نجيب محفوظ… من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية

 عبدالله خليفة  

خـاتمة

1ــ على مستوى العام الاجتماعي

شكل نجيب محفوظ روايته وبداية الرواية العربية ككل حين كانت الفئات الوسطى المصرية تحاول تشكيل دولة رأسمالية حديثة ديمقراطية دون أن تستطيع ذلك، بسبب قوة الإقطاع بشكله السياسي الحاكم أو بشكله الديني المسيطر على البناء الاجتماعي.

ومن هنا كانت رحلته الروائية في تجسيد رحلة تلك الفئات نحو الحداثة، وصراعها مع الحياة التقليدية، فهو يجعل شخوصها محورية قائدة في الحارة كرمز للوطن، وهذه القيادة تأتي عبر بث خطاباتها، ويتجلى بشكل سياسي خاصة، وهو أمر يتمظهر في حضور شخصية حزب الوفد في الكثير من مواقع هذه الروايات، لكن الحضور يغلب عليه الطابع السياسي بموضوعات تحرير الوطن وتشكيل حداثة لا تبدو واسعة وعميقة.

فالرؤى الدينية تحضر بقوة كذلك، وهي رؤى تقليدية تطرح خطاب الإله المتدخل في كل شيء، في حين تواجه الشخصيات صراعات اجتماعية، تحاول كشف سببياتها التي تـُرجع إلى تدخل القوى الخارجية في الجسم الوطني، في حين إن هذا الجسم الوطني لا يُحلل وتكشف صراعاته الداخلية العميقة. أو تـُرجع هذه المشكلات إلى سببيات اجتماعية محدودة كفقدان الأب، بسبب عدم غوص هذا المنهج إلى الصراع الطبقي كجذر للحراك الاجتماعي.

وتعود هذه العملية الفنية إلى سيطرة مؤثرات إيديولوجية قادمة من تلك الفئات الوسطى، التي هي في مرحلة استيراد فكري وتجاري، لم تدخل عملية التصنيع بشكل واسع وعميق، ولهذا تغدو شعارات الحداثة الغربية المجلوبة هي بضاعتها الأساسية في التحويل الفني والسياسي.

وإذا كانت هذه العملية الاستيرادية تبدو بشكلٍ متطرف لدى النهضويين المتغربين، فإن المناضلين ضد الواقع كانوا يدخلون في تحليل البناء العربي الإسلامي – المسيحي، ويكتشفون جذوره ببطء، مثلما يفعل الروائي محفوظ وهو ينتقل من مرحلة الرواية التاريخية ذات القوالب المستوردة، إلى مرحلة اكتشاف الواقع وتحليله.

وتأخذ العملية مدى زمنياً كبيراً لديه، منذ أواخر الثلاثينيات حتى ثورة يوليو 1952 التي توقف عندها عن الكتابة لبضع سنين.

إن مشروعَ الفئات الوسطى الحرة الليبرالية قد توقف هنا بعد أن كان ينمو خلال العقدين السابقين، ليظهر مشروعٌ مضاد.

إن الأحلام القائمة على نهضة ديمقراطية تبخرت، ولم تتشكل رؤية عميقة للروائي لتلك الفترة المُجهَّضة، بتحليل طابع هذه الفئات الوسطى ومدى ضعف مشروعها وتناقضاته العميقة، على صعيد الواقع والتراث.

وظل مواظباً على الخطوط العريضة لتلك الفترة الديمقراطية الأولية، ولكنه في ظل النظام الوطني العسكري لم يكن قادراً على تحليل تلك الخطوط وبالتالي تعميقها، بل غدت بالنسبة له نموذجاً كان لا بد من تجذيره، بأدواته الديمقراطية، لكن إلى أين؟ وبأي ثقافة سياسية ونظرية؟

لقد توقف عن هذا البحث خلال عقدين من حياة النظام العسكري، متوجهاً إلى نقد هذا النظام بشكل متوارٍ، عائداً إلى الفترة السابقة كحلمٍ، وكنموذجٍ، معرياً جوانب الخطأ الفادحة في النظام، دون أن يجسد جوانبه الإيجابية، فراح يتماهى مع ليبرالية غربية ذات نموذج كامل مجلوب من الغرب.

لقد حدث تضادٌ مطلق هنا بين الديمقراطية الوفدية والعسكرية الناصرية، فلم تقم الفئات القائدة لكل من التيارين بتشكيل تركيبة متجاوزة لكل من الاستقطابين، فالضباط الشموليون لم يتركوا غيرهم يكونُ تياراً مستقلاً، والوفد لم يصمد مشكلاًً  تياره الديمقراطي، مستوعباً الإنجازات الوطنية الجديدة رافضاً تشكلها بأدوات دكتاتورية.

لقد ظهر الوفدُ بعد رحيل عبدالناصر وهو ديمقراطي تبعي، ذو يافطات ديمقراطية شكلية متيبسة، لم تستطع أن تجدد وعيي الإسلام والعروبة، فعجز التيار في صلب المعمعة عن أن يقف ويتجذر، وكان الروائي النموذجي المنتمي إليه – أي محفوظ -أكثر صلابة منه، وأكثر بحثاً في الواقع، ولكنه من جهة أخرى، لم يستطع أن يتجاوز الخطوط العريضة لفئته، وهو ما أدى إلى أن تكون أكبر إنجازاته الفنية في مرحلة العسكر، حيث كان الالتهاب والحرقة والأمل والغضب، تشعل أدواته التعبيرية بالبحث عن سبل ذكية لنقد الواقع، فعبر بشكل إيديولوجي فني ضد جوانب السيطرة الشمولية، فأزدهرت أدوات الرواية ذات البطل المركزي المعبرة عن الرواي – المؤلف، دون أن يتغلغل في كشف جوانب البنية الأخرى، وحين انزاح ذلك النظام بصورته المتشددة، عاد إلى الشعارات العامة لرؤيته السابقة، دون أن يضفرها بالتحولات التي جرت، ولم تعد ذاته تشعر بتناقض كبير كلي مع النظام ذي الحريات الليبرالية المحدودة.

ولهذا نجد الفلاحين كطبقة كبيرة في مصر لا تحظى بأي تحليل بل حتى ذكر في رواياته، رغم إن العديد من الشخصيات التي لاحظناها وهي تأتي نازفة من الريف، وكذلك العمال المدنيون لا يحضون بحضور، وتتركز شخوصه وأحداثه في الفئات الوسطى، وخاصة السياسية والوفدية والبيروقراطية الحكومية، حيث تتركز خبرته الحياتية.

2 ـــ على مستوى العام الروائي الفني

إن الشخصية المركزية المنتمية للفئات الوسطى ذات البحث عن حل نهضوي لمعضلتي التحرر والتقدم، هي شخصية البؤرة في مشروعه الروائي. بدءاً من الثالوث في (القاهرة الجديدة)، حيث يفوز بالتبئير (محجوب عبدالدايم)، كاشفاً السلبي الذي ينبغي تجاوزه، وهي الطريقة الفنية التي تتيح التركيز على النموذج المركزي والتغلغل فيه، وتصوير الواقع في جانبه الحكومي والغني الفاسد.

إن النموذج المحوري السلبي سيغدو هو النموذج المتطور فنياً والمتصاعد الحضور، ثم سيتعالق مع تحليل اجتماعي تجريبي، فالمرحلة الاجتماعية من رواياته سوف تغنيه بالمادة الحياتية، لكن نموذجيتهُ مصاغةٌ عبر فرديةٍ متطرفة، ثم سوف تلتحمُ بالجانب السلبي أكثر فأكثر، وعبرها سوف يتم رصد الأزمة الاجتماعية من زوايتها الفردية، أو قل من خلال الفردية الوفدية النهضوية، فتكشفُ الطابعَ الشمولي أو الفاسدَ للسلطة، وبعد ذلك سوف يستقلُ النموذجُ الفردي المجسدُ للبطلِ المأزوم السلبي، ليغدو مركباً في تنويعات فنية أخرى، كالبحث الفلسفي الوجودي كما جرى في روايتي (الطريق) و(الشحاذ)، أو في البحث الاجتماعي ذي المنسوب النقدي العميق أو المحدود.

 لكن هذه الطريقة لا تتيح ملحمية الصراع، ولا كشف طرق الشخصيات الإيجابية في تحويل الواقع، وبالتالي لا يجري التعرف على تضادات الواقع في مختلف مستوياتها الاجتماعية والفكرية خاصة.

وعدم فعل ذلك يكرسُ النمطية في تحولِ نموذجِ الشخصية المركزية إلى أداة تعكس آراء المؤلف بشكل سلبي.

وهو أمر لم تنفيه الثلاثية بضخامة صفحاتها وشخوصها وأحداثها، فهي تتحول إلى نموذج موسع من القاهرة الجديدة، على الرغم من دخولها إلى تيارات الفئات الوسطى الواسعة: أخوان مسلمون، وماركسيون وغيرهم.

إن الشخصية المحورية المأزومة في بناء نثري – شعري قصير مكثف هي النمط السائد في أعماله، التي تتسم بالعمق والتوتر والثراء الدلالي، بدءاً باللص والكلاب مرراً بجميع روايات المرحلة الناصرية. ونستطيع أن نعتبر (أولاد حارتنا) هي بهذا التركيب الفني، رغم الاتساع الكمي، فكلُ شخصيةٍ محوريةٍ تعيشُ بذاتها، معبرة عن نموذج الشخصية المركزية، ولكنه نموذج هنا في حالة فعل وتغيير، دون أن يقودَ هذا الفعل إلى توسع التحليل في بنية الحارة الاجتماعية، ولهذا تغدو الشخوص متماثلة نوعياً ومكررة.

إن نموذج الشخصية المحورية المأزومة يقارب وعي الرواي – المؤلف، فأغلب هذه النماذج هي مستوى تعبيري لوعي الراوي، وحين يتشكلُ هذا التركيبُ للبطل المأزوم ويغدو هو محور الرواية فهذا يوهجُ البناء الروائي، أما إذا تشكلت رواية الشخوص الكثيرة وبدون وجود مثل هذا البطل المحوري المأزوم فإن البناء الروائي لا يغدو غنياً بدلالاته، ولا مثيراً، ك(حكايات حارتنا) و(حديث الصباح والمساء) و(الكرنك)، وغيرها من الروايات العديدة التي تفتقد تلك البؤرة المتوهجة.

إنها تتحولُ إلى مجموعة من السرديات حول مجموعة من الشخوص، ذات المنحى العادي.

وسبب عدم تفجر رواية (العائش في الحقيقة) بذلك التنور الذي تفجر في روايات المرحلة الفلسفية، هو عدم تحول إخناتون إلى بطل محوري مأزوم على غرار سعيد مهران أو عيسى الدباغ وغيرهما من شخوص الرواية – القصيدة. إن رواية( العائش في الحقيقة) تتحولُ إلى أحاديث عنه، لكنه لم يتقدم هو إلى البؤرة الملتهبة لكي يعصف بالتصوير الانعاكاسي البسيط، ويقومُ بإعادةِ تشكيلِ الواقع عبر تدخل الخيال الخلاق إلى الواقع الخام، وبالتالي ينتقل القص من التسجيلية إلى الرواية.

إن استخدام الرواية – القصيدة الوسائل التعبيرية في بناء واقعي، مثل الأحلام، والشعر، والمنولوجات، والكوابيس، والرموز، تقوم بتموجٍ للصورة الانعاكسية المباشرة، فتعطيها مجموعة من الدلالات وتتيح مجموعة من القراءات، لكنها تتمحور حول عذاب البطل من النظام الشمولي، أو عذاب الأبطال كما يحدث في (ثرثرة فوق النيل).

إن هذا ما حجّم الوصفَ الخارجي للأشياء والشخصيات، وجعلَ الوصفَ مقدمة صغيرة للدخول إلى الذات المحورية، فتتحولُ الشخوصُ الأخرى إلى شكلِ لأزمة الشخصية المحورية، مثل إن الشيخ الجنيدي هو شكل لأزمة سعيد مهران، فالدين الذي هو الملاذ غدا أداة تجهيلٍ أو تغييب أو قمع من قبل النظام.

أو كحلم صابر سيد سيد الرحيمي في (الطريق) بأبيه وقيام أبيه بتمزيق صورته، أو كثرة أحلام  صابر في الفندق الذي يشبه القفص.

أو كأحلام عمر الحمزاوي في الثلث الأخير من الرواية بأبنه الوليد الراكض وهو يــُدمج بالمناضل (عثمان خليل).

أو عبر استخدام كوابيس اليقظة كالحضور المرضي للشحاذ المشوه والمجرم السابق في (الطريق) في العديد من اللحظات العادية وفي لحظة متوترة رهيبة هي اصدامه بصابر بعد تنفيذ جريمته، وهو حضور ترميزي عن وجود صابر نفسه الذي يغيب منه العمل ويتجسد فيه التسول.

وهذا الحضور الواسع للترميز يتشكل كذلك عبر تغيير طبيعة اللغة، التي تتموج وتمتلئ بالصور والكثافة وهي كلها تقربها من بنية القصيدة دون أن تكونها. 

لكن بنية الرواية – القصيدة هي تجسيدٌ لأزمةِ وعي الفئات الوسطى الليبرالية، كما لاحظنا من ضمور رواية محفوظ عن التحليل الصراعي الطبقي الموسع، وتغييب القوى الاجتماعية الأكثر معاناة، وتمظهرها في مثقفي تلك الفئات، فتغدو الرواية المكثفة، المركزة على الأنا الفردية لهؤلاء، لا تشتغل بأدوات التحليل الفنية الموسعة، التي تحتاج إلى تغلغلٍ في الصراعات الاجتماعية والروحية الكبيرة، وحين تخرج رواية محفوظ إلى هذه الأنا الاجتماعية الواسعة، فإن البنية الفنية تصاب بالترهل والضعف لأنها لا تقرأها قراءة صراعية.

أما ما يبدو بخلاف ذلك في (ملحمة الحرافيش) فهي تستمدُ من الحارة الشعبية صراعاتها وملحميتها، وهي تنداح من الفئات الوسطى إلى الشارع، لكن يظلُ الشارعُ بلا فعلٍ حقيقي وتاريخي، وتبقى الفعالية لدى الفئات الوسطى، عبر (الفتوات) الذين هم شكل رمزي للمثقفين والسياسيين والحكام.

وتغدو عملية التتالي لهؤلاء الفتوات عملية تفسخٍ في السلطات المتعددة، ويمكن النظر لنماذج التفسخ باعتبارها نموذجاً واحداً، أو هي تكرار سلبي بخلاف تكرارية أبطال (أولاد حارتنا) العظماء، ولهذا فإن العلاقة النضالية التحويلية هي مسألة مفقودة في مثل هذه الرواية التي تقوم على فعالية الفئات الوسطى، لكن يغدو التحويل حلماً مؤجلاً أو انتفاضة أخيرة دون تصوير ومتابعة كما حدث في نهاية رواية (السمان والخريف).

3 ـــ على مستوى العام الفني الفلسفي

إذن كان نجيب محفوظ أبرز المعارضين الحاضرين في زمن الحكم الوطني العسكري، ومعارضته تتقدم على مسرح الكلمة المسلط عليها كشافات النظام بقوة، ومن هاجس المعارضة تولد الفنُ الفلسفي للرواية، بدءً من (اللص والكلاب) و(أولاد حارتنا) وانتهاءً بالحرافيش، فهذا الهاجس هو مجموعة من المشاعر الغاضبة والساخرة والمعجبة، التي تتوجه لنقد النظام وتجاوزه في زمن المدح الصاخب له. لكن هذا النقد يتوجه لديه إلى استعادة المـــُـثل الليبرالية للوفد، ومن هنا حين عادت تلك الليبرالية بشكل مموه في نظام شمولي للسادات فقد محفوظ تلك المعارضة الملتهبة التي غذت أعماله (الفلسفية). فراح الشكلُ يناورُ في صيغ متعددة من التسجيلية المباشرة اللافنية مثل(الكرنك)إلى الرواية القاموسية التي تضع الشخصيات الكثيرة بقاموس أبجدي مثل رواية (أحاديث الصباح والمساء )، فنبض المعارضة المهيج للتحدي والصور والشعر توارى مع التوافق مع نظام ذي مسحة ليبرالية زائفة.

فمثلاً لم يهتم محفوظ بأهمية القطاع العام وأهمية بقائه ولعبه دوراً محورياً للاقتصاد، دون أن يعني ذلك العودة للقمع، فهذه الجدلية مفقودة هنا، فصارت وجهة نظره العامة تتمحور في نقيضين غير قابلين للتداخل، فأما مجتمع ليبرالي وأما مجتمع شمولي، وبالتالي فإن النظر للمجتمع ذي المسحة الليبرالية الزائفة والتوافق معه، عطل لغة المعارضة وقلل الوهج الفني الحافر في تناقضات المجتمع الذي لم يعرف محفوظ سيرورته العميقة، وأخذه بشكل وطني كلي.

إن غياب الصراع الطبقي في الروايات الاجتماعية الأولى مثل (بداية ونهاية) و(زقاق المدق) على سبيل المثال، هو تعبيرٌ عن عدم فهم قانونية البناء الاجتماعي، فهو إذ يعيدُ الخللَ الاجتماعي لعواملٍ ثانوية، كان يخضعُ المادة لمخطط قبلي يشكله قبل صنع الرواية، ثم يجسده، فيحول أنانية حسنين وأخته إلى أنانية في ذاتها، وليس إلى شبكة علاقات اجتماعية تكرسُ الأنانية بحكم النظام الاجتماعي، ومن هنا فهي تجمد فاعلية الأبطال في وجودهم (القدري)، وهو قدر البنية الاجتماعية غير المفهومة وغير المدرَّكة قوانينها.

كما أن المخططات المسَّبقة للروايات في ضوء غياب فهم قوانين التطور والصراع الاجتماعية تؤدي إلى تلقائية العرض والعفوية واستقبال المؤثرات الدينية المحافظة واللغة الأخلاقية المثالية، فالدين يلعب في (زقاق المدق) دور المظلة المقحمة، وهو فهم ديني محافظ من الناحية الفكرية، ويعطي فكرةَ الإلهِ حقَ التدخل في الطبيعة والمجتمع بصورة شاملة، فلم يصل هنا إلى فكرة الإله غير المتدخل وكون الطبيعة والمجتمع لهما سببياتهما المستقلة.

وبعدئذٍ ينقلبُ على فكرة الإله عموماً ويجعلها كمجرد لعبة اجتماعية أو مؤامرة، وذلك في رواية (أولاد حارتنا)، ويغدو التمثيل الكاريكاتيري لها، ووضعها على جسم الحارة المصرية المعاصرة، تنميطاً متناقضاً وهو عدم فهم لفكرة الإله فلسفياً، وذلك يتجلى في التشيئية لفكرة الإله، والتجسيم والتجسيد البشري لها.

لكنه بعد ذلك يعيدُ فكرة الإله إلى تنميطها المحافظ، وقد رأينا كيف كان عامر وجدي في (ميرامار) يتحدث دينياً، ففكرة الإله غدت مرة أخرى متدخلة في العمليات الاجتماعية بشكلٍ مباشر، رغم إن هذه الرواية تتجه لكشف السببيات السياسية لخلل النظام.

إن عدم فهم فكرة الإله،  وطبيعة النظام، هما شكلان لعدم فهم قوانين التطور العامة التاريخية، فالمجتمع العربي غير محدد علمياً، بكونه مجتمع ما قبل رأسمالي، يسيطر عليه الإقطاع السياسي والإقطاع الديني، عبر سيطرتهما المشتركة على جهاز الدولة، وأساسيات البناء الاجتماعي، ورأسمالية الدولة التي تشكلها هذه الأنظمة مسيطرٌ عليها من قبلهما، وتتعرض لنخر وبيروقراطية مهلكة، وتجد الفئات الوسطى نفسها تابعة لهذين الوجهين من الإقطاع. عاجزة عن تشكيل ثقافة ديمقراطية عميقة تنقل المجتمع إلى الحداثة، فلا بد لها من نقض وجودهما الشمولي فتتجلى ديمقراطية الحكم وعقلانية الدين.

وهكذا فإن فكرة الإله المتدخل في كل شيء تتوافق مع مجتمع دكتاتوري لا تلعب فيه الفئات الوسطى دوراً مهماً، وهذه الفكرة تتافقم مع تحول الدولة إلى آلة هائلة مسيطرة على كل شيء كما في النظام العسكري الشمولي، في حين إن فكرة الدين الديمقراطي بحاجة إلى إعادة إنتاج الثقافة بشكل مغاير، وتشكيل ديمقراطية السلطة وتوسع الفئات الوسطى الخ..

إن ما فعله محفوظ هو نقد للشمولية دون أن يتقصى آثارها في الدين والحكم والاقتصاد، عبر موقف ليبرالي محدود، أخذ هذا الموقف بعد عودة قوى اليمين للسلطة أن تراخى ولم يستطع إنتاج نفس القمم الروائية السابقة.

إن محفوظ حين ينتقد النظام الناصري لا يكاد أن يجد فيه شيئاً إيجابياً من حيث تمثيل الشخوص، فنجد (سرحان البحيري) رمز هذا النظام في الرواية كتلة كلية من الفساد والظلام، في حين يبدو عامر وجدي رمز الوفد كتلة كلية من النور، وهذا المنهج غير الجدلي، الذي تتجلى فيه الأشياء أما أسود وأما أبيض يقود إلى تعميمات غير موضوعية، ويتجسد كل ذلك في البطل المأزوم المضاد للنظام، وفي بنية الرواية – القصيدة، وعدم نمو الأنواع الأخرى من الراوية، ولهذا فإن الرواية تتوقف عن التوجه نحو الملحمة، حيث تتطلب الملحمة رؤية فلسفية أكثر تركيباً، وإلى التوجه لمختلف جوانب البنية الاجتماعية تحليلاً ونقداً، بحيث تتكشف القوى الاجتماعية القادرة على تجاوز النظام الوطني العسكري إلى نظام شعبي ديمقراطي.

ولهذا تحدث لدى محفوظ الترميزات العامة، كتحويل زهرة في نفس الرواية إلى نموذج نوراني كمريم العذراء، وهذه الترميزات رغم أهميتها الفنية إلا أنها تمثل تعويضاً عن نقص في البنية الفنية، التي لجأت للرموز التعميمية بسبب غياب التحليل الموسع للواقع.

إن وعي محفوظ يتشكل بصورة تأملية، فتظهر الأبنية الفنية من هذا التأمل المنقطع عن الممارسة النضالية في الحياة، وعبر لغة ديمقراطية ذات بـُعد سياسي، فلا تستطيع كسر الشعارية وكشف جوانب مغايرة من ثراء الواقع، فتعطي أكبر زخمها الفني في لحظة مقاومتها للشمولية بتلك الأدوات السابقة الذكر، ثم تنقطع عن كشف تعقيدات الواقع، وتنقطع عن تعريته بذات الأدوات التعبيرية، لأن تلك الأدوات التعبيرية المجسدة في بنية الرواية – القصيدة، لا تنفع لتحليل اضطرابات الواقع بعد رحيل عبدالناصر، وتحتاج إلى رواية ملحمية تكشف صراعات القوى الاجتماعية، لكن بنية الرواية – القصيدة تظهر بشكل اجتماعي صرف كما في رواية (حضرة المحترم) وقد شحبت الأدوات الأكثر توهجاً فيها، لأن مدى الصراع في البطل المأزوم صار شديد الذاتية.

لقد توقفت الرواية (الفلسفية) عند المرحلة الناصرية، مقتصرة إلى فلسفة تجريدية عامة، حيث وجدنا في رواية (الطريق) مثلاً عمليات التضاد الكلية بين السماء والأرض، بين الخير والشر، لتغدو هذه مفصولة عن عملية التحليل الاجتماعية التي جرت في (ميرامار) مثلاً، والتي ربطت الشر والخير بقوى اجتماعية متصارعة في حيز محدود، وهذا ما أوقف تطور الفلسفة في الأعمال التالية، التي كانت بحاجة لدمج بين الجانبين الفلسفي التجريدي، والصراعي الاجتماعي نحو جوانب أكثر عمقاً للبناء الاجتماعي والفكري.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

شواهد الخاتمة:

(1):(.. أما في (حب تحت المطر) و(الكرنك) فيطرح رؤى جزئية، بل مواقف تحددها الأحداث المرحلية فلم يترو وأنما دفع رؤاه دفعة واحدة)،الاتجاه التعبيري، مصدر سابق، ص 65 – 66.

 

فهرس الكتاب

 

توطئة: نجيب محفوظ الذي عرفته.

الفصل الأول: الرواية التاريخية.

الفصل الثاني: البناء الفضفاض في زقاق المدق.

الفصل الثالث: تفكيك بداية ونهاية.

الفصل الرابع: فلسفة اللص والكلاب.

الفصل الخامس: البناء الفلسفي في أولاد حارتنا.

الفصل السادس: البطل المأزوم في السمان والخريف.

الفصل السابع: البناء الفلسفي في رواية الطريق.

الفصل الثامن: البناء الفلسفي رواية الشحاذ.

الفصل التاسع: ملحمة الحرافيش.

الفصل العاشر: ميرامار والعودة للنقد الاجتماعي.

الفصل الحادي عشر:أمام العرش، تقرير سياسي.

الفصل الثاني عشر: حضرة المحترم رواية البطل المأزوم اجتماعياً.

الفصل الثالث عشر: العائش في الحقيقة والعودة للرواية التاريخية.

الفصل الرابع عشر: الباقي من الزممن ساعة رواية التسجيل

خاتمة:

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, Biblioteca مكتبة المحروسة, عبدالله خليفة and tagged , , . Bookmark the permalink.