الحكومة العتيدة

 راغب الركابي  

لم أرد الكتابة من جديد وكنت شبه عازف عنها أو مطلقها، لكن حياة العراقيين دفعتني دفعاً لكي أبين رأيي فيما جرى ويجري وماهو آت، ليس من شك إن وثبة العراقيين وحماستهم وحلمهم ليكون لهم بلد مثل باقي بلاد الله، كبيرة ولكنها تصطدم دائماً هذه الرغبة وهذا الحلم، بأشباه الرجال الذين يضيعون الحق قطعة قطعة ، حتى صار نهباً لمن هب ودب، وأنتفت عندهم قيم القانون وحفظ النظام، ومالوا حيث مال الشرير للحريق والسلب وكأنهم يطالبون بالحق في لغة أهل الباطل.

وكنا كما شعبنا صبورين ومحتملين لعل هناك في بلدنا رجل رشيد، يحافظ على بعض هويته وبعض كرامته وبعض من تبقى له من عظام ولحم، وكنا نناشد الخيرين وهم كثير ليهبوا هبةً وطنية خالصة بعيدين عن عجرفة وخسة الطوائف والاحزاب والشعبوية الضيقة، ولم نألوا جهداً في مناصرة طالبي الحق والقانون، ولازلنا ولازال أملنا باق مادام هناك نفس عراقي حر أصيل.

ونحن نعيش ذكرى أيام الإمام الحسين ودعوته (ع) للإصلاح وبناء الإنسان البعيد عن القبلية والفئوية، يحدونا أمل أن يراجع كل فينا نفسه وعمله وتوجهاته، ويضع نصب عينيه تلك الأرامل والثكالى وأولئك المعذبين الطالبين للقمة عيشهم بعز وكرامة، ونحن نعيش الذكرى لابد أن لا ننسى أبداً أننا ببركة هذه الذكرى أصبحت لدينا دولة وحكم، ولهذا يجب أن نفكر بعين الرضا والوحدة وننسى أننا  أجزاء متفرقات ليس ببننا وبين وطننا ربط وعقد، بل الواجب ان ننسى خلافتنا وأنانيتنا ونجعل مصلحة الوطن والجميع أمام أعيننا، حين نفعل وحين نخطب وحين نهمس في آذان الرفاق والأصحاب، وننتهي من لغة التآمر والكراهية والحظ على الفتنة والتمرد على أسس الدولة ومؤوسساتها، وعلى جميع المكونات ترك الثرثرة والكلام الفارغ والتوجه لبناء الوطن وإعماره، فنحن بلد يستطيع النهوض سريعاً ومجدداً ولانحتاج كغيرنا لسنوات، ذلك أننا نمتلك الإرادة والعزيمة ونمتلك الصبر والتعالي على المحن، فلنتوجه جميعنا لتحديد مصير الوطن من دون حسابات ضيقة ومكاسب لا تسمن ولا تغني من جوع.

وإن ثقتي ببعض الشباب الذين دخلوا المجلس النيابي ان يفرضوا لغة الوحدة ولغة الوطن الواحد، وان يجسدوا بالعمل معنى ذلك كما ان ثقتي بالشعب المطالب بحقوقه ان يهدأ قليلاً فقد آن الآوان للتوجه نحو العمل، وليعلم الجميع ان بلد خرج للتو من مجموعة حروب وفتن حري بنا ان نقف معه نضمد جراحه ولا نزيد الطين بله، نعم كان هناك فساد في الإدارة وفساد في السياسة وفي الإقتصاد وفي كل شأن وناحية من شؤون ونواحي الوطن، وكنا نأمل أن يُحاسب هؤلاء على ظلمهم لشعبهم، وأن يسود القانون والنظام  –  ولكن لا رأي لمن لا يطاع – ، فضاع زمن الحساب وضاعت بوصلة التعريف بهوية ونوع المفسدين والفساد، وكان السائد تلك المقولة العفنة  –  شيلني أشيلك –  وفيها طم على كثير مما كان مفروضا فعله وعمله، فتقلصت يد العدالة ولم تمتد إلاَّ على الضعفاء والمساكين ومن ليس بيدهم حيلة،  ولهذا نحن أمام إرادة لازمها العزم والحزم للتغيير من غير خوف ولا وجل ولا تطييب الخواطر، خاصةً والبلد تنتظره مهمات جسام في ظل ما يحيط بالمنطقة والعالم، وإن لم يكن من يتقدم المسيرة الرجل الرشيد القوي الأمين فلا خير بكل هذا العبث والفعل.

المنطقة ستمر بهزة كبيرة وأكبر مما نتصور، وسيكون هناك تغيير في قواعد اللعبة، والتدارك قبل فوآت الآوان فعل يقوم به الراشدين من القوم، فإلى هؤلاء أقدم التذكير والنصيحة   أن أقطعوا الشك بالقين فلرب فرصة لم تعود ان لم تستغل على نحو صحيح وتام وناجز، وهنا أشير عجلوا في تشكيل حكومة يكون للوطن فيها الصوت القوي، فهي بحاجة له وهو بحاجة لها وأمر الحكومة العتيدة لا يجب ان يكون خاضع لمساومات وترضيات وإن كان ذلك كذلك ،  عندها سيتراجع الوطن وتموت النار وليس هناك من ناجي بعد اليوم..

راغب الركابي

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in راغب الركابى and tagged . Bookmark the permalink.