نجيب محفوظ… من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية

الفصل الثالث عشر

العائش في الحقيقة 

والعودة للرواية التاريخية

 عبدالله خليفة 

تعبر رواية (العائش في الحقيقة) الصادرة سنة 1985 عن العودة للرواية التاريخية التي بدأ بها محفوظ حياته الروائية، وهي تنسجُ من بعض المواد الأولية المتروكة بخاميتها هناك، فعنصرا الملك المنحرف والملكة ذات الأصل الشعبي نجدهما في (روادبيس) وفي هذه الرواية، بل نجد حتى موتيفات فنية صغيرة، كالهتاف ضد الملك أثناء الاحتفال والذي يغدو عنصراً دافعاً للحدث.

لكن هذه العناصر موجودة في مبنيين روائييين مختلفين، فتلك العناصر كانت في مبنى قصصي مفكك لاروائي، في حين إن الرواية الأخيرة هي ذات بناء متماسك متبلور.

إن النزعات الإيديولوجية الراهنة المُسقطة بتعسفٍ تزول لصالح العودة الموضوعية للماضي، فتظهرُ عناصرُ العرض التعددي للرؤى، وتتشكلُ عدة زوايا للرؤية، وتــُؤخذ كافة الشخصيات على مسافة واحدة من الراوي، ويتشكل ذلك على هيئة تحقيق يقومُ به (مرى مون)، مما يشكلُ رواية التحقيق الفكرية، ولكن الفكر لا يغدو مجرداً بل هو مرتبط بالمشاعر والحس وبالصراعات الاجتماعية.

وإذا كان (الكل الوطني) أو القومي قد ظل سائداً لدى محفوظ كنظرة إيديولوجية متوارية، فإننا رأينا ظهور (الكلاب) والجماعات الطفيلية داخل النسيج الوطني، لكن بصفتها شيئاً عابراً، وكان الصراع الاجتماعي بين الطبقة العليا هو المظهر الأكثر انتشاراً، لكن ثمة طرفاً زائفاً يــُـلفظُ، وطرفاً حقيقياً هو الذي ينتمي للكل الوطني.

وقد كان النزاع الاجتماعي قد جرى في (رادوبيس) بين الفرعون والكهنة، بسبب إن الفرعون قد صار منحرفاً، ليس لدعوة دينية إصلاحية يطلقها بل لعشقه لغانية، وغدا الكهنة قوة الثورة ضده، فالتبست المفاهيمُ في الرواية، فغدا المصلحُ ذاتياً، معبراً عما هو فاسد، رغم الإشارات الوامضة لكون صراعه ضد الكهنة فيه شيء من الحقيقة والطابع النضالي، لكن هذا قد تشوش بانزالقه للحب الرومانسي والملذات الذاتية، ومن جهة أخرى ظهر الكهنة بطابع ثوري، رغم إن دوافعهم ذاتية للدفاع عن مصالحهم المُهدَّدة.

إن عدم الاقتراب من الحقيقة الموضوعية لحدث الثورة الدينية التي قادها إخناتون، قد طبعت الرواية السابقة بتضادات بدون حل، لكن في هذه الرواية الجديدة غدا التطابق مع الحقيقة الموضوعية وبدون إسقاطات عصرية، هو الذي يُعطي الرواية تماسكاً، لأن الراوي – السارد ترك مسافة بين شخصه والحدث، وراح يعرضُ هذا الحدث بشكله الذي جرى في الماضي.

إن الراوي المصري القديم المتخـّيل (مرى مون) هو صوت الراوي المعاصر الروائي محفوظ نفسه، لكن محفوظ لم يُسقط رويهِ على الراوي القديم، بل تركهُ يروي بموادِ عصرهِ وحياته.

فهو تنتابه رغبة قوية في كشف سر مدينة مر عليها وهو يبحر في النيل:

مدينة (خالية الطرقات، مغلقة الأبواب والنوافذ كالجفون المسدلة، لا تنبض بها حياة ولا تندُ عنها حركة، يجثمُ فوقها الصمتُ وتخيم عليها الكآبة وتلوحُ في قسماتها أمارات الموت)،(1).

إن طابعَ السرد الاختزالي المكثف هو الفارق بين الروي الذي اكتسب خبرات نصف قرن والسرد الأول، وهو سردٌ يضعنا في قلب بؤرة الحدث الروائي، وهو الانقلاب الفكري السابق، وآثاره المتجلية في هذه المدينة الخربة وفي قصر الملكة السابقة (نفرتيتي) التي تعيشُ بين هذه الأطلال.

وهي كلها أمورٌ تدفع الراوي لتشغيل أداة البحث، فيعرضُ على أبيه الذي كان مشتغلاً في أمور التاريخ والثقافة، فكرة التحقيق في ذلك الحدث الكبير الرهيب، ونظراً لطابع العصر والفكر فإن خصوم الماضي المسيطرين على الوضع الراهن، كانوالا يمانعون من إجراء مثل هذا التحقيق، لكنهم يرون ذلك كعرض لـ(الحقيقة) التي يقصدون بها طمس معالم الثورة الدينية التي قام إخناتون.

ولهذا كانت العبارات الإيديولوجية هي التي بثها هذا الخطابُ السائدُ والتي كان على (مرى مون) أن يأخذ بها، وهي عبارات: المدينة الكافرة، والمارق، والمروق الخ..

ومرى مون نفسه كانت لديه لافتة من العصر فهو يرى الحدث بشكل (المأساة التي مزقت الوطن وضيعت الأمبراطورية)، ويقوم أبوه بمصادرة بحثه الموضوعي بالقول أن الحقيقة تم بثها في المعبد ولم يعد ثمة جديد، لكن السارد يستشهد بقول (لا تحكم في قضية حتى تسمع الطرفين).

إن الراوي السارد لا يظل كما هو في بدء التحقيق ونهايته، بل نرى التحقيق يجري بقوة نحو بؤرته: الثورة الدينية وصاحبها.

وهكذا يمضي الراوي ليسرد وجهات نظر المختلفين المتصارعين ومن بقي منهم بعد الصراع.

وبين أن يكون السرد رواية وبين أن يكون بحثاً، ثمة خيط دقيق، فهل سيقوم الروائي بتوزيع بحثه على هيئة فقرات دراسية على شخوص هي أدوات مفرَّغة من الشعور والخصوصية، أم سوف تكون لها نمذجتها المتميزة؟

هذا ما علينا تجليه في شهاداتِ هذه الشخوص، فكاهنُ آمون وهو الذي قاد الصراع ضد إخناتون كان شخصية قوية حادة ذكية، وهو في استقبالهِ الساردَ يتوقعُ أن يكون السجل المنوي كتابته هو تكملةً لعمله في سحق الثورة، وسجلاتها المكتوبة على الجدران، ونظراً لتأصله في الصراع فإن الكاهن الأكبر يعود بحيثيات الصراع إلى البذور الأولى غير المرئية عند شخوص آخرين، فهو يعود به إلى دور (الملكة العظمى أم المارق وزوجة فرعون العظيم أمنحتب الثالث: تيى من)، مشيراً إلى ميزاتٍ نفسية وفكرية خاصة وهامة لدى هذه المرأة ثم إلى بداية الصراع حين أمرت (بتوسيع مجال الدراسات الدينية لتشمل ديانات الآلهة الأخرى وخاصة الإله آتون)، قاصدة بذلك تهميش كهنة آمون، وهو التهميش الذي تحول عند أبنها إلى ثورة.

والكاهن الأكبر يقوم بعرض الداخل الكهنوتي في معبده ومشاركة اتباعه الكهنة في العمل ضد من دمر مصالحهم، كما يقرأ الكاهن المطلع الأسباب الموضوعية لصعود مسألة الإله الواحد، والتي تتجلى في حكم الفرعون الأب أمنحتب الثالث الذي توسعت فيه المملكة المصرية لتغدو أمبراطورية، ودور هذا التوسع في بذخ العائلة الحاكمة وتعمق سيطرتها، وهو يقرأ دور الملكة الأم السابقة ومعرفتها الكبيرة بشؤون المملكة والحكم، لكنها على حد تعبيره (نهمة للسلطة) إلى درجة إزاحة دور الكهنة، وتغدو المعركة بين الملكة والكاهن الأكبر مرئية للكاهن نفسه بإبعادها الفكرية، فالملكة تقول له:

(آمون سيد آلهة مصر.. أما آتون إله الشمس فإنه يشرقُ في كل مكان وبوسع أي مخلوق أن ينتمي إليه دون غضاضة)،(2).

 إن الوعي السياسي للملكة مع تحول المملكة إلى أمبراطورية يرى بأن آتون صار إلهاً وطنياً محدوداً، وأن إله الشمس آمون، هو الذي يجب أن يعلو فوقه، وهذا الوعي السياسي المسيطر لدى أهل الحكم السياسي، يتعارض مع الوعي الديني المسيطر داخل المملكة، فهو غير قادر على التطور الفكري بهذا الاتجاه. كما أن ضخامة سلطاته الدينية المتعددة لا تسمح بعملية التجريد هذه، التي غدت من جهة أخرى مطلباً موضوعياً للإمبراطوريات الناشئة.

إن هذا الحدس هو الذي تجسد في الثورة الإخناتونية، ثم في الديانات التوحيدية، وبطبيعة الحال، فإن الكاهن الأكبر والملكة، لايعيان ذلك إلا من جهة السلطة، ويقوم الكاهن بعرض تفاصيل عديدة حول عدم انجاب الملكة ثم إنجابها بفضل دعوات الكهنة، وغير ذلك، ثم يركز على بؤرة الحدث:

(وقد لقنته أمه دين آتون التي آمنت به لأهداف سياسية ولكنه آمن به إيماناً حقيقياً نابذاً السياسة التي لم توافق طبيعته الأنثوية، ومن ثم مرق إلى الكفر وهو ما لم تتوقعه أمهُ نفسها)،(3). 

إن الكاهن يعرض إذن بتلقائية المسألة بأن الأم كانت تريد تغييراً كبيراً في الحياة الدينية، بتصعيد إله خاص يكون بديلاً عن تعددية الآلهة.

 إن هذا ما يشير إلى تركز السلطة السياسية، خارج وعي الكاهن الأكبر، لكن هذا التركز وتذويب السلطات الكهنوتية المختلفة، لن يكون ممكناً بدون سلطة قوية، وبدون تغييرات حياتية جيدة للعامة، بحيث يمكن إزاحة الكهنة حسب ما يتوقع من حركة ثورية مثل هذه.

 إن الكاهن الأكبر يشير على الملكة بضرورة استخدام القوة وليس طقوس الحب، لكن مع الإبقاء على الوثنية الواسعة وإلغاء أفكار إخناتون المخربة.

ويشير الكاهن إلى أسباب الأزمة الفكرية والدينية التي حدثت وبإرجاعها إلى طبيعة إخناتون فقط:

(ما كان رجلاً وما كان امرأة، وكان ضعيفاً لحد الحقد على الأقوياء جميعاً من رجال وكهنة وآلهة. وقد اخترع إلهاً على مثاله في الضعف والأنوثة، تصوره أباً وأماً في وقت واحد، وتصور له وظيفة واحدة هي الحب!)،(4).

ولعل هناك بعض الأسباب الذاتية لإخناتون كي يتوجه إلى ذلك،(5) من ضعف جسدي ومن كراهية للعنف، ولكن المسألة أكبر من هذا، وتعود لحاجات موضوعية للتوحيد الديني غير أن المجتمعات الزراعية لم تكن مهيأة لها، (6).

أما عرض الحكيم (آى) للأحداث فهو مختلف عن عرض الكاهن، فآى كان مربياً لإخناتون، وتابع تطورات طفولته، ورأى كيف حزن إخناتون بشدة لموت أخيه الأكثر صحة منه، وراح يشكك في معبد آمون الذي عجز عن إنقاذ أخيه، ثم تابع الحكيم تعليم الصبي، ولاحظ كيف إنه يتمتع بذكاء غير عادي، وأن أمه كرست ذاتها فيه بعد أن أوغل زوجها في عالم النساء ويتفق مع الكاهن:

(وكانت تحلم بأن يحل آتون محل آلهة الأمبراطورية باعتباره الشمس التي تنفث الحياة في كل مكان.. كانت ترمي إلى وضع الدين في خدمة السياسة من أجل مصر، لكن أبنها آمن بالدين دون السياسة بخلاف ما قصدتْ )،(7).

ويروي الحكيم كيف كانت ذات إخناتون الهزيلة جسدياً تنتج إرادة فولاذية، وكيف كانت آراؤه عنيفة ضد استغلال الدين للمآرب الشخصية والطبقية، ثم آمن بإله واحد غير مرئي، وإن هذا الإله قد وجه له رسالة لهدم الأوثان وإعلان دين المودة والرحمة العالمي.

ولم يستطع الحكيم أن يخفف من تطرف إخناتون واندفاعه  المتهور إلى إزالة الطابع العسكري عن الدولة وعدم رد الاعتداءات حيث كان يرفض العنف بشكل مطلق، خاصة إن أبنته نفرتيتي غدت هي الزوجة المحبة لذلك الفرعون الجديد ومؤيدة لكل أفكاره حتى لا تخسره وهي الطالعة من الشعب العادي.

وهكذا فإن العديد من الشخصيات تلقي أضواءً متعددة متناقضة على قائد الحركة وزوجته، ف(موت نجمت) أخت نفرتيتي كانت تشعر بغيرة فظيعة من أختها وتصف رقصها في الحفلة التي تعرف عليها فيها إخناتون:

(أما نفرتيتي فقد أذهلت الجميع برقصتها الداعرة ولكنها سرقت استحسان الفاسقين)، ( وتهامست المحترفات ما أجدر هذه البنت بأن تغني معنا)،(8). (لم تكن مخلصة. ولم تعرف الإخلاص الحقيقي في حياتها. كانت تخشى إذا حذرت زوجها من مغبة عناده أن ينزع الثقة عنها فيختار امرأة أخرى ملكة وكاهنة)، (9).

وتلعب هذه المرأة دوراً معادياً لحركة إخناتون وتنقل أخباره للكهنة وتتآمر عليه، وتنجح في ذلك وتنتقل إلى الحكم بعد فترة.

(ويمكن مراجعة بعض هذه التفصيل في كتاب (أمام العرش)

في حين يصف (مرى رع) الفنان إخناتون نضال إخناتون الكبير ضد الوثنية ويقربه لنا كإنسان مرهف وقوي الإيمان بمبدأه وكمضحٍ من أجل الآخرين، وكيائسٍ حين تخلى عنه كل من حوله حتى زوجته.

في هذه الرواية – الوثيقة لغة تاريخية موضوعية وقفت عندما هو تاريخي معروف ولم تحفر أشياء أخرى أعمق وراءها، فنجد الحقيقة التاريخية للموقف تتجلى منذ الشهادات الأولى، وكل شهادة تالية تضيف بعض الجوانب الشخصية المحدودة، فيغدو التتالي إعادة لما سبق، ولا ينمي عملية الصراع التي تجمدت منذ الشهادات الأولى.

لقد سيطر الجانب التاريخي التوثيقي على الرؤية التخيلية للكاتب، فلم تظهر جوانب خاصة يضيفها الروائي للحبكة تعمقها وتتجاوز جانبها التسجيلي، كأن يكون للرواي تطورات وحبكة تضاف للحبكة التاريخية المتجمدة في عكسها للواقع السياسي، فلم يتغلغل المتخيل كاشفاً أبعاداً جديدة.

وأساس مشكلة الرواية هذه هي أن الروائي ابتعد عن أسلوبه الأثير، أسلوب الرواية – القصيدة، مع إن إخناتون بطل في أزمة كاملة، إضافة إلى ضخامة الممكنات الأدبية المتاحة في مثل هذه الحالة، لكن أسلوب التقطيع والتكرار للحوادث، وإعادة سردها مرة أخرى من شخصيات أخرى، كان يبعد السرد الروائي عن بؤرة التوتر، وهي شخصية إخناتون، وتحتشد شخصيات عديدة تبعد هذه البؤرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش الفصل الثالث عشر:

(1): رواية العائش في الحقيقة، مكتبة مصر، 1985، ص 3.

(2): المصدر السابق، ص 10.

(3): المصدر السابق، ص 11.

(4): المصدر السابق، ص 11.

(5): راجع بهذا الصدد الموسوعة التي كتبها سيد محمود القمني عن إخناتون بعنوان: النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة في أربعة أجزاء، المركز المصري لبحوث الحضارة.

(6):راجع دراستنا المعنونة باسم(الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية)، الجزء الأول، الفصل الأول: تطور الوعي الديني في المشرق القديم، ص 29، ط /1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

(7): رواية العائش..، ص 27.

(8): المصدر السابق، ص90.

(9): المصدر السابق، ص 93.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, عبدالله خليفة and tagged , , . Bookmark the permalink.