعت فيه معدلات التغير تصبح “الفوضى”، بالمعنى الذي عرضنا له في فقرة سابقة أو “الفوضى المحكومة”، امرا مرغوبا فيه لتعزيز قدرة الكيان على انتاج الابتكارات وعلى سرعة استجابته لمتغيرات الواقع ومستجداته.

وعلى مستوى المجتمع ككل تعتبر منظمات المجتمع المدني بمختلف أنشطتها أحد تجليات “الانتظام الذاتي” في المجتمعات البشرية. وتستمد هذه المنظمات قوتها من كونها منظمات طوعية ينشئها افراد المجتمع استجابة لحاجة أو أكثر من حاجاته. وهي بذلك تسهم في عملية تنمية المجتمع وتحول المواطن من مجرد منفذ لقرارات السلطة الى عنصر مشارك وفاعل وقادر على ابتكار حلول غير مسبوقة لما يعانيه من مشاكل.

وآخر تلك المفاهيم هو “الرجيع” (#) الذي يمكن استخدامه على عدة مستويات بدءا من مستوى منشأة صغيرة وانتهاءا بالوطن وذلك كآلية لبلوغ الأهداف وعرضنا لها في مقال سابق (السيد, 2018).

المراجع

(*) فضلنا استخدام كلمة “رجيع” كترجمة لكلمة Feedback على الترجمة الشائعة “التغذية العكسية أو المرتدة” لتشابه دلالتها اللغوية مع نظيرتها الانجليزية فضلا على أنها كلمة واحدة.

(#) انظر الشكل

https://www.facebook.com/elsayed.nasreldein

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Science جامعة تحوت, د. السيد نصر الدين السيد and tagged , . Bookmark the permalink.