!موسى المصري (ب):ميلاد الصهيونية في مصر

يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وإني فضلتكم على العالمين”[1]

لميس فايد  

أدعو القاريء الكريم لقراءة المقال الأول في سلسلة موسى المصري على موقع مصر المدنية، نستكمل ما بدأ في المقال الأول باستعراض مفصًل لذكريات موشيه ساساون عن السبع سنوات التي قضاها في بلاد النيل، ولعله من المناسب مع مرور اليوم الذكرى الأربعين لتوقيع معاهدة السلام كامب ديفيد مصر-إسرائيل. إن كُبرى الأحداث التاريخية تستلزم مدة زمنية لفهمها أو لنسيانها أو لتذكرها، وما يُعنى هنا هو مدة الأربعين عاماً وما تحتله من مكانة خاصة في علم الثقافة وفن التذكر Errinrungskunst  وغيرها من مفردات علم الثقافة وتاريخ الأفكار بين علم المصريات والكتاب المقدس العبري الذي أسس مفرداته عالم المصريات والثقافة الألماني –الذي أدين له بالكثير- يان أسمان. فمن المعلوم أن أول الكتب المقدسة التي اسست لرمزية الأربعين هي توارة موسى، فمن المعلوم أن بني إسرائيل قد استمر بهم التيه في صحراء سيناء مدة اربعين عاما، وحسب رأي اسمان الذي أراه مناسبأً أن فترة أربعين عاماً أي ما يعادل جيلين مفصلية في نسيان أو تأسيس ذاكرة جديدة، وأن الأربعين عاماً كانت لازمة حتى يتوفي الله الجيل من بني إسرائيل الذي عاصر أحداث الخروج وتسبب في كوارث لنبي الله موسى بسبب معارضته الدائمة له والحنين المستمر لمصر والعودة لها هرباً من العطش وفقر الزاد، ليولد جيل جديد يدخل أرض الميعاد[2]. ليس هذا فحسب، بل ان المدة التي قضاها موسى في الخلوة في الجبل مع الله كانت أربعين يوماً، وفي العهد الجديد قضى روح الله عيسى أربعين يوماً في الصحراء يحارب الغوايات.[3]

ويحاول اسمان من جانبه كعادته فك شفرة الحاضر بالماضي، في ذكره وتحليله المستفيض لسفر الخروج من خلال خلفية تاريخ ألمانيا مع الرايخ الثالث وهو أنه قد مر أربعين عاماً أيضا على موت معظم الجيل أو الناجين من الهولوكوست، وتحمل فكرة “خطايا الأباء” ومحاولة معالجتها من جانب الألمان في هذه الحال، أي مرتكب الذنب، أي الجيل الذي تسبب في فاجعة ” الهولوكوست”.[4]  وكما أشرت في المقال الأول عن الذاكرة الحضارية لليهود –بشكل جمعي- وكيف شكلت التوارة هذه الذاكرة التي يرى بها ساسون وغيره من اليهود مصر والعالم اجمعيكون من المناسب توضيح ما قصدته  بدور الذاكرة الثقافية لليهود Kulturelles Gedaechtnis

لاأبالغ أن من أهم الأفعال التي تلعب دوراً حاسماً في تاريخ اليهود دون غيرهم من الأمم هو فعل ” التذكر” وبناء عليه صياغة الذاكرة وإحيائها، وتذكر الماضي برؤية خاصة جدا، تساهم في رسم الهوية العرقية والسياسية والقومية، ودون هذا الفعل الإلهي “التذكر والذكر” لما كان لليهود إستمرارية ووجود حتى اليوم، وبين اليهود وهذا الفعل ” التذكر” كل القضايا العالقة معهم وتخصهم. فلصناعة الذاكرة آليات خاصة، يجيديها اليهود بشكل خاص دون غيرهم، خاصة في الأحداث العنيفة أو Trauma  بمعناها النفسي وأثرها في الذاكرة، وكيفية مداوتها، وذلك عن طريق الكتابة والطقوس. وربما يقف مثلين شديدين الدلالة من التاريخ الحديث على ما أقصده وهو فاجعة ” الشوعا أو الهولوكوست” التي أفردت اليدا اسمان زوجة اسمان البحث والتحليل لها، بقصد إحيائها لعدم تكراها بتاتاً وطبعا المقصود إحيائها في ذاكرة اليهود ” الضحية” وليس في ذاكرة ” الجلاّد” عند الألمان..والمثل اللآخر هنا يخص مصر وهي ذاكرة “التروما” التي أحدثتها حرب يوم كيبور- حرب اكتوبر وتركت أثراً في كتابات وأشعار الإسرائيليين وعنى بها الأستاذ إبراهيم البحرواي[5] من خلال دراسته لتلك النصوص د. إبراهيم البحراوى: الشعر الإسرائيلى وثائق تاريخية تشهد على عظمة الانتصار المصرى فى أكتوبر

لاحظ أن فيلم ” الملاك” مع كل الضجة والخلاف الذي حدث عليه، خرج إلى النور مع ذكرى الأربعين عاماً لتوقيع المعاهدة، رغم أن صدور النسخة العبرية كانت أسبق الفيلم بعدة سنوات، بشكل يمكن إعتبار الفيلم –وإن لم يحسم الفيلم نفسه أمر مروان كان مع أم ضد- أنه من ضمن أدب Posttraumatiche  أي “أدب ما بعد الصدمة” كما أطلق الزوجين اسمان على كثير من الأعمال الفكرية لمفكرين وكتاب يهود عالجوا فاجعة الهولوكوست، وربما يكون الهدف من إنتاج فيلم على مستوى عالمي لا يخص في الحقيقة الأمر إلا طرفين هما اليهود والمصريين نوعاً من  Selbstheilung أي مداواة الذات أو الذاكرة بشكل جامع ونهائي فيما يخص حرب يوم كيبور وما يخص مصر أيضاً. محاولة” رسم رواية أخرى للماضي” كما فعل المؤلف أوري بار يوسف، هو بالضبط ما قصده أسمان في مجمل أعماله عن سفر الخروج وموسى المصري. الذاكرة وفعل التذكر ورسمها لها دهاليزها الخاصة التي لا علاقة في المجمل بسؤال الحقيقة ” ماذا حدث فعلا؟ هل كان مروان مع أم ضد؟ أو سؤال الحقيقة التاريخية هل كانت مصر أرض عبودية بشعة كما صورتها التوراة؟ أم أن كاتب التوارة يتذكر مصر بشكل خاص يوافق رسمه لهويته السياسية والعرقية ولأهدافه القومية لتكوين “شعب الله المختار” ؟

ولمعرفة كم ان سؤال الذاكرة وفعل التذكر بالغ الحيوية والتأثير في مصير الجماعة اليهودية، فلنتأمل آيات القرآن وخطابه المجمل لليهود أو بني إسرائيل أو قوم موسى كما خاطبهم القرآن بتلك المفردات، نجد أنه في اكثر من موضع يطالب القرآن اليهود “التذكر” ” يابني إسرائيل أذكروا..” وياتي  الأمر القرآني لليهود بالتذكر في الآيات التي تتحدث عن “النجدة من قوم فرعون” و”تذكر الأفضلية على العالمين” أي تأسيس “فكرة “الشعب المختار” لعقد العهد، وكل المعاني الكبرى التي أسست ميلاد الصهيونية ومن ثم ميلاد إسرائيل قديماً وحديثاُ، -وأرجو أن لا يؤول القارئ ما أكته وفق هواه- هذه معاني لابد من فهمها لإستيعاب ذاكرة اليهود كما يحملوها في ذاكرتهم. وفهم عبارة ساسون التي أوردها في معرض حديث له مع أنيس منصور

“الصهيونية هي في أصلها “صنع في مصر” لأن ابانا موسى تزوج في بيت فرعون هناك، وهناك تعلم وتربى ونحن كأمة ولدنا على أرض مصر على سفوح جبل سيناء، كيف تتنكرون وأيضاً تحاربون السلعة التي نشأ وتربى هنا على أرضكم، استمع أنيس منصور كمن ركبه الشيطان وهو الذي يحب التحديات والألغاز الثقافية وقال متعجباً : أعلم ربما تكون هذه حقيقة تاريخيةثم رد بعبارة فيها تردد كبير من فضلك لا تكرر ذلك في مصر وفي هذا التوقيت، فلكل نبؤة وقتها. عند هذه النقطة وجدت نفسي أروي لأنيس منصور المقولةالشهيرة المعروفة عن “أحدهاعم؟ عن أبانا موسى “عن الحقيقة الأثرية” و”الحقيقة التاريخية” ولن يقلل هذا شيئاً من الواقع التاريخي لموسى المثل، الذي قادنا ليس أربعين عاماً فقط في صحراء سيناء، بل ألفي سنة في كل الصحاري التي طفنا فيها من مصر هاهنا”[6]

شكراً سيد ساساون! في تلك السطور القليلة يكمن قلب الصراع والألم فيما يخص العرب واليهود من جانب ومابين مصر وإسرائيل من جانب آخر. مايقصده ساسون من مفهوم الصهيونية هو ما تحدث عنه اسمان تفصيليلاً في عمله الضخم عن تحليل سفر الخروج في ضوء علم المصريات، ومن خلال اعمال لقاء فيمار الذي كرسه أسمان “للتذكروإعادة بناء الماضي” ويعالج سفر الخروج وإعادة بناء الماضي لجماعة بشرية منهارة تماماً يرسي من خلالها الأسس الجديدة مثل الشعب والهوية العرقية والقومية والدينية، فالخروج وتكوين الجماعة اليهودية بشكل سياسي عرقي لم يتم من آشور أو فارس ولكن من مصر وتولدت هذه المعاني من رحم مصر وعلم المصريات، إذن ساسون على حق في هذه المقولة بشهادة علم الثقافة وكل ما كتبه اسمان وأخرون يهود وغير يهود! إذن سؤال الذاكرة اليهودية مع خطاب القرآن هو ما يتيح فهم أفضل لتلك المعاني المركبة التي تقف حائلأً أو حائط صد في أي تواصل حقيقي بين المصريين وإسرائيل وبين اليهود والعرب بشكل أشمل. وهذا يردنا بقوة إلى ما ورد في مقدمة الترجمة العربية لمذكرات ساسون التي تنضح بكراهية شديدة لليهود في العموم مع إضافة مسحة دينية إسلامية لها-رغم أنه يبدو أن المترجم وكاتب المقدمة من اليسار وممن يتبنى موقف “تنظيم ثورة مصر” وما فعله سليمان خاطر بمحاباة..- أنه من ضمن القناعات السائدة أنه لاعلاقة بين يهود بني إسرائيل التاريخية وبين اليهود اليوم ممن سكنوا فلسطين (أرض الميعاد) التي أصبحت جزئيا إسرائيل-هو قول أو قناعة تنم عن فهم سطحي للأمور التاريخية والدينية والثقافية وخطاب القرآن بشكل ساذج جداً، قد لايكون بالفعل الإشكيناز على علاقة وثيقة عرقياً ببني إسرائيل التاريخية ولكنهم “تهودو بحمل رسالة موسى” هذا أولاً وقياساً عليه هل يمكن إخراج المسلمين من غير العرب من إرث محمد عليه الصلاة والسلام ؟ هل يمكن إخراج الفرس مثلاً –بكل التراث والحضارة التي قدموها للعالم الإسلامي بحجة عدم إنتمائهم للعرق العربي؟ ثانياً لايمكن فهم ذاكرة الجماعة اليهودية بهذه السطحية دون فهم أعمق اولاً للتوارة ومن ثم التناخ بشكل تناص Intertextuality  مع خطاب القرآن لفهم هذه المعاني الكبيرة “بني إسرائيل” وخطاب القرآن لهم الدائم بالتذكر ” وإحياء ذكرى النجاه والعهد مع الله والشريعة “، لايمكن إلا الوقوف ذهولاً أمام هذا التماثل في الطلب با؛ياء الذكرى والتذكر في القرآن “أذكروا”[7] وبين الخروج حيث يولد الترابط بين الوحي وإحياء الذاكرة “ويكون لكم ذكراً לזכרון” فتعدونه للرب فريضة لكم مدى أجيالكم” (الخروج إصحاح 12 آية 14).

وهنا يبرز سؤال لامفر منه، إذا كان القرآن يطالب بني إسرائيل دوما بالتذكر، أن لن يكون هناك تبعات على هذا التذكر الذي يتم في اوقات بعينها لأشياء بعينها وفق عمل الذاكرة كما أوضح اسمان[8] في أن هناك في لحظات ضغط ما تستدعى أشياء ما من الذاكرة أو من الماضي ويجري استحضارها، تماماً كما حدث مع اليهود في أوروبا قبل الرايخ الثالث،لما بدأت معاداة السامية تأخذ منحنى آخر في القرن الثامن عشر، بدأ استهداف واسع لليهود “البوجرو” Pogrom[9] وملاحقتهم في جميع مناحي الحياة في وفت واحد وفي كل مكان في أوروبا، أي ان هناك عامل ضغط على الذاكرة الجماعية أو عامل إستثارة.. يحدث في وقت واحد ويضرب ويدق باب الذاكرة النائمة لتذكر معنى هام خرج به ثيودور هرزل ” تذكروا ..أننا شعب نحن شعب”[10]، هل يكون هرزل هو أول من تذكر أو أول من دعى لإحياء الذاكرة كلها التي جرى “استثارتها أو استفزازها ” بشكل انتقائي Provokation  تأمل آية القرآن الكريم في سورة الإسراء “فأراد أن يستفزهم من الأرض.. فأغرقناه ومن معه جميعا” 103 وقنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفليا” 104

تأمل أيها القارئ الكريم ترتيب الآيات، في الحديث عن عودة اليهود لفيفاً إلى أرض الميعاد لفيفا أي من لفيف الدنيا، هي عودة يسبقها إستفزاز في الأرض في مشهد يشبه النفرة كالنفرة من عرفات بهجرات أو موجات هجرة هرباً من ظروف صعبة. ختاماً لهذا المقال وليس ختاماً لبقية السلسة، أدعو القارئ أولاً لتأمل خطاب القرآن جيداً بعيداً عن الضوضاء وتزييف الوعي الذي أحدثته الآلة الإعلامية على مدار أربعين عاماً من بعد عقد كامب ديفيد، أدلى فيها الجهلاء وأصحاب المصالح والنظرات القصيرة دولهم فيما يخص إسرائيل عموماً وإسرائيل ومصر خصوصاً وأن نعيد النظر في مفاهيم كثيرة وقناعات تكاد تكون راسخة عند ما يمسى “النخبة” أو دعوتها لمناظرات حيّة كالتي عقدها المغفور له باذن الله فرج فودة، أن كنا على خطأ، ردونا إلى صوابنا وإن كانوا على خطأ فليكفي هرجاً ومرجاً طيلة أربعين عاماً ..

وللحديث بقية ..

لميس فايد-لوبك

[1] سورة البقرة آية 47

[2] Jan Asmann: Exodus, revolution in der Antike, S 242 وما يليها

[3] آنا ماري شمل: عيسى ومريم في التصوف الإسلامي، ترجمة لميس فايد، فصل عيسى السابق على محمد،

[4] Jan Assmann: Moses der Aegypter, S33, Jan Assmann: Exodus, Revolution in der Antike, die Enleitung

[5] http://www.ahram.org.eg/News/192050/122/555265/%D8%A3%D8%AF%D8%A8/%D8%AF-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%89-%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9-.aspx

[6] موشيه ساسون: 7 سنوات في بلاد النيل: مذكرات أخطر سفير اسرائيلي في مصر، دار الكتاب العربي، دمشق-القاهرة، 1994، ص 39

[7] ) البقرة يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40

[8] Jan Assmann: Moses der Aegypter, Muenschen, 1998, S34

[9] https://de.wikipedia.org/wiki/Pogrom

[10] Die Geschischte Israel, der Spiegel, 2015, die Gebut des Zionismus

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in لميس فايد and tagged , , , , . Bookmark the permalink.